حجم الخط:

تدبُّرُ ومُدارَسَةُ القرآن

الخطبة الأولى:

الحمد لله، وبحمده يستفتح الكلام، والحمد لله حمده من أفضل ما تحركت به الألسن وجرت الأقلام، أحمده تعالى على الدوام، وأشكره على ما هدانا للإسلام، وأبان لنا الحلال والحرام، وشرع لنا الشرائع وأحكم الأحكام، وأمرنا بالبر والاجتماع على الحق والاعتصام، ونهانا عن الجفاء وسائر الآثام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك القدوس السلام، ولي كل إنعام، ذو الآلاء الجسام، والمنن العظام، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، هو للأمة بدر التمام، وللأنبياء مسك الختام، المصطفى من الرسل والمجتبى من الأنام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله البررة الكرام، وصحبه الأئمة الأعلام، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان.

أما بعد:

فيا أيها المسلمون: اتقوا الله تبارك وتعالى حق التقوى، فتقوى الله عروة ليس لها انفصام، وقدوة يأتم بها الكرام، وجذوة تضيء القلوب والأفهام، من تمسك بها سلم من محذور العواقب، ومن تحقق بحملها وقي من شرور النوائب.

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال:1].

عباد الله: إن الله سبحانه وتعالى أنزل كتابه مباركًا ونورًا، وهدى وشفاء وموعظة، أنزله لنتدبر آياته؛ وتلاوة القرآن لها أجر عظيم، وتجويده له أجر عظيم، ولكن تدبره هو الوظيفة الأساسية للإنسان. لماذا أنزل الله القرآن؟ ﴿ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص:29].

التلاوة تعين على التدبُّر، والتجويد، ومعرفة الوقوف، وحق الحروف، وأما التدبر فإنه إعمال العقل في معنى الآية، وهذا يزيد الإيمان، ويدفع للعمل؛ ولذلك ذكر ربنا سبحانه وتعالى في كتابه أنه أنزله ليتدبروه.

والتدبر قد يكون من الإنسان وحده: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ۖ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا [سبأ:46]، وقد يكون التدبر جماعيًا، وهو عملية مدارسة القرآن التي ذكرها نبي الله ﷺ بقوله: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتْهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده»[1]، والسكينة هي الطمأنينة والوقار.

التدارس عبادة عظيمة ونعمة جليله نسيها أكثر الناس، اجتماعك بأهلك للمدارسة مع الزوجة والأولاد لمدارسة القرآن، في اجتماعك مع أصحابك لمدارسة القرآن؛ مجالسنا كثيرة، مناسباتنا متعددة، اجتماعاتنا ذات عدد، لماذا لا نستثمر فرصة الاجتماع للتدارس ولو لجزء من الوقت؟ هذه المدارسة قِمَّتُها أن تكون في المسجد عندما يقعد أهل الإيمان ويتنادون بقولهم: تعالوا نؤمن ساعة. ويتدارسون كتاب الله فيما بينهم.

عباد الله: إن هذا التدارس شأنه عظيم، وأجره كبير، وهذا التدارس هو القراءة بتمعُّن، معرفة المعنى، وإنزال المعنى على الواقع؛ هذه المدارسة عبادة عظيمة نكاد نفقدها اليوم، وأكثر ما يقوم الناس به تجاه القرآن هو التلاوة، لكن المدارسة قليل من يقوم بها، إنه يشملها حديث النبي ﷺ: «تعاهدوا القرآن»[2]، لأن التعاهد مراجعة الحفظ والتلاوة، نعم، ويدخل فيها أيضًا تعاهدوا واهتموا بالقرآن، ومنه هذه المدارسة.

هذه المدارسة جعلت الصحابة مِن قبلنا يحرصون عليها؛ لأنها تزيد الإيمان، وتربط بالرحمن، وكل من فقه الكتاب أكثر اقترب منه أكثر، وكل من فهم مراده أكثر أحبه الله أكثر، وهذه هي أهمية المدارسة، أهمية التدبر، أن تقترب من ربك زيادة، أن يحبك ربك زيادة، وكذلك فإن هذا التدبر يعين على الحفظ، يعين على رسوخ القرآن بالنفس؛ لأنك إذا فهمت المعنى فإنه يصعب عليك بعد ذلك أن تنسى الآية.

وأيضًا يحقق الترابط والتآلف؛ لأن التدارس اجتماع مؤمنين حتى لو كنت مع أهلك من أجل تحقيقه، إنه يُزكِّي النفس؛ ثم ماذا نريد أكثر من أن تتنزل علينا الرحمة والسكينة؟ وتحفنا الملائكة؟ وأن يذكرنا الله فيمن عنده؟ وكل هذا مقابل هذه العبادة التي يقوم من قام بها.

ومن السنن كما جاء في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنه: «كان النبي ﷺ يلقى جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن» فكانت المدارسة بين أفضل رسول ملَكي وأفضل رسول بَشَري تتم ليلا، دليلًا على أهميتها.

والنبي ﷺ كان يحب أن يسمع القرآن من غيره أحيانًا، كما أمر ابن مسعود أن يقرأ عليه ليكون ذلك عونا على التدبر والتفكر، وأن تكون مدارسة.

أيها المسلمون: لقد كان الصحابة يجلسون في المسجد يتدارسون القرآن، يتعلمون الفرائض والسنن، ويذكرون الله عز وجل، وكذلك كان النبي ﷺ يعلمهم الإيمان مع تعليمه القرآن، كان الصحابة يجتمعون فتطرح قضية قرآنية، مثلا: أي آية في كتاب الله أرجى؟ هناك آيات تخيف، وآيات فيها ذكر رحمة تبعث على الرجاء، فمثلا يقولون: أخوف آية في كتاب الله: ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123]. ما هي أرجى آية؟ حتى يعيش المسلم بين الخوف والرجاء، فقال بعض الصحابة: «إن أرجى آية قول الله تعالى: ﴿ حم ﴿١﴾ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿٢﴾ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر:1-3]؛ فقدم غفران الذنب على قبول التوبة»، وقال آخر: «إن أرجى آية: ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٤٩﴾ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر:49-50]، فقدم المغفرة والرحمة على العذاب»، وقال آخرون: «إن أرجى آية في كتاب الله: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] » وقال بعضهم: «إن أرجى آية في كتاب الله: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82] يعني بشرك ﴿ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]».

وهكذا كانوا حتى في استقبال المسافرين والتعامل معهم تحصل مناقشات ومدارسات للقرآن، قال معمر: بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر به ركب فأرسل إليهم يسألهم مَن هم؟ «مَن أنتم؟» قالوا: جئنا من الفج العميق. قال: «أين تريدون؟» قالوا: نريد البيت العتيق. فقال عمر: «إن لهؤلاء نبأً!» ما داموا بهذا الفقه وهذه الإجابات: جئنا من الفج العميق نريد البيت العتيق.

فأمر رسوله أن يسألهم: «أي آية في كتاب الله أحكم؟» قالوا: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7-8]، قال: «فأي آية أعدل؟» قالوا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل:90]، قال: «فأي آية أعظم؟» قالوا: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255]، قال: فأي آية أرجى؟ قالوا: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53]. فسألوا: «من فيهم؟» فإذا فيهم ابن مسعود.

وعمر رضي الله عنه كان يُدخل ابن عباس برغم صغر سنه مع شيوخ المهاجرين والأنصار والصحابة الكبار معه في مجلس الخلافة، فيقول بعضهم: عندنا أولاد في مثل سنه فلماذا يُدخله علينا؟ حتى سألهم عمر يومًا: ما تقولون في قول الله عز وجل: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴿١﴾ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ﴿٢﴾ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:1-3]، فقال بعضهم: «أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصـرنا وفتح علينا». وهذا ظاهر الآيات! هذا كلام ليس به استنباط، هذا ظاهر السورة، وبعضهم سكت فلم يقل شيئًا.

فقال عمر لابن عباس: «أكذلك تقول يا ابن عباس؟ قال: لا. قال: ما تقول؟ فقلت: هو أَجَلُ رسول الله ﷺ أعلَمَهُ له، فقال: إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، فذلك علامة أجلك ودنو موتك وقرب انتقالك، فسبح بحمد ربك واستغفره. قال عمر: لا أعلم منها إلا ما تقول»[3]. فِعلًا هكذا!.

هذه الإشارة في السورة مَن يفهمها؟ أصحاب التدبر ومَن فتح الله عليه، وهذا ما دعا به رسول الله ﷺ أن يفقِّهه الله في الدين، وأن يعلمه تأويل القرآن؛ وكذلك حصل في قوله تعالى: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ [البقرة:266]، عمر يسأل ابن عباس عن هذه الآية، فقال ابن عباس: «ضُربت مثلا لعمل. فقال عمر: أي عمل؟ فقال ابن عباس: لعمل». فقال عمر: رجل غني يعمل الحسنات ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله.

مثل نقرأه ولكن من الذي يعرف مدلول المثل؟ ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ [البقرة:266]، جنة بستان عظيم ملتف الأشجار، وهذه الأشجار فيها بدائع وروائع الثمار نخيل وأعناب، ليس عنبا بل أعناب، لأن العنب أنواع، وبالإضافة إلى ذلك له فيها من كل الثمرات، كم نفاسة هذا البستان عنده؟ ما قيمة هذه الجنة عنده؟ كبيرة جدًا، لنفاسة ما فيها.

هذه حاله المادية، ما هي حاله الاجتماعية؟ ﴿ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ [البقرة:266]، دخل في الشيخوخة، الآن هو ضعيف عن العمل، فهذا البستان بالنسبة له تقريبًا كل شيء في رزقه، مصدر المال في المعيشة، يعيش عليه، أصابه الكبر، ليس عنده قدرة الآن على أن يكتسب شيئًا جديدًا، فهو محتاج إلى البستان جدًا، وليست القضية هكذا فقط، بل إنه كما قال الله: ﴿ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ [البقرة:266]، عنده ذرية صغار وعجز عن العمل لعاهة أو لمرض، أصابه اكبر وهم ذرية ضعفاء، فكيف سيكونون في حالة ضياع البستان؟ كم حاجته من هذا البستان؟ كم هي؟ ومن أجل أولاده كم هي؟.

كل الأمل في البستان، الحاجة ماسة لهذا البستان، فأصابه إعصار فيه نار فاحترق! ما هي النتيجة؟ هذا المثل لماذا؟ مَن الذي قرأ هذه الآية؟ هذا المثل لماذا؟ مَن الذي قرأ هذه الآية؟ فكر فيها، ونحن ربما نقرأ وربما لا نقرأ، ونقصر، نمر بالآية: ما هو معناها؟ مثل ضربه الله لأي شيء؟ لشخص عمل بالحسنات وله أعمال طيبة كثيرة، يوم القيامة في حاجة ماسة إليها جدا، ولكن جاءه الشيطان في قضية الرياء والعجب، فصار يسمع ويتكلم ويسترحم.

ما العمل؟ وهذه محبطات للأعمال، الرياء والعجب محبطات للأعمال، فصار على هذه الشاكلة، فماذا سيبقى له من الأجر؟ لا شيء، سيأتي يوم القيامة وهو محتاج جدا إلى الحسنات في تلك الأهوال في المحشر عند الميزان إذا جاء الله لفصل القضاء، إذا وزعت الصحف وتطايرت، وأخذ كل كتابه، والنار أمامهم لها شهيق يسمعونه وزفير، فكم تكون الحاجة إلى الحسنات؟ فلا يجد شيئًا، لماذا؟ أذهبه العجب والرياء والاغترار والمنّ، ﴿ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى [البقرة:262].

فوجد الله عنده فوفاه حسابه، كم تكون المصيبة حينئذ؟ كيف يكون الألم النفسي حينئذ؟ إنه وقع الصاعقة، وهذا مثل، لكن مَن الذي يتدبر في هذا المثل؟ مَعَ مَن نتدارس لاستخراج الكنوز القرآنية؟.

ولذلك النصيحة -أيها الأخوة- أن لابد أن تكون لنا مجالس مدارسة، ولو مع الزوجة والأولاد، نأخذ آيات ولو آية نستعرض معناها من كتب المفسرين، ثم يبدأ التدبر والنقاش في ظل هذه المعاني، ما ارتباطها بالواقع؟ ماذا نستفيد منها؟ ماذا يُستنبط؟ ما يستخرج؟ ما علاقة هذا بهذا؟ وهكذا يدور العقل في معاني ما أنزل الله على رسوله ﷺ.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي خلق فسوَّى، وقدَّر سبحانه لا إله إلا هو وحده لا شريك له لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، الله أكبر ولا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، بديع السموات والأرض، لم تكن له صاحبة، وخلق كل شيء فقدره تقديرًا.

وأشهد أن محمدًا عبد الله إمام المتقين، وقائد الغُرِّ المحجلين، والشافع المشفع يوم الدين، حبيبنا وسيدنا وقدوتنا وأسوتنا، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وذريته الطيبين، وأزواجه وخلفائه الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله: قضية التدبر هذه والتفكر والمدارسة وإعمال العقل في معاني التنزيل لا تكون إلا بعد معرفة التفسير، فلو أخذت بعض كتب التفسير المختصرة التي تبين المعنى الإجمالي للآية لكان ذلك حسنًا، وهذه خطوة جيدة أن يعرف المسلم المعنى الإجمالي للآية، وهذه المفردات التي يقرؤها ما معناها.

تسأل البعض: ماذا تحفظ؟ فيجيب: البعض من قصار السور؟ فتسأله: ما معنى الصمد؟ لا أدري، ما معنى الفلق؟ لا أدري، ما هو الغاسق؟ لا أدري، ما معنى وقب؟ لا أدري، ﴿ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا [العاديات:1] ما معنى ضبحا؟ لا أدري. ما معنى لإيلاف؟ لا أدري.. وهكذا.. فإذا كانت هذه السور القصيرة وفيها كثير، فما بالك بالسور الطويلة، وهذا القرآن أهم شيء في حياتنا، هذا أهم من المطالعات، هذا أهم من كل الشـروحات والكتلوجات والأوراق ومواقع الإنترنت والجرائد.. لكن القليل من يوفق لفهم كتاب الله.

سبحان الله العظيم! بعض الناس يتابعون تفاصيل الأخبار، ويقرؤون الكتب العامة، والتسلية، والقصص، والروايات، وربما أصر على أن يطالع ما لا نفع وراءه من ذلك؛ وكتاب الله الكريم، هذا الأصل، الكتاب العزيز المبارك القرآن، يُهمل وتضيق الأوقات إذا جئنا إليه، والله المستعان.

القرآن أيها الأحبة هو شرَفنا، عزّنا، سعادتنا، ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف:44].

قال عالم لطلابه: هل محبة الله فرض أم لا؟ قالوا: فرض، قال: ما الدليل من القرآن؟ فما أجاب أحد، ما استحضر من دليل يوجِب، هناك آيات تصف ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] تصف المؤمنين بالمحبة، ولكن إن محبة الله فرض، قال لهم: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا [التوبة:24]. إذن محبة الله فرض؛ لأنه لا يهدد على ترك مستحَب ولا مباح، لا يهدد إلا على ترك واجب.

أيها المؤمنون: كان علماؤنا وسلفنا يحرصون على ذلك، حتى كان الواحد منهم لا يخرج بعد صلاة العصر حتى يجلس مع صاحبه يتدارسان مع بعضهما ولو آية؛ وكان بعضهم يرتب أياما معينة، كل أسبوع مرة أو مرتين، وهو كبير العائلة، يأتي الأولاد والأحفاد الذكور في يوم، والإناث في يوم، فالموضوع هو كلام الله، ولو آية، لأننا سنُسأل عنه يا عباد الله، سنسأل عن هذا الكتاب.

وهناك آيات تحل إشكالات كثيرة، هناك آيات إذا فهمت تعطي تحصينات قوية ضد شبهات مطروحة في الأجواء اليومية، هناك آيات تثبت الإنسان أمام المواقف الصعبة، الناس يتعرضون للحرام، للشهوات، لو تدبر أحدهم قول الله تعالى: ﴿ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف:23]، لو تفكر الواحد وجلس في ظلال هذه الكلمات، وطالع بعض التفاسير فيها، واستنبط بعض معانيها لكان في ذلك خيرًا كثيرا وأثرا عظيمًا. ففي هذه الآية نجد يوسف عليه السلام شابًا يدخل ويخرج بلا ريبة لأنه خادم في القصـر، وكان عبدًا له الطاعة لسيدته، وكانت المرأة جميلة وكانت صاحبة منصب وكانت سيدته، وغلقت الأبواب، وغاب الرقيب، والزوج قليل الغيرة؛ لأنه قال يا يوسف أعرض عن هذا! ولم يقتلهما بعد الحادثة! والذهن يمر ويجول في الآية ليقول يوسف: معاذ الله! ألتجئ إلى الله، ما الكلمة التي يقولها الشاب إذا عرضت عليه فتاةٌ الحرامَ، أو عرض عليه الكترونيا أو هاتفيًا أو في رسالة جوال، بماذا سيجيب؟ أو مر بموقف كهذا في مكان ما؟ ماذا يقول؟ ها هو يوسف عليه السلام يُفَضِّلُ السِّجْنَ على الفتنة والقصـر فيقول: ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي [يوسف:33]!

وهكذا، ولما تتأمل ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33]، وتتأمل حل مشكلات النساء الآن على ضوء الآية، لأن القرار في البيت الاستقرار، يعني أكثر الوقت في البيت، ﴿ وَقَرْنَ [الأحزاب:33]، ما قال واجلسن، القرار في المكان: ملازمته، ستحل لك إشكالات كثيرة في ظل الدعوات التي تخرج اليوم في موضوع تحرير المرأة من الشريعة ومن الأحكام. أُذن لكنَّ أن تخرجن لحوائجكن، إذن فلابد أن هناك حاجة، وعلاقة الآية بالحديث، وكيف يفسـر الحديث الآية؟ ارتباطات بين الآيات.

يحل لك مشكلة الربا في النسب القليلة قول الله عز وجل: ﴿ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة:278]، ما بقي من الربا، يعني ولو كانت نسبة يسيرة.

وهكذا كلام الله، آيات لو تدبرها الإنسان يجد لها حل المشكلات الاجتماعية والنفسية، لو تدبرنا كلام الله لخشعت واطمأنت القلوب وزكت النفوس وذرفت العيون واستعلى المسلم على أهوائه وشهواته.

قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشـر:21]، (حث على تأمل مواعظ القرآن، وتبين أنه لا عذر في ترك تدبر القرآن، فإنه لو خوطب بهذا القرآن، الجبال مع تركيب العقل فيها، لانقادت لمواعظه، ولرأيتها على صلابتها ورزانتها، خاشعة متصدعة متشققة من خشية الله).

أيها الناس.. لقد ذم الله سبحانه وتعالى قومًا لم يفقهوا القرآن ولم يتدبروا آياته، فقال: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ﴿١٦﴾ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد:16-17].

قال ابن كثير رحمه الله: (وترك تدبره من هجرانه)، لقد مثل الله حال اليهود مع التوراة أقبح تمثيا فقال: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الجمعة:5].

قال الطرطوشي: (فدخل في عموم هذا من يحفظ القرآن من أهل ملتنا ولا يفهمه ولا يعمل به).

وقال الحسن البصري رحمه الله: (نزل القرآن ليتدبر ويعمل به، فاتخذوا تلاه عملا، وتدبر آياته: اتباعه والعمل بعلمه، أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى أن أحدهم ليقول: لقد قرأت القرآن كله، فما أسقط منه حرفا، وقد والله أسقطه كله، ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل، ومن أحب أن يعلم ما هو فليعرض نفسه على القرآن، وأن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار).

فياأيها المؤمنون: عليكم بالقرآن، باللسان ذكرا، وبالقلب تدبرا، وبالعقل تفكرا، وبالجوارح عملا.

فتدبّر القرآن إن رُمت الهدى

فالعلم تحت تدبر القرآنِ

يقول تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، وقال تعالى: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، صدق الله العظيم، وبلغ رسوله الكريم، ونحن على ذلك من الشاهدين.

اللهم اجعلنا من أهل القرآن، اجعلنا ممن يحل حلالك ويحرم حرامك..

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة