حجم الخط:

تعريف المسلمين بسبيل النصر والتمكين

الخطبة الأولى:

الحمد لله، الحمد لله العزيز الحميد، القوي المجيد، أنذر الطغاة بطشه الشديد، وأذل بالقهر كل جبار عنيد، نحمده ونستنصره وهو على كل شيء شهيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يبدئ ويعيد، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، أنذر بالقرآن من يخاف وعيد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة لا تزال على كر الجديدين في تجديد، وسلم تسليمًا يكثر ويزيد.

أمّا بعد:

فيا أيها المسلمون: اتقوا الله فإنَّ تقواه أفضَل عِدّة عند البلاء وأمضى مكيدَةٍ عند اللّقاء، ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4].

أيها المسلمون: الأمم تتقلب في أطوار وأطباق، ما بين عزة وذلة، وكثرة وقلة، وغنىً وفقر، وعلم وصناعة، وجهل وإضاعة، وأحوال متقبلة مشاعة. والأمة الواعية مهما عانت من ضراء، وعالجت من بلاء، وكابدت من كيد أعداء، فإنها سرعان ما تُفيق من غفلتها، وتصحو من رقدتها، فتقيم المائد، وتقوِّم الحائد، وترتق الفتق، وترقع الوهى والخرق، لتعود عزيزة الجانب لا يتجاسر عليها غادر، ولا ينالها عدو ماكر.

والأمة المسلمة لا تزال تعايش حروبًا ثائرة وشرورًا متطايرة، تشتت نظامها، وتشعب التئامها، حروب قذرة، يقودها قوم كفرة فجرة، غدرة مكرة، خونة خسـرة، لا يرقبون في مؤمن إلا وذمة.

أنَّى اتجهت إلى الإسلام في بلدٍ

تجده كالطير مقصوصًا جناحاهُ

فهذه فلسطين المباركة، تصبح وتمسي تحت مرارة الفادحة، وألم الفازعة، وصور المأساة، ومشاهد المعاناة، وصرخات الصغار، وصيحات التعذيب والحصار، ولوعات الثكالى، وآهات اليتامى، تصبح وتمسـي على صفوف الأكفان المتتالية، وتشييع الجنائز المحمَّلة، والبيوتات المهدَّمة، والمساجد المنتهَكة، أحداثٌ جسام، تُدمي القلوب وتفطِّر الأكباد، ويقشعر لهولها الفؤاد. أحداثٌ تنادي المسلمين وتستنفرهم، تستصـرخهم وتستنصرهم، فهل من مجيب لهذا النداء؟! وهل من مغيث لتلك الدماء والأشلاء؟! هل يليق بالمسلمين وهم أكثر الناس عددًا وأغناهم موارد أن يُسلموا إخوانهم لعُصبة الضلال ويهود البغي والاحتلال، النفوسِ الغاوية، والذئاب العاوية، ليصبحوا هدفًا للدبابات والبارجات، وصدفًا للصواريخ والطائرات، وطعمة للكافرين ونهبة للجائرين؟!

إن تلك الأحداث والصور ما هي إلا صرخات إيقاظ واعتبار واتعاظ، ليعرف المسلمون واقعهم ومواقعهم، ويفيدوا من مآسيهم الدروس والعبر، ويقفوا على أسباب النصر والظفر، بعيدًا عن ردود الفعل الوقتية التائهة، والهتافات الضعيفة الضائعة، ويصلحوا المسار، ويتجنبوا أسباب الذل والخسار.

أيّها المسلمون: لله أن يفعَلَ ما يشاء، ويسلّط مَن يشاء على من يَشاء إذا شاءَ، تقويةً وإقدارًا وتغليبًا وإظهارًا، بما رَأَى من الحكمة وسبَق من الكَلِمة، إمّا عقوبةً ونِقمة وعذابًا، وإمّا تمحيصًا وابتلاء واختبارًا، قال جل في علاه: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ [النساء:90]، وقال جل في علاه: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141]، إلاّ أن يصيبوا من الذّنوبِ ما يكون سببًا لتسلِيط الأعداء وحلولِ البلاء ونزول البأساء والضّرّاء، وما تقاعسَ قومٌ عن التوبةِ وتواصوا بالباطل ولم يتناهَوا عن إذاعَةِ المنكر وظهور المعاصِي والشرّ إلا أحلّوا أنفسَهم الخُسرَ والخذلان والذّلَّ والهوان، فعن ابن عمرَ ȋ قال: سمعت رسولَ الله يقول: «إذا تبايَعتُم بالعينة وأخَذتم أذنابَ البقر ورضِيتم بالزرع وتركتم الجهادَ سلَّط الله عليكم ذلاًّ لا ينزِعه عنكم حتى ترجِعوا إلى دينِكم»[1]، ويقول رسول الهدى: «يا معشرَ المهاجرين: خمسٌ إنِ ابتليتم بهن ونزَلنَ بكم أعوذ بالله أن تدركوهنّ: لم تظهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قطّ حتى يُعلِنوا بها إلاّ ظهر فيهم الطّاعونُ والأوجاع التي لم تكن مضَت في أسلافِهِم، ولم ينقُصوا المكيالَ والميزان إلاّ أخِذوا بالسنين وشدّةِ المؤونة وجَور السلطان عليهم، ولم يمنَعوا الزكاةَ إلاّ مُنعوا القطرَ من السماء، ولولا البهائم لم يُمطَروا، ولم ينقُضوا عهدَ الله وعهدَ رسوله إلاّ سلَّط الله عليهم عدوًّا من غيرهم وأخَذوا بعضَ ما كانَ في أيدِيهم، وما لم تحكُم أئمَّتُهم بكتابِ الله إلاّ ألقى الله بأسَهم بينهم»[2].

ووقع صِدقُ الخبر وصَدَق سيّدُ البشر محمّد، فها هي قوَى الظّلمِ المخذولَة وقد حلّت في العُقر والدّار وغَلَبت على الأرضِ والذِّمار في عدَدٍ من الأمصار والأقطار..

أيها المسلمون: إن الواجب على الأمة أن تعلم أن ما أصابها فإنما هو بسبب تقصيرها في جنب ملك الملوك، وتفريطها في الحكم بشريعته، واحترام أحكامها ومعالمها، والوقوف عند حدودها، وعدم تصدِّيها لرياح الإفساد ومسيرة التغريب التي نخرت في الأمة وشبابها وفتياتها، حتى صارت تعاني ويلات الانحراف المرّ في صفوف ناشئتها، بعد أن خان المستأمن، وفرط المستحفَّظ، وغش المستودَع، ودلَّس المستشهَد، في أعظم وديعة وأغلى أمانة، وهي حفظ الدين وتحصين مجتمعات المسلمين من عاديات التغريب وحملات التخريب.

أيها المسلمون: إن الناظر بعين البصر والبصيرة يرى الفرق الشاسع والبون الواسع بين مبادئ الإسلام وقيمه ونظمه، وبين واقع المسلمين اليوم. وإن من أمانة الكلمة وصدق الحديث وصراحة المنطق وواجب النصح والبيان القولَ بأن الأمة ما لم تعترف بتقصيرها الكبير وتفريطها الخطير وأثره المستطير على حاضرها ومستقبلها، وتقم بواجب المراجعة والمعالجة والإصلاح، فإن الحديث عن استرداد ديارها المستباحة وأموالها المجتاحة وإيقاف الاعتداءات الآثمة لا يعدو أن يكون إمعانًا في الوهم، وإسرافًا في الظن، ومغالطة فاحشة، تجرُّ على الأمة آثارًا سيئة لا يُعرف مداها ولا منتهاها. وإذا كان أصحاب رسول الله قاموا بمخالفةٍ واحدة لأمره في غزوة أحد، فأصابهم ما أصابهم، وهم أفضل جيش تحت قيادة أفضل الخلق؛ فما بالكم بما يقترفه أبناء الأمة اليوم من المنكرات الفاضحة، والمخالفات الواضحة!

أيها المسلمون: إن أرادت الأمة نصـر الله وتأييده، وأن يعود لها التأثير في مجريات الأحداث، فعليها أن تُعيد صياغة الحياة في بلادها وفق رسالة الإسلام، وأن تسوس الدنيا بالدين، وتمحو آثار المفسدين، وتجفِّف منابع الشر، وتحسِم مواد الإفساد، وأن تعمل على تحقيق أهدافها، وبناء قوتها واستعدادها، وأن تسعى لتربية الجيل وإصلاح أوضاعها إصلاحًا شاملًا كاملًا، عقديًا وأخلاقيًا وسلوكيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، حتى لا تتحول جهودها في مواجهة التحدِّيات والمؤامرات سلسلةً من الذل والإحباطات، والصدمات والانتكاسات، وإن الإصلاح الصادق ليس إصلاحًا تحرِّكه بواعث وقتية، أو ملابسات ظرفية، وإنما هو إصلاح صادر عن إيمان راسخ وعقيدة صادقة، واستشعار بأنها مسؤولية أمام الله عز وجل، يوم يسأل كل عبد عما استرعاه مولاه: أدَّى أم تعدي؟ يقول رسول الله: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ عليهم وهو مسؤول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته» رواه البخاري[3].

أيها المسلمون: إن أعداء الدين من اليهود والنصارى والملحدين لا يألون إقدامًا ولا ينكسون إحجامًا في التخطيط لإقصاء الإسلام عن الحياة، وإزاحته عن أرض الواقع، ومحاولة تهميشه وحصره وقصره، وتطويع العالم الإسلامي بتبعية الحياة الغربية، يساندهم في ذلك فسّاق مستغربون، ومنافقون علمانيون، تارةً بتأويل نصوص الوحيين ولوي أعناقها، وتارةً بالنيل من علماء الإسلام، وتارة بالنيل من الدعاة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وغمزهم ولمزهم والتطاول عليهم، واتهامهم بما ليس فيهم، وتارةً بالدعوة إلى الاختلاط، وتحرير المرأة، ونبذ قوامة الرجل عليها، جهالاتٌ مطبقة، وأفكار موبقة، تثير البلبلة، وتخلق الخلخلة، وتزرع بذور الفرقة، يلبسون ثياب الإصلاح على أفئدة عشعش فيها النفاق، فهم كالثمرة الفجَّة الملقاة، انفصلت من شجرة الطهر والعفاف والحياة، فسقطت وتعفّنت، وأنتنت وفسدت، فأنَّى يستفاد منها، ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴿١١﴾ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [البقرة:11-12].

فعلى الأمة وهي تتلمَّس معالم الإصلاح ومنهجيته ومقوِّماته وأسسه ووسائله أن تحذر أدعياء الإصلاح الذين تربَّوا في حجر الأعداء، فلم تجن الأمة من جهودهم إلا كل حنظل، ومن أفكارهم إلا الأحساك والأشواك والهلاك. وعلى الأمة أن تأخذ الرأي والمشورة من علمائها الأمناء الذين ليس لهم بائقة، ولا يُخاف منهم غائلة، وهم ضمير الأمة وغيظ عدوِّها، وحُرّاس عقيدتها والفضيلة فيها، حتى يصدر التدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة على رأي متبوع، يقول الله عز وجل حكاية عن ملكة بلقيس: ﴿ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ [النمل:32]، وفي صحيح البخاري: (كانت الأئمة بعد النبي يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة، ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدَّوه إلى غيره اقتداءً بالنبي (ȁ[4]. ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «رأي الواحد كالخيط الواحد، والرأيان كالخيط السحيل، والثلاثة كالحبل».

أيها المسلمون: إن معرفة مكامن الداء وبواعث التجاوزات والأخطاء، مع العمل على سدها وصدّها من أعظم وسائل الإصلاح والبناء، وإن استعمال غير الأكفاء الأمناء الأقوياء وإسداء الأمور والثغور إلى من لا يُؤْمَنُ في توجُّهه وأفكاره وولائه وانتمائه هو جرثومة الفساد، وخراب العباد والبلاد، وقد قال رسول الهدى: «إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة» قيل: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: «إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»[5]. يقول ابن بطال: (معنى «وأسند الأمر إلى غير أهله»: أن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده، وفرض عليهم النصيحة لهم، فينبغي لهم تولية أهل الدين، فإذا قلَّدوا غير أهل الدين فقد ضيَّعوا الأمانة التي قلَّدهم الله تعالى إياها)[6].

وعلى كل من ولاه الله أمرًا من أمور المسلمين خلافةً أو وزارة أو أمارة أو قضاءً أو رئاسة أو قيادةً أن يتخذ بطانة صالحة وجماعة ناصحة، تحثه على الخير والرشاد، وتنهاه عن البغي والفساد، يقول رسول الله الهدى: «ما بعث الله من نبي ولا كان بعده من خليفة إلا له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف، وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالًا أي: لا تقصِّـر في إفساد أمره فمن وُقي شرها فقد وقي»[7] وزاد: «وهو إلى من يغلب عليه منهما»[8].

أيها المسلمون: وعلى الأمة أن تعمل جاهدةً وهي تلتمس الحلول والمخارج أن لا تنطق الرويبضة أو الفويسقة من الناس في أمورها العامة، وأحداثها الهامة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة»[9].

أيها المسلمون: إن الواجب على الأمة أن تقدِّم مقتضيات العقيدة وموجبات الشـريعة ومصلحة الدين وحب الله ورسوله على كل أواصر القربى ومناصب الدنيا ولذائذها، في كل مواقفها وعلائقها، وفي جميع أمورها وشؤونها، وأن تكون على يقين لا يساوره شك أن ذلك سبيل صلاح دنياها وانكشاف بلواها. وإن لا تفعل ذلك فهي على خطر أن ينالها ذلك الوعيد الذي تنقدُّ منه الضلوع والتهديد الذي تنمات منه القلوب وتسيل الدموع، الوارد في قوله جل في علاه: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24]، وقوله: «من كانت الآخرة همَّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدِّر له»[10].

ومن نقض عهد الله وعهد رسوله سلط الله عليه عدوه فأذلّه وأخذ بعض ما في يده، يقول رسول الهدى: «يا معشر المهاجرين، خمسٌ إن ابتلِيتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا الزكاة إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوَّهم من غيرهم، وأخذوا بعض ما كان في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا ألقى الله بأسهم بينهم»[11].

فاتقوا الله عباد الله: وكونوا ممن آمن بربه حق الإيمان وأسلم، وفوَّض أمره إلى مولاه وسلَّم، وانقاد لأوامره واستسلم، فقد أسال عليكم من وابل الآلاء وأزال عنكم من وبيء اللأواء وأسبل عليكم من جميل الغطاء وواسع العطاء ما يوجب الخجل منه والحياء.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فيا أيها المسلمون: اتقوا الله وراقبوه، وأطيعوه ولا تعصوه، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119].

أيها المسلمون: إن الأمة المسلمة لا يجوز أن تقيس مسيرتها السلوكية والتربوية والأخلاقية بمن هم دونها من حثالة البشر، ولا يجوز لها أن تبرِّر تقصيرها بذلك، ولكن عليها أن تعرض أوضاعها الحاضرة وحياتها المعاصرة على نصوص الوحيين الشـريفين؛ لأنها الميزان الحق والمقياس الصدق على تقدّم الأمم وتأخرها، وزينها وشينها، قال بعض أهل العلم: (من لم يزن أفعالهُ وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة فلا تعدّه في ديوان الرجال). وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قام رجل فقال: يا رسول الله، إن حمدي زين وإن ذمِّي شين، فقال النبيُّ: «ذلك الله عز وجل»[12].

أيها المسلمون: وواجب على الأمة أن ترعى في مسيرتها الإصلاحية المباركة قاعدة سدّ الذرائع والوسائل المفضية للمفاسد، سواءً كانت موضوعةً للإفضاء إلى مفسدة، أو موضوعةً للمباح قُصد بها التوصل إلى مفسدة، أو موضوعةً للمباح لم يُقصد بها التوصل إلى مفسدة، ولكنها مفضية إليها غالبًا، ومفسدتها راجحة على مصلحتها.

أيها المسلمون: أليس صلاح الأمم بصلاح أبنائها، علمًا وأدبًا، قولًا وفعلًا؟

إذا ليَقُم كل واحد منكم بواجبه في مسيرة الأمة الإصلاحية، بإصلاح نفسه؛ لأن مسيرة الإصلاح تبدأ بإصلاح الذات، ثم نتصدى لإصلاح الأهل والأولاد ومن استطعنا من القرابات، ومن ثم إلى سائر الفئات والطبقات، من كان يظن أن أم أحمد ابن حنبل ستُخرج للأمة علمًا من أعلامها؟ وكذلك أم البخاري، وأم سفيان الثوري التي كانت تقول لابنها: يا بني اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي، فإذا تعلمت عشرة أحاديث، فانظر هل يزيد إيمانك وخشيتك لله، وإلا فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك. أي: أنها ستكون حجة عليه!

من كان يظن أن ذلك العالم المربي الذي ربّى محمدًا الفاتح، سوف يصوغ شخصية هي التي فتحت مدينة قيصر التي عجز عن فتحها القادة المسلمون الأوائل؟

إن على المربين وعلى العلماء والدعاة والمصلحين أن يقوموا بدورهم في نشـر العلم والأدب، وغرس الفضائل والقيم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بهمَّة لا تعرف الفتور، وعزيمة لا تعرف العجز، وقوة لا تعرف الضعف، وحكمة وحنكة لا تعرف التهور، لعل الله سبحانه أن يستنقذ بنا الجيل ويصلح بنا النشء، فإن تحقق الهدف كان هذا هو المطلوب، وإن حان أجلٌ قبل بلوغه كانت النية أبلغ من الأمل، وكما قيل:

على المرء أن يسعى إلى الخير جهده

وليس عليه أن تتم المطالبُ

﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة:105].

هذا وصلوا وسلموا على خير البرية، وأزكى البشـرية، فقد أمركم الله بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /صلاح البدير

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة