حجم الخط:

تكريم المرأة في الإسلام

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، الذى له ملك السموات والأرض وخلق كل شيء فقدره تقديرا، أشهد أن لا إله إلا هو خلق الإنسان من نطفة أمشاج يبتليه فجعله سميعًا بصيرا، ثم هداه السبيل إما شاكرًا وإما كفورا.. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله ربه بالحق هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليمًا كثيرًا.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

أما بعد:

أيها المسلمون: إن المستقرئ للتاريخ والباحث في أحوال الأمم وعن حال المرأة في ظل الجاهليات القديمة لها والحديثة، يدرك أنها تعيش تحت الذل والاستعباد، والكيد والقهر والتسلط، فكأني بها تحادث نفسها وهي تعيش مأساة حقيقية تقول: لِمَ خُلقَت أنثى ولم تُخلق ذكرًا قويًا جبارًا متسلطا؟! إن كانت هذه هي الحياة فبطن الأرض خير من ظهرها؛ لأنها لا إرادة لها ولا رأي ولا حق ولا قيمة.. !

لقد كان العرب في الجاهلية قبل الإسلام ينظرون إلى المرأة على أنها متاع من الأمتعة التي يمتلكونها، مثلها مثل الأموال والبهائم التي يتصرفون فيها كيفما شاءوا. وكانوا العرب لا يورّثون المرأة، ويرون أنها ليس لها حق في الإرث، وكانوا يقولون: (لا يرثنا إلا من يحمل السيف ويحمي البيضة!).

وكذلك لم يكن للمرأة على زوجها أي حق، وليس للطلاق عدد محدود، وليس لتعدد الزوجات عدد معين. وإذا مات الرجل وله زوجة وأولاد من غيرها فإن الولد الأكبر أحق بزوجة أبيه من غيره، فهو يعتبرها إرثًا كبقية أموال أبيه، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: «كان الرجل إذا مات أبوه أو حموه، فهو أحق بامرأته، إن شاء أمسكها، أو يحبسها حتى تفتدي بصداقها، أو تموت فيذهب بمالها».

وقد كانت العدة للمرأة إذا مات زوجها سنة كاملة، وكانت المرأة تحد على زوجها لمدة عام كامل، فتلبس شر ملابسها وتسكن شر الغرف، وتترك الزينة والطيب والطهارة، فلا تمس ماء، ولا تقلم ظفرًا، ولا تزيل شعرًا، ولا تبدو للناس في مجتمعهم، فإذا انتهى العام خرجت بأقبح منظر وأزرى هيئة.

كما كانوا يكرهون البنات فيدفنونهن أحياء خشية العار كما يزعمون، وقد ذمهم الله وأنكر عليهم فقال: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴿٥٨﴾ يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [النحل:58-59].

هكذا كان حال المرأة في الجاهلية قبل الإسلام عند العرب، وكذلك كان حالها عند غير العرب، فكان اليهود مثلًا إذا حاضت المرأة لا يؤاكلونها ولا يجالسونها، بل ينصبون لها خيمة في وسط البيت، وكأنها نجاسة أو قذارة.

وكانتِ المرأة عندَ الإغريق محتقرةً مَهينة، وكانتْ كسقط المتاع تُباع وتشترَى في الأسواق.

وأما عند الهنود: فلم يكن للمرأة حقٌّ في الحياة بعْدَ وفاة زوْجها، بل يجب أن تموتَ يومَ مات زوجها، وأن تُحرَق معه وهي حيَّة على موقِد واحد، واستمرَّتْ هذه العادة إلى القرن السابع عشر.

وكذلك كان حالها عند الشعوب الأخرى كالفرس والرومان وغيرهم، بتفصيلات كثيرة ليس هذا مقام تفصيلها، ويكفى ما ذكرناه نموذجًا عن حال المرأة في تلك الحضارات والمجتمعات.

أيها المؤمنون: لكن الله الرحيم اللطيف بعباده لم يشأ أن يطول الظلام، وتستمر الظلامة على المرأة فجاء الله بالإسلام وأرسل محمدًا رحمة للعالمين ذكرهم وأنثاهم، صغيرهم وكبيرهم، فأشرق وجه الأرض بالنور، وبدا ثغر الدنيا ضاحكا، وانطلقت أشعة الشمس في سباق محموم لتطرق على المرأة باب خدرها، فتقول: أبشري بخير يوم طلعت فيه الشمس عليك، ولتأخذها إلى عالم أكثر إنصافًا، وأعظم رحمة، وأهدى سبيلا، إنه موعد طالما انتظرته المرأة، موعدٌ مع السعادة الحقة، موعد مع التكريم والعزة، موعد مع الحرية الحقيقية والعدل المنشود.

لما جاء الإسلام ونزل القرآن رفع الله مكانة المرأة وأعزها وأكرمها، يقول أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: «كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئًا، فلما جاء الإسلام، وذكرهن الله، رأينا لهن بذلك علينا حقًا».

أيها الكرام: أنَّى لي أن آتي على كل مظاهر إعزاز وتكريم المرأة في ظل الإسلام؟ وكيف يتسع المقام في هذه الخطبة القصيرة؟ من أين أبدأ؟ وماذا عساي أن أقول؟ ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، ومن السوار ما أحاط بالمعصم.

لقد ساوى الإسلام في أغلب تكاليف الإيمان بين النساء والرجال، قال عليه الصلاة والسلام: «إنما النساء شقائق الرجال»[1].

فلها ما للرجل من الحقوق، وعليها أيضًا من الواجبات ما يُلائم تكوينَها وفِطرتها، وعلى الرجل بما اختصَّ به من شرف الرجولة، وقوَّة الجلَد، وبسطة اليد، واتِّساع الحيلة، أن يلي رياستها، فهو بذلك وليُّها، يحوطها بقوته، ويذود عنها بدَمِه، ويُنفق عليها من كسب يدِه.

ذلك ما أجمله الله، وضمَّ أطرافه، وجمَع حواشيَه، بقوله تباركتْ آياته: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228].

ولقد نَعِمتِ المرأة تحتَ دِين الإسلام العظيم بوُثُوقِ الإيمان، ونهلتْ مِن مَعِين العِلم، وضربتْ بسَهم في الاجتهاد، وشرع لها مِنَ الحقوق ما لَم يشرعْ لها في أمة مِن الأُمم في عصْر مِن العصور، فقد أمعنتْ في سبيلِ الكمال طلقةَ العِنان، حتى أحملتْ مِن بين يديها، وأعجزتْ من خلفها، فلم تشبهها امرأةٌ من نِساء العالمين في جَلال حياتها، وسناء منزلتها.

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ [النساء:32].

وقوله تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]. وقال سبحانه: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:72].

وعنْ أمِّ سلمة زوْج النبي أنَّها قالتْ للنبي : ما لنا لا نُذكر في القرآن كما يُذكر الرجال، قالتْ: فلم يَرُعْني - أي: يفزعني ويُفاجئني - منه يومئذٍ إلاَّ ونداؤه على المِنبر، قالت: وأنا أُسرِّح شعري فلففتُ شعري، ثم خرجتُ إلى حجرة من حجر بيتي، فجعلتُ سمعي عندَ الجريد - معناه: أنها رفعت رأسَها إلى جهة الجريد الذي هو سقْف المسجد إذ ذاك لقُرْب النبيِّ - فإذا هو يقولُ عندَ المنبر: «يا أيُّها الناس، إنَّ الله يقول في كتابه: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:35] إلى آخِر الآية ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35]»[2].

وقد يظن ظان أن أجور الرجال أكثر عند الله لما يقومون به من شهود الجماعات، والجنائز، والجهاد وغيرها، والصحيح أن أجر المرأة كأجر الرجل متى قامت بأعمال يسيرة، فأخلصت لزوجها، وأحسنت القيام على بيتها وبنيها، قال : «إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها، وحصّنت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت»[3].

ومن عظيم أجر المرأة عند ربها، «أن رسول الله عاد عبد الله ابن رواحة، فما تحوز له عن فراشه، أي: تنحى، فقال: أتدري من شهداء أمتي؟ قال: قتل المسلم، قال: إن شهداء أمتي إذًا لقليل، قتل المسلم شهادة، والطاعون شهادة، والمرأة يقتلها ولدها جمعاء، تموت وفي بطنها ولد شهادة، يجرها ولدها بسرره إلى الجنة»[4].

أيها الأحبة: لقد كان النبي يوصي أمته بالنساء خيرا وأن يرفقوا بهن، قال عليه الصلاة والسلام: «إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم»[5]. وقال عليه الصلاة والسلام: «ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوانٍ عندكم، ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة»[6]، وقال عليه الصلاة والسلام: «واستوصوا بالنساء خيرا، فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسـرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء»[7].

أيها الاخوة الكرام: إن المرأة تمر بمراحل ثلاث: تكون بنتا ثم تكون زوجا ثم تغدوا أمّا، ولكل مرحلة من المراحل الثلاث التي تمر عليها تعيش المرأة قرر لها الإسلام أسمى مظاهر العطف والرحمة والعزة والرفعة.

فإذا كانت المرأة بنتًا فهي حجاب من النار وسبب لدخول الجنة، ولقد اعتنى بها الإسلام أيما عناية وصانها وحفظها وفرض لها حقوقا، وحث على حسن تربيتها ورعايتها، قال: «من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو. وضم أصابعه، أي معًا»[8]، وعن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله يقول: «من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن وسقاهن وكساهن من جِدَتِه، [يعني ماله]، كن له حجابا من النار»[9] إن من يسمع هذا الثناء والإطراء ليجتهد ويجهد في الإحسان إليهن، والعمل على إحسان تربيتهن تربية صالحة.

ومن الناس من إذا رُزق إناثا ولم يرزق الذكور تبرّم وتضجر، وتشاءم وحزن، وقد نهى الله تعالى عن كل ذلك فقال: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [النحل:58] قال واثلة بن الأسقع: «إنّ مِن يُمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذَّكَر؛ لقوله تعالى: ﴿ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ [الشورى:49] فبدأ بالإناث».

وكتب أحد الأدباء رسالة إلى صديق له يهنئه بالبنت فيقول: (أهلًا وسهلا بعقيلة النساء، وأم الأبناء، وجالبة الأصهار، والأولاد الأطهار، والمبشـرة بإخوة يتناسقون، ونجباء يتلاحقون):

فلو كان النساء كمن ذكرنا

لفُضّلت النساء على الرجالِ

وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ

وما التذكير فخرٌ للهلالِ

فها هي البنت تعيش جوهرةً مصونة، ودرة مكنونة في كنف دينها، تلقى كل الحب والرعاية، وتتعلم التربية السوية الصالحة من أبويها لتكون غدًا زوجًا صالحةً مُصلحة.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي هدانا للإسلام وأكرمنا به، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.

وبعد:

يا دُرّةً حُفظت بالأمس غاليةً

واليوم يبغونها للّهو واللعبِ

يا حرةً قد أرادوا جعلها أمةً

غريبة العقل، لكن اسمها عربي

هل يستوي مَن رسول الله قائدُهُ

دومًا، وآخر هاديهِ أبو لهبِ؟!

وأين من كانت الزهراءُ أُسوَتُها

ممّن تقفّت خُطى حمّالة الحطبِ؟

أنت ابنةُ العُربِ والإسلام عشتِ به

في حضن أطهر أُمٍ من أعزّ أبِ

سبيلُ ربك والقرآن منهجهُ

نورٌ من الله لم يُحجب ولم يغبِ

صوني حياءك، صوني العِرض، لا تهني

وصابري واصبري لله واحتسبي

أيها الاخوة الكرام: وإذا غدت المرأة زوجة فقد سما بها الإسلام إلى العلياء، وجعل رباط الزواج من نعمه سبحانه على عباده، قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21] وقد أوجب الإسلام هدية تكريم للمرأة حين إقبالها على بيت الزوجية، قال تعالى: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء:4] فلا يجوز لأحد أكل مهرها أو التصـرف منه بغير إذنها الكامل ورضاها الحقيقي، فإذا ما تزوجت فإن على الزوج أن ينفق عليها، والنفقة تشمل الطعام والشراب والملبس، وما تحتاج إليه الزوجة لقوام بدنها؛ لقوله تعالى﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق:7]، وعن معاوية بن حيرة قال: قلت يا رسول الله! ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تقبح، ولا تضرب الوجه»[10] وقال عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت»[11] وعن أبي هريرة قال: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجر الذي أنفقته على أهلك»[12].

ومن حقوق المرأة المتزوجة أن يكون لها مسكن تستظل بظلاله، وتنعم بالقرار فيه، وتحس أنها مديرة شؤونه، ومسؤولة عن كل صغيرة وكبيرة فيه، قال الله تعالى: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ [الطلاق:6] فإذا وجبت السكنى للمطلّقة، فالتي في صلب النكاح أولى، قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19] ومن المعروف أن يسكنها في مسكن.

ولم تكلف المرأة بشيء من الإنفاق، سواءً كانت أُمًا أو أختًا، أو كانت زوجةً، قادرة على العمل أو عاجزة عنه، غنية كانت الزوجة أو فقيرة، وسواء كان زوجها قادرا على العمل أو عاجزا عنه، غنيا كان أو فقيرا، فالرجل هو المسؤول عن النفقة البيتية، وليس من حق أحد أن يلزمها، إلا إذا رغبت في المساهمة بشيء من مالها استحبابًا لا وجوبًا عن طيب نفس.

ومن حقوق الزوجة التي كفلها الإسلام أن يعلمها زوجها أمور دينها فيعلمها أركان الإيمان وأحكام الطهارة والعبادات ولا سيما الصلاة، ويحثها على أدائها في أول وقتها وشروطها وأركانها مفسداتها؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم:6]، ومن وقايتها من النار تعليمها أمر دينها، وقد أثنى الله على نبيه إسماعيل عليه السلام بقوله: ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [مريم:55] ومنها: المعاشرة بالمعروف، وقد أمر الله بها، كيف لا، وقد اجتمعت الأبدان والأرواح في مكان واحد، وأصبح المصير واحدا، والهم هم واحدًا، فإن كره منها شيئًا ندب له أن لا ينسى بقية فضائلها وجوانب الخير فيها لما قد يصدر منها من عيب أو تقصير، قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19] وقيل في المعروف: أن لا يضربها، ولا يسيء الكلام معها، ويكون منبسط الوجه معها، ومن المعاشرة بالمعروف: أن يناديها بأحب الأسماء، وأن يكرمها في أهلها عن طريق الثناء عليهم.

ومن حسن معاشرة النبي وبساطته مع أزواجه: ما جاء عنه أنه قال لعائشة رضي الله عنها: «إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى، قالت: ومن أين تعرف ذلك، فقال: أما إذا كنت راضية فإنك تقولين لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى لا ورب إبراهيم، قالت: أجل والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك»[13].

ثم بعد حياة السعادة الزوجية تغدوا الزوجة أما وتحمل مسؤولية كبيرة في تربية ليوث المستقبل، ورجالات الأمة، فهي المحضن الخصب الذي يخرج منه إلى الحياة أولئك الأبطال.

ومما أوجب الله في حق الأم برها والإحسان إليها قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء:36] قال ابن عباس ȋ: «يريد البر بهما مع اللطف ولين الجانب، فلا يغلظ في الجواب، ولا يحد النظر إليهما، ولا يرفع صوته عليهما، بل يكون بين يديهما مثل العبد بين يدي السيد كلا لهما». وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا [الإسراء:23] فقد نهى الله أن يقول الابن لأمه: (أف) وهي أقل كلمة، فكيف بما هو أعظم منها؟ «جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك»[14].

فالأم من أعظم الناس فضلا وأحق الناس بالإكرام والإحسان، ومن لا خير له في أمه فلا خير له فيمن هم دونها: عن عائشة رضي الله عنها عن النبي أنه قال: «دخلت الجنة فسمعت قراءة فقلت من هذا؟ فقيل: حارثة بن النعمان. فقال رسول الله وكذلكم البر. كذلكم البر» وزاد عبد الرزاق في روايته، وكان أبر الناس بأمه،[15]. وجاء في الأدب المفرد أن رجلا يمانيا حمل أمه وراء ظهره يطوف بالبيت فرأى ابن عمر فقال: إني لها بعيرها المذلل إن أذعرت ركابها لم أذعر، الله ربي ذي الجلال الأكبر، حملت أكثر مما حملت، فهل ترى جازيتها يا ابن عمر؟ ثم قال: يا ابن عمر أتراني جزيتها؟ قال: «لا ولا بزفرة واحدة، ولكن قد أحسنت، والله يجزيك على القليل كثيرًا».

أيها المسلمون: ها هي المرأة المسلمة التي رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا، ها هي قد حُفت بسياج عظيم من التكريم، وأمطرت عليها سحب الرسالة فيضا من الحفظ والصون، والاهتمام والرعاية حتى عُدَّت مشارِكة قوية وفعالة في الحياة، لا تصلح الحياة إلا بصلاحها ولا تستقيم بدونها. وإن أقوامًا تمردوا على شرع الله، ومشوا في الأرض على غير هدى من الله، فهربوا من التفريط إلى الإفراط ومن الجفاء إلى الغلو، ولأن عندهم عقدة نقص مما فعلوه من اضطهاد وظلم للمرأة غلوا فأرادوا فرض المساواة المطلقة بينها وبين الرجل، فوقعوا فيما فرّوا منه، وظلموها من الناحية المقابلة، ذلك لأن مساواة المرأة بالرجل فيه إلغاء لخصوصياتها التي ميزها الله بها، وعدم مراعاة لحالاتها الخاصة التي راعاها الإسلام، وهذا من حكمة الله وعلمه بخلقه ولطفه بهم ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /منصور الغامدي

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة