حجم الخط:

تَزْكِيةُ النُّفُوسِ

الخطبة الأولى:

الحمد لله.. الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، رضي لنا الإسلام دينًا والشريعة منهجا، أحمده سبحانه يجعل من كل همٍّ فرجا ومن كل ضيقٍ مخرجا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له.. به المعتصم وإليه الملتجا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله.. بلزوم هديه الفوز والنجاة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أولي الأحلام والنهى وذوي الحجا والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما انفلق إصباحٌ وما ليلٌ سجى، وسلم تسليمًا كثيراَ.

أما بعد:

معاشر المؤمنين عباد الله: اتقوا اللهَ تعالى؛ فإنَّ مَن اتقى اللهَ وَقاهُ وأَرْشَدَه إلى خَيرِ أمورِ دينِهِ ودُنياه. وتقوى اللهِ جل وعلا: عملٌ بطاعةِ اللهِ على نورٍ من اللهِ رجاءَ ثوابِ الله، وترْكٌ لمعصية اللهِ على نورٍ من اللهِ خيفةَ عذابِ الله.

ثمَّ اعلموا - عباد الله - أنَّ مِن أَعظمِ المِنَنِ الربَّانيَّةِ والهِباتِ الإلهيةِ التي يَمُنُّ اللهُ جل وعلا بها على عبدِهِ: توفيقَهُ له لتزكيةِ نفسِهِ ﴿ وَمَنْ تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [فاطر:18].

وتَزْكِيَةُ النَّفْسِ - أيها المؤمنون- أصلُها عائِدٌ إلى النَّماءِ والطَّهارةِ؛ فتزكيةُ النَّفْسِ: تنميةُ الخيراتِ والبَرَكاتِ فيها، وتطهيرُها من الأُمورِ الدَّنيئةِ والحَقَاراتِ، وقد امتنَّ اللهُ جل وعلا على الأمَّةِ ببعثةِ محمدٍ ﷺ لِيتلوَ على الناسِ آياتِ الله جل وعلا ولِيُزَكِّيهِم، قال اللهُ عز وجل: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران:164].

أيُّها المؤمنون: إنَّ تزكيةَ النَّفْسِ لها أساسٌ عظيم وأصْلٌ متين لا زكاءَ لها إلا به؛ ألا وهو توحيدُ اللهِ وإخلاصُ الدِّينِ له جل وعلا ، فالتوحيدُ أساسُ التزكيةِ، ولهذا قال موسى عليه السلام لفرعونَ عدوِّ اللهِ: ﴿ فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَىٰ أَنْ تَزَكَّىٰ ﴿١٨﴾ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ [النازعات:18-19] أي: تزكَّى بتوحيد اللهِ والبراءةِ من الشرك والكفر به جل وعلا.

عباد الله: وكتابُ اللهِ عز وجل القرآنُ الكريمُ هو أَعْظمُ كتابٍ لتزكيةِ النّفوسِ، فأَحْظَى الناسِ وأَحْرَاهُم بالتَّزكية أعظمُهم عنايةً بكتابِ الله وقد مر معنا قول الله جل وعلا ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة:129].

عباد الله: ودِينُ اللهِ جل وعلا كلُّه بعقائِدِه العظيمةِ وعباداتِهِ الجليلة وأخلاقِهِ وآدابِهِ الكريمة كلُّه تزكيةٌ للنَّفْسِ ورَفْعٌ لها لعالي المقاماتِ ورفيعِ الرتب.

أيَّها المؤمنون: إنَّ تزكيةَ النَّفسِ هي فلاحُ العبدِ وسعادتُهُ في دنياهُ وأُخراهُ، ولقد أقسم الله أحد عشر قسمًا في كتابه لم يقسم بمثلها، يقول اللهُ سبحانه وتعالى في سورة الشمسِ: ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴿١﴾ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴿٢﴾ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ﴿٣﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ﴿٤﴾ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ﴿٥﴾ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ﴿٦﴾ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿٧﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴿٨﴾ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴿٩﴾ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴿١٠﴾ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴿١١﴾ [الشمس:1-11]، قد أَفلَح من زكَّى نفسَه: أي تحقَّق فلاحُهُ، والفلاحُ هو حِيازةُ الخيرِ في الدنيا والآخرةِ، فالمفلِحُ حقًّا وصِدْقًا في دنياه وأُخراه مَنْ زكَّى نفسَهُ، والخائبُ الخاسرُ مَن دسَّاها أيْ: غَمَسَها في الرذيلةِ وأَوقَعها في حقاراتِ الأمورِ ودنيء الصِّفاتِ وسيء المعاملاتِ والأخلاقِ، وفي الدعاءِ المأثورِ عن النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاءِ»[1].

عباد الله: وينبغي أنْ نعلمَ في هذا المقامِ أنَّ التَّزكيةَ مِنَّةُ اللهِ على مَن يشاءُ مِن عبادِهِ؛ ولهذا يقول جل وعلا: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ [النور:21]، فعليك أيَّها المؤمنُ الراغبُ بفلاحِ نفسِكَ وسعادتِها في الدنيا والآخرةِ أنْ تُقبِلَ على اللهِ جل وعلا صادِقًا في الدعاءِ عظيمَ الرَّجاءِ فيما عند اللهِ أنْ يُزكِّيَ نفسَك، ومِن أعظمِ الدعواتِ في هذا البابِ ما جاء في صحيح مسلم عن النبي عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا»[2].

ثمَّ أيُّها المؤمن اتبِعْ هذه الدعواتِ المباركاتِ ببذلِ الأسبابِ النافعاتِ وبِمُجاهدةِ النَّفْسِ على طاعةِ ربِّ الأرضِ والسماواتِ ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69]، فلابُدَّ في هذا المقامِ من مُجاهدةٍ للنَّفْسِ وصَبْرٍ ومُصَابَرَةٍ ومُرَابَطَةٍ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200]، مُجاهدتُك لِنَفسِك على الصلاةِ وعلى الصيامِ وعلى أداءِ عموم الطاعاتِ ومُجاهدتُك لها على البعدِ عن المنكراتِ وتَوقِّ الآثامِ كلُّ ذلكم من تزكيتِك لِنَفْسِكَ.

ولهذا - عباد الله- لابدَّ في هذا الباب مِن مُجاهدةٍ للنَّفْس من جهتين:

- من جِهَةِ الأعمالِ الصالحاتِ؛ يُجاهِدُ العبدُ نفسَه لِتفعلَها.

- ومن جهة الأعمالِ المحرماتِ؛ يُجاهِدُ نفسَه على البُعد عنها.

وكلٌّ من الأَمْرَينِ تزكيةٌ للنَّفْسِ ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ ﴿١٤﴾ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴿١٥﴾ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [الأعلى:14-16] ﴿ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴿١٥﴾ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [الأعلى:15-16] آياتٌ نسمعُها مُتكرراتٍ في صلاتِنا للجُمُعَةِ ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ ﴿١٤﴾ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴿١٥﴾ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿١٦﴾ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ [الأعلى:14-17] وهذا - عباد الله- في باب مُجاهدةِ النَّفْسِ على فعلِ الأوامر.

وفي باب مُجاهدةِ النَّفْسِ على تَرْكِ النَّواهي وأنَّ ذلكم داخلٌ في بابِ التَّزكيةِ يقول اللهُ عز وجل: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ [النور:30]، فهذه تزكيةٌ للنَّفْسِ.

ولهذا - عباد الله - ينبغي على المسلِمِ الناصحِ لنفسِهِ الحريصِ على زكاتِها أنْ يَتوقى المنكرات، وأنْ يتجنَّبَ المحرماتِ، وأنْ يُغلِقَ مَنافِذَ الأهواءِ والشهواتِ - وما أكثرَها -، وكيفَ يَطْمَعُ في زكاةِ نفْسِهِ مَنْ أَشْرَعَ على قلبه مَنافذَ الشـرِّ بِنَظَرِ عَيْنَيهِ وسَماعِ أُذُنيهِ لأُمورِ الباطلِ ومُثيراتِ الأهواءِ والشهواتِ !! فلا سبيلَ للتَّزكيةِ إلا بإغلاقِ هذه المنافذِ وأَطْرِ النَّفْسِ على الحقِّ أَطْرًا وزَمِّها بِزِمامِ الشريعةِ وأخْذِها بِخِطامِ الدِّينِ لِتنقادَ مُستسلِمةً مُذعِنةً مُطيعةً لربِّ العالمين؛ فيفوز صاحِبُها الفوزَ المبين، يقول اللهُ تبارك وتعالى: ﴿ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ ﴿٧٥﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّىٰ [طه:75-76].

أسألُ اللهَ الكريمَ ربَّ العرشِ العظيمِ بأسمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العليا أنْ يجعلَنا جميعًا من هؤلاءِ. أقول هذا القولَ واستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنبٍ فاستغفروه يغفر لكم إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ.

الخطبة الثانية:

الحمدُ للهِ عظيمِ الإحسانِ واسعِ الفضلِ والجودِ والامتنانِ، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه؛ صلى اللهُ وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعدُ عباد الله: اتقوا اللهَ تعالى ربَّ العالمين.

أيُّها المؤمنون: التزكية أمر مطلوب، لكن لِيَحذَرَ المؤمنُ في هذا المقامِ - مقامِ تزكيةِ النَّفْسِ - أنْ يدَّعي لِنَفسِهِ زكاءَ نفسِهِ، فإنَّ المؤمنَ الصادقَ مهما اجتهد في الأعمالِ الصالحاتِ وتَباعدَ عن الأعمالِ المنكراتِ المحرماتِ لا يُزَكِّي نَفْسَهُ ولا يدَّعي لها الرِّفْعةَ والكمالَ، واللهُ جل وعلا يقول: ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ [النجم:32].

المؤمنُ الصادقُ - عباد الله - لا يزالُ مُجتهِدًا في الأعمالِ الصالحاتِ والجدِّ والاجتهادِ في طاعةِ الله جل وعلا ، وهو في الوقتِ نفسِهِ يرى نفسَهُ مُقصِّرُا مُفرِّطًا، خائفًا أن لا يُقبَلَ منه عملُهُ، يقول اللهُ عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60]، جاء في المسنَد أنَّ عائشةَ أمَّ المؤمنين رضي الله عنها سألت النبيَّ ﷺ عن معنى هذه الآية قالت: يَا رَسُولَ اللهِ أَهُوَ الرَّجُلُ يَزْنِي وَيَسْرِقُ وَيَشْرَبُ الْـخَمْرَ؟ قَالَ «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ»[3]؛ ولهذا من عظيمِ الدعاءِ: دعاءُ إمامِ الحُنَفاءِ وابنِهِ إسماعيلَ عليهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا [البقرة:127]، قرأَ أحدُ السَّلفِ هذه الآيةَ الكريمةَ فبكى وقال: (إمامُ الحُنَفاءِ، خليلُ الرَّحمنِ، يَبنيْ بيتَ الرَّحمنِ بأمرِ الرَّحمنِ ويَخافُ ألاَّ يُقبَلْ !!).

ولهذا - عباد الله- المؤمنُ الصَّادقُ يُجاهِدُ نفسَهُ على الأعمالِ الصالحاتِ، ومهما جدَّ واجتهدَ فإنَّه لا يزالُ يرى نفسَهُ مُقصِّرًا في جَنْبِ اللهِ، ولا يزالُ راجيًا طامِعًا من الله عز وجل الإِثابةَ والقَبُولَ، خلافًا لمَنْ يقومُ بقليلٍ من الأعمالِ وكثيرٍ من المخالفاتِ ثمَّ يرى نفسَه مِن أحسنِ النَّاسِ عملًا ومِن أَزْكَاهُم طاعةً لله، وهذا هو عينُ الغُرورِ - والعياذُ باللهِ -.

عباد الله: وفي بابِ تزكيةِ النَّفْسِ ينبغي على المسْلِمِ أنْ يَحذرَ من الطَرائقِ المُحدَثَةِ، والمناهجِ المبتدَعَةِ التي يدَّعي أربابُها أنَّهم يُزكُّون بها نفوسَ النَّاسِ بما ليس من دين الله تعالى، فالتَّزكيةُ حقًّا وصِدْقًا لا تكون إلا بالطريقةِ النَّبويةِ والنَّهجِ المحَمَّديّ، فكلُّ تزكيةٍ تؤَسَّسُ على غيرِ نهجِهِ فهي ضلالٌ وباطل، وفي الحديثِ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَّيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[4]، وكان صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه يقولُ في كلِّ خُطبةِ جُمُعةٍ: «إِنَّ أَصْدَقَ الْـحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ»[5].

فتزكية النفوس عن طريق الشرع، فلا سبيل إلى تزكية النفوس إلا من طريق الرُّسلُ، قال ابنُ القيمّ (وتزكيةُ النفوس أصعبُ من علاج الأبدان وأشدَّ، فمن زكَّى نفسه بالرياضةِ والمجاهدة والخلوةِ التي لم يجيءَ بها الرسل، فهو كالمريضِ الذي يعالجُ نفسَه برأيِه، فالرسلُ أطباءُ القلوب، فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم والتسليم لهم)[6].

فبادروا عباد الله إلى تزكية النفوس وتربيتها، واعلموا أن من وسائل تزكية النفس دوام المحاسبة، قال ابن القيمّ رحمه الله: (زكاةُ النفس وطهارتُها موقوفةٌ على محاسبتها، فلا تزكو ولا تطهُر ولا تصلحُ البتَّةَ إلا بمحاسبتها). قال الحسنُ رحمه الله: (إنّ المؤمنَ لا تراهُ إلا قائمًا على نفسِه ما أرادتِ بكلمةِ كذا؟ ما أردتِ بأكلة كذا؟ ما أردتِ بمدخلِ كذا ومخرج كذا؟ ما أردتِ بهذا؟ مالي ولهذا؟ والله لا أعودُ إلى هذا، ونحو هذا من كلامٍ، فمحاسبةِ النفسِ يّطلعُ على عيوبها ونقائضِها، فيمكنُه السعيُ في إصلاحها. وقال أيضًا: وأخطر ما على المكلَّفِ: الإهمالُ، وتركُ المحاسبةِ والاسترسال، وتسهلُ الأمورِ وتمشيتُها، فإنَّ هذا يؤولُ به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرورِ، يُغمضُ عينَه عن العواقب، ويَّتكلُ على العفو، فيهملُ محاسبةَ نفسِه والنظرَ في العاقبةِ، وإذا فعلَ ذلك سهُل عليه مواقعهُ الذنوب وأنِسَ بها، وعَسُر عليها فطامُها)[7]،

وقال ميمونُ بن مهران: (لا يكونُ الرجلُ من المتقين حتى يحاسبَ نفسَه أشدَّ من محاسبةِ شريكهِ، حتى يعلمَ من أين مطعمُه، ومن أين ملبسُة، ومن أين مشـربُه أمِنْ حلالٍ ذلك أم من حرام)[8].

ثمَّ - عباد الله - أَكثِروا من الصَّلاةِ والسَّلامِ على رسولِ اللهِ ﷺ، فقد أمرَكم اللهُ جل وعلا بذلك في قولِهِ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وقال ﷺ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا».

عباد الله: اذكروا اللهَ يذكرْكم، واشكروه على نِعَمِهِ يزدْكُم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة