الْـحَمْدُ لله الَّذِي فَرَضَ عَلَى الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ حُسْنَ تَرْبِيَةِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، وَجَعَلَ الأَوْلَادَ وَالأَحْفَادَ وَالزَّوْجَاتِ، وَالإِخْوَةَ الصِّغَارَ وَالأَخَوَاتِ، أَمَانَةً فِي يَدِ الْقَائِمِينَ عَلَيْهِمْ مِنْ جُمْلَةِ الأَمَانَاتِ، يُسْأَلُونَ عَنْهُمْ يَوْمَ الدِّينِ كَمَا يُسْأَلُونَ عَنْ سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ.
نَحْمَدُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى الله وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فاتقوا الله عباد الله، فالتقوى وصية الله للأولين والآخرين، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
عِبَادَ الله: مَنْ رُزِقَ الْـمَالَ وَالْوَلَدَ، فَقَدْ رُزِقَ خَيْرًا عَظِيمًا، وَمَنْ شَكَرَ اللهَ عَلَى نِعْمَتِهِ زَادَهُ مِنْهَا، وَكَانَ الله شَاكِرًا عَلِيمًا، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴿١٠﴾ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴿١١﴾ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴿١٢﴾ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴿١٣﴾ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ﴾ [نوح:10-14]، وَمِنْ وَقَارِ الله تَعَالَى الْقِيَامُ بِحُقُوقِ هَذِهِ النِّعْمَةِ؛ لأَنَّهُ عَنْ ذَلِكَ يَكُونُ مَسْئُولًا.
صَحَّ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْـمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا»[1].
أَخِي الْـمُسْلِمَ: كَمَا عَلِمْتَ حُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ وَوَاجِبَ بِرِّهِمَا وَطَاعَتِهِمَا، فَاعْلَمْ أَنَّ لِلأَوْلادِ حُقُوقًا عَلَى وَالِدَيْهِمْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَدَاؤُهَا، وَآدَابًا يَلْزَمُهُمُ الْقِيَامُ بِهَا:
فَالأَوَّلُ مِنْ ذَلِكَ: تَعْلِيمُهُمُ الْعَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ السليمة، وغرس محبة الله تعالى وخشيته ومراقبته في قلوبهم، فهذا أول الفلاح وأصله وأساسه، وهو ترسيخ لمبادئ الفطرة وصدق الإيمان، وقد قال ﷺ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّـرَانِهِ» -وَفِي رِوَايَةٍ: «وَيُشَـرِّكَانِهِ- كَمَا تَنْتِجُونَ الإِبِلَ، فَهَلْ تَجِدُونَ فِيهَا جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا»[2]. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلاَّ وَهُوَ عَلَى الْـمِلَّةِ، حَتَّى يُبَيِّنَ عَنْهُ لِسَانُهُ»[3].
الثَّانِي: أَمْرُهُمْ بِالْـمَعْرُوفِ، وَحَمْلُهُمْ عَلَى الْـخَيْرِ وَالطَّاعَةِ لله وَلِرَسُولِهِ، وَنَهْيُهُمْ عَنِ الْـمُنْكَرِ، وَتَجْنِيبُهُمُ الْكُفْرَ وَالْـمَعَاصِيَ، وَالْـمَفَاسِدَ وَالشُّرُورَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ [التحريم:6].
وَلِقَوْلِهِ ﷺ: «مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْـرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْـمَضَاجِعِ».[4]، وَالتِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ: «عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلاةَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرٍ»[5].
الثَّالِثُ: حُسْنُ تَرْبِيَتِهِمْ، وَتَأْدِيبُهُمْ بِتَعْلِيمِهِمُ الصِّدْقَ وَالأَخْلاَقَ الْـجَمِيلَةَ وَمَكَارِمَ الأَخْلَاقِ، وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وذكر قصص الأنبياء والصالحين لهم، وَنَهْيِهِمْ عَنِ الْكَذِبِ وَسُوءِ الأَخْلاَقِ، وَمُجَالَسَةِ أَهْلِ الْبَطَالَةِ وَاللَّعِبِ وَالسُّوءِ، عن عليٍّ رضي الله عنه في قولِهِ تعالى: ﴿ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ [التحريم:6] قال: «عَلِّموا أَهليكُم الخَيرَ»[6]
الرَّابِعُ: وُجُوبُ النَّفَقَةِ عَلَى الأَوْلادِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة:233]، أَيْ: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ ﴾-وَهُوَ الأَبُ- ﴿ رِزْقُهُنَّ ﴾أَيْ: طَعَامُ الْوَالِدَاتِ، ﴿ وَكِسْوَتُهُنَّ ﴾أَيْ: لِبَاسُهُنَّ، ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾أَيْ: بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهِنَّ فِي بَلَدِهِنَّ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ إِقْتَارٍ.
وَلِقَوْلِهِ ﷺ: «خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْـمَعْرُوفِ»[7].
الْـخَامِسُ: الْعَدْلُ وَالْـمُسَاوَاةُ بَيْنَ الأَوْلادِ مِنْ بَنِينَ وَبَنَاتٍ فِي الْعَطَاءِ وَالْهِبَةِ وَالْـمَحَبَّةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْـمُفَاضَلَةِ بَيْنَهُمْ؛ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ رضي الله عنهما أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا -أَيْ أَعْطَيْتُهُ- غُلاَمًا كَانَ لِي. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟»، فَقَالَ: لاَ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «فَأَرْجِعْهُ». وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟!»، قَالَ: لاَ. فقال ﷺ: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلادِكُمْ»[8].
السَّادِسُ: تَحْسِينُ الاسْمِ، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ غيَّرَ اسمَ عاصيةَ، وقال: «أنتِ جميلةٌ»[9].
السَّابِعُ: الْعَقِيقَةُ، أَيِ الذَّبِيحَةُ عَنِ الْـمَوْلُودِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَانِ مُتَكَافِئَتَانِ -أَيْ مُتَسَاوِيَتَانِ سِنًّا وَشَبَهًا- وَعَنِ الْـجَارِيَةِ شَاةٌ»[10].
الثَّامِنُ: الْـمُبَادَرَةُ بِالْـخِتَانِ؛ لأَنَّهُ فِي زَمَنِ الصِّغَرِ أَفْضَلُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْـخِتَانُ...». الْـحَدِيثَ[11].
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ الله-، وَأَدُّوا مَا أَوْجَبَ الله عَلَيْكُمْ مِنَ الْـحُقُوقِ، فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ لاَ يُهِمُّهُ مِنْ بَنِيهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونُوا مُوَظَّفِينَ أَوْ تُجَّارًا أَوْ مُحْتَرِفِينَ، يَكْتَسِبُونَ الْـمَالَ وَلاَ يُبَالِي بِهِمْ إِذَا جَمَعُوا الْـمَالَ: أَصَالِحِينَ كَانُوا أَمْ أَشْرَارًا، وَقَدِيمًا قِيلَ: أَشْبِعْ وَلَدَكَ وَأَحْسِنْ أَدَبَهُ، وَأَجْمِعْ لَهُ أَدَبًا وَلاَ تَكْتَسِبْ لَهُ ذَهَبًا.
وَالأَبْنَاءُ وَرَثَةُ آبَائِهِمْ طَبَائِعَ وَآثَارًا، وَكَمَا تُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَوْلادُكَ فَكُنْ أَنْتَ إِقْبَالًا وَإِدْبَارًا فَإِنَّمَا الْوَلَدُ سِرُّ أَبِيهِ: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ [الطور:21].
أَسْأَلُ اللهَ تعالى أَنْ يَرْزُقَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، إِنَّهُ سَمِيعُ الدُّعَاءِ.
بَارَكَ الله لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْـحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْـمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْـحَمْدُ لله جَعَلَ التَّقْوَى خَيْرَ زَادٍ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَالشُّكْرُ وَاجِبٌ لَهُ عَلَى كُلِّ الْعِبَادِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى الله وَسَلَّمَ، وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَيَا مَعْشَرَ الْـمُسْلِمِينَ: أَخْوَفُ مَا يُخَافُ عَلَى الصَّغِيرِ سُكُوتُ مُرَبِّيهِ عَلَى قَبِيحِ فِعَالِهِ، وَفُحْشِ لِسَانِهِ، وَإِعْطَاؤُهُ كُلَّ مَا يُحِبُّ، وَاسْتِغْرَاقُهُ فِي اللَّعِبِ، وَتَفْضِيلُهُ عَلَى إِخْوَانِهِ، وَمُرَافَقَةُ الأَشْرَارِ فِي الشَّارِعِ وَالدَّارِ، وَعَنِ الْـمَرْءِ لاَ تَسْأَلُوا وَلَكِنِ اسْأَلُوا عَنْ أَقْرَانِهِ.
وَالطِّفْلُ شَاشَةٌ بَيْضَاءُ، يَنْقُشُ الْـمُرَبِّي مَا يَشَاءُ عَلَيْهَا مِنْ أَلْوَانِهِ؛ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بن الْـخَطَّابِ رضي الله عنه يَشْكُو إِلَيْهِ عُقُوقَ ابْنِهِ، فَأَحْضَرَ عُمَرُ الْوَلَدَ، وَأَنَّبَهُ عَلَى عُقُوقِهِ لأَبِيهِ وَنِسْيَانِهِ لِحُقُوقِهِ، فَقَالَ الْوَلَدُ: يَا أَمِيرَ الْـمُؤْمِنِينَ: أَلَيْسَ لِلْوَلَدِ حُقُوقٌ عَلَى أَبِيهِ؟! قَالَ عُمَرُ: «بَلَى». قَالَ: فَمَا هِيَ يَا أَمِيرَ الْـمُؤْمِنِينَ؟! قَالَ عُمَرُ: «أَنْ يَنْتَقِيَ أُمَّهُ، وَيُحْسِنَ اسْمَهُ، وَيُعَلِّمَهُ الْكِتَابَ -أَيِ الْقُرْآنَ-». قَالَ الْوَلَدُ: يَا أَمِيرَ الْـمُؤْمِنِينَ: إِنَّ أَبِي لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ أَمَّا أُمِّي فَإِنَّهَا زِنْجِيَّةٌ كَانَتْ لِمَجُوسِيٍّ، وَقَدْ سَمَّانِي جُعَلًا، وَلَمْ يُعَلِّمْنِي مِنَ الْكِتَابِ حَرْفًا وَاحِدًا. فَالْتَفَتَ عُمَرُ إِلَى الرَّجُلِ، وَقَالَ لَهُ: «جِئْتَ إِلَيَّ تَشْكُو عُقُوقَ ابْنِكَ، وَقَدْ عَقَقْتَهُ قَبْلَ أَنْ يَعُقَّكَ، وَأَسَأْتَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُسِيءَ إِلَيْكَ».
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ الله- فِي أَوْلاَدِكُمْ؛ فَقَدْ وَصَّاكُمُ الله بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [النساء:11]. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: (وَقَدِ اسْتُنْبِطَ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا؛ حَيْثُ أَوْصَى الْوَالِدَيْنِ بِأَوْلاَدِهِمْ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرْحَمُ بِهِمْ مِنْهُمْ، كَمَا جَاءَ فِي الْـحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحَلَّبَتْ ثَدْيَيْهَا، تَسْعَى إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ الله ﷺ لأَصْحَابِهِ: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ؟!»، قَالُوا: لاَ، يَا رَسُولَ الله. قَالَ: «فَوَالله: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا»[12]، وَقَالَ عَبْدُ الله بن عَمْرٍو عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ﴾ [آل عمران:198]، قَالَ: إِنَّمَا سَمَّاهُمُ الله الأَبْرَارَ، لأَنَّهُمْ بَرُّوا الآبَاءَ وَالأَبْنَاءَ، كَمَا أَنَّ لِوَالِدَيْكَ عَلَيْكَ حَقًّا، كَذَلِكَ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقٌّ).
إِخْوَتِي فِي الله: اتَّقُوا اللهَ فِي أَوْلاَدِكُمْ، وادعوا لهم بالصلاح، وَلاَ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ الله، وإن طال النصح فلا تقنطوا، فإن الهداية بيد الله، وقد يكون تأخير هداية الولد نوع من الابتلاء للوالدين، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَأْتِي بِرُّهُ وَخَيْرُهُ بَعْدَ مَمَاتِ وَالِدَيْهِ أَحْوَجُ مَا يَكُونُ الْوَالِدُ إِلَيْهِ؛ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاِّ مِنْ ثَلاَثَةٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[13].
| ولدي يا نبضةً في خافقي |
| ولدي يا فلذةً من كبدي |
| ولدي يا كوكبًا أرقُبُه |
| كي أرى فيه ضياء الفرقد |
| إنْ سألتُ الله يومًا أن أَرى |
| في خريف العُمر أزكى مشهدِ |
| فشبابٌ صادقٌ في طاعةٍ |
| طاهرَ النظرةِ، معصوم اليد |
| أو سألتُ الله يومًا أملًا |
| قبل أن ألقى الردى في مرقدي |
| فَلْذَتي يخشعُ في محرابِهِ |
| ويُباري النَّجم عند السُّؤددِ |
وأنتم أيها الأولاد: لا تجعلوا القسوة التي قد تطرأ من ولديكم في بعض الأحيان عذرًا للعقوق، والجفاء ونكران الجميل، فإن لهما حقًا لا يبلغه بركم مهما كنتم بهم بررة، ذلك حين عجزكم وضعفكم في صغركم، ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء:24] فاتقوا الله عباد الله، ولينظر كل امرئ ما عليه من الواجبات قبل أن يطلب ما له من الحقوق، والموفق من وفق للبر والصلة وسلم من العقوق.
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب:56]، فَأَكْثِرُوا عَلَيْهِ مِنَ الصَّلاةِ يُعْظِمْ لَكُمْ رَبُّكُمْ بِهَا أَجْرًا، فَقَدْ قَالَ ﷺ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا»[14].
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /عبد الله القرعاوي