الحمد لله، الحمد لله وفَّقَ من شاءَ من عباده إلى طريقِ السعادة، أحمده سبحانه وأشكرُه وقد أذِنَ للشاكِرين بالزيادة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً أرجُو بها الحُسنى وزِيادة، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه عبَدَ ربَّه حقَّ العبادة، صلّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه أهلِ الشرفِ والعِزِّ والسِّيادة، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وأحسنَ الهديِ هديُ محمدٍ ﷺ وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
أيها الناس: اتقوا الله واعلموا أن من أعظم مقاصد الشريعة، ومن أَجَلِّ أهداف الإسلام، أن يؤلِّف بين القلوب، وأن يجمع بين الصفوف، وأن يوحِّد الكلمة، وأن يرأب الصدع، وأن يزيل أسباب الخلاف والتدابر والتقاطع، وإذا لم يتم ذلك في واقع المسلمين، وفي حياة الأمة؛ فيجب أن نعلم - جميعًا - أننا ما التزمنا بالإسلام، وما اهتدينا بنور القرآن، وما تشرفنا بالسير على هدي رسول الأنام ﷺ يقول الله تعالى ممتنًّا على هذه الأمة: ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال:63] فسبحان من ألَّف بين هذه القلوب، وسبحان من وحد بين هذه الأجناس، وسبحان من جمَّع بين هذه الألوان واللغات والعادات.
جمع الله بين بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وعليٍّ القرشيِّ، في وحدة وألفة وترابط أخوي، لم يعرف التاريخ له مثيلًا.
والله تبارك وتعالى يأمرنا بالاعتصام بحبله جميعًا، وينهانا عن التفرُّق والتَّشـرذم والتحزُّب، وعن موجبات ذلك من العصبية القبلية، أو التعصب للَّونِ، أو الجنس، أو اللغة، فكل هذه العصبيات موضوعة في الإسلام، قد جعلها النبي ﷺ تحت قدميه.
فلماذا يبغض بعضنا بعضًا، ولماذا يحسد بعضنا بعضًا، ولماذا يغتاب بعضنا بعضًا، ولماذا هَتْكُ الأعراض، والتقاطع والتدابر والتباغض، والله عز وجل يقول: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [آل عمران:103].
أيها المسلم:
اعلم: أنك لن تنال رضوان الله عز وجل ولا رحمة الله تبارك وتعالى وعفوه ومغفرته، إلا بمحبتك لأخيك المسلم، وبره ومساعدته؛ فالله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، وإن رحمة الله عز وجل تتنزَّل بمساعدة الإخوان، وتقديم العون لهم، ومحاولة التيسير على المعسـرين وأهل الحاجة؛ قال الله تعالى: ﴿ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الحج:77]، ويقول النبي ﷺ: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، مَنْ كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربةً فرَّج الله عنه بها كربة من كُربِ يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة»[1].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كلُّ سُلامى [السُّلامى: أصله عظام الأصابع وسائر الكف، ثم استعمل في سائر عظام البدن ومفاصله] من الناس عليه صدقة كلَّ يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة»[2].
ويقول النبي ﷺ: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أوَلاَ أدلُّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»[3].
وإفشاء السلام معناه التواضع لعباد الله، والمحبة لهم، ومسالمتهم، وعدم إضمار شيء في نفسه لهم، ويوم يتخلى الناس عن السلام، ويوم يستهينوا بهذه الشعيرة العظيمة من شعائر الدين، فيمر بعضهم على بعض بلا سلام ولا تحية، تظهر الضغائن، وينتشـر الحقد والحسد والبغض بين الناس، وهذا من فساد ذات البين الذي حذر منه نبينا ﷺ بقوله: «إياكم وفسادُ ذات البين؛ فإن فساد ذات البين الحالقة؛ لا أقول تحلق الشعر وإنما تحلق الدين»[4].
فعليك أيها العبد المسلم أن تُخرج من قلبك كلَّ حقد، وكل حسد، وكل بغضاء تجدها لأحد من المسلمين، إذا طرحت نفسك على الفراش، ووكلت أمرك إلى خالقك فاسأل الله عز وجل أن ينزع من قلبك كل غشٍّ وضغينة، وحسد وبغضاء.
عباد الله:
أراد النبيُّ ﷺ أن يبين لأصحابه فضل محبة المسلمين، وعدم إضمار شيء لهم، وسلامة الصدر تجاههم، فبينا هو جالسٌ مع أصحابه ذات مرة، إذ قال ﷺ لهم: «يطلع عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة»؛ فطلع رجلٌ من الأنصار، يتساقط ماء الوضوء من لحيته، وقد علَّق نعليه في شماله، فلما كان من الغد قال رسول الله ﷺ: «يطلع عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة»؛ فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما كان من الغد قال رسول الله ﷺ: «يطلع عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة»؛ فطلع ذلك الرجل على مثل مرتبته الأولى، فلما قام رسول الله ﷺ اتبعه عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال لذلك الرجل: إني خاصمت أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاث ليالٍ، فإن رأيتَ أن تؤويني إليك حتى تحلَّ يميني فعلت، فقال: نعم؛ فكان عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث أنه بات معه ليلة - أو ثلاث ليالٍ - فلم يره يقوم من الليل بشيء، غير أنه إذا انقلب على فراشه ذكر الله وكبَّر حتى يقوم لصلاة الفجر، فيسبغ الوضوء، قال عبد الله: غير أني لا أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضت الثلاث ليال كدتُ أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله، إنه لم يكن بيني وبين والدي غضب وهجرة، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرات في ثلاث مجالس: «يطلع عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة»؛ فطلعت أنت تلك الثلاث مرات، فأردتُ آوي إليك، فأنظر عملك، فلم أركَ تعمل كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله - ﷺ؟ قال: ما هو إلا ما رأيت. فانصـرفتُ عنه، فلمَّا ولَّيْتُ دعاني؛ فقال: ما هو إلا ما رأيتَ، غير أني لا أجد في نفسي غِلاًّ لأحدٍ من المسلمين، ولا أحسده على خير أعطاه الله إيَّاه. قال عبد الله بن عمرو: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق[5].
أيها المسلمون:
لينظر كلٌّ منَّا في قصة هذا الرجل، وليأخذ منها العبرة والعظة، ما الذي بلغ بهذا الرجل تلك المنزلة الرفيعة، ما الذي جعله من المشهود لهم بالجنة والفضل، وهو لا زال يعيش على ظهر هذه الدنيا؟ ما أعماله؟ ما عبادته؟ ما جهاده؟ ما هو السر الذي تفوق به؟
إن الذي بلغ بهذا الرجل تلك المنزلة هو سلامة الصدر لإخوانه المسلمين، ينام وليس في قلبه غشٌّ ولا حسد ولا بغضاء لأحد، وهذا ليس بالأمر اليسير؛ ولذلك قال عبد الله بن عمرو: «هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق».
إن من الناس من يتصدَّق ولكنه حقود، ومنهم من يدعو لكنه حسود، ومنهم من يقوم الليل ويقوم النهار، ولكنه يؤذي جيرانه، ويأكل لحوم إخوانه المسلمين، ويقع في أعراضهم.
| مَاذَا التَّقَاطُعُ في الإسلامِ بَيْنَكُمُ |
| وأنتُمُ يا عباد الله إِخوانُ |
إن اليهود والنصارى وأعداء الدين يختلفون فيما بينهم؛ ولكنهم يتفقون على حرب الإسلام والمسلمين، أما أهل الإسلام فمشارب وأساليب وأهواء وجماعات وأحزاب، ولا نراهم يتفقون حتى على حرب أعدائهم من أهل الإلحاد وفرق الكفر والزندقة!! (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).
لقد بين الرسول ﷺ حق المسلم على المسلم، فقال: «المسلم أخو المسلم» ولك أن تتصور حقوق أخيك عليك، وما يجب عليك تجاهه: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا». ويشير إلى صدره ثلاث مرات، «بحسب امرئٍ من الشرِّ أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه»[6].
ما أعظم تلك الحقوق، وما أجلّ هذه التوجيهات، لا يظلم المسلم أخاه؛ لأن عاقبة الظلم وخيمة، ولذلك فإن الله عز وجل حرَّم الظلم على نفسه، ولا يخذل المسلم أخاه بأن يترك إعانته ونصره والدفاع عنه في موطن يستطيع أن ينصره فيه، ولا يحقر المسلم أخاه بأن يستهزئ به، ويستهين به، ويستقله ويستصغر شأنه، فهذا كله ليس من أخلاق المؤمنين.
فيا مَنْ يجلس في مجالس الغيبة والنميمة، ويا من يقضي وقته في هتك الأعراض والتفكُّه بالحرمات، أما تعرف أنك تحارب الله؟! أما تعرف أنك تعلن الحرب على جبار السماوات والأرض؟! أما تعرف أنك تهدم في صرح هذه الرسالة الخالدة؟! اتق الله في نفسك، اتق الله في مصيرك، واعلم بأننا أمة واحدة: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات:10]، واعلم بأن الله عز وجل سوف يقتصُّ منك لا محالة، وسوف يأخذ من حسناتك؛ لتُجعل في موازين من اغتبت وظلمت وشتمت، حتى إذا فنيت حسناتك، أخذ من سيئاتهم؛ لتُجعل في ميزانك، حتى تُطرح في النار[7]: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾ [الحج:38].
إن هناك من يتخذ أساليب في الدعوة والتربية تضر ولا تنفع، وتفرق ولا تجمع، إنهم يتحزَّبون ضد إخوانهم، ولا يتلمسون العذر لغيرهم، ويشكِّكون في مصداقية الآخرين ونيَّاتهم، مما يعمل على تفريق الأمة، وتمزيقها إلى جماعات وأحزاب متعادية، والذي ينبغي أن يعامل المسلم معاملة تتفق مع الأحكام الشرعية والآداب المحمدية، لكونه ما زال مسلمًا، فله ما للمسلم من الحقوق، وعليه ما عليه من الواجبات.
كيف يتَّحد أهل الباطل ضدنا، ويكوِّنون صفًّا واحدًا في حزبنا، مع أنهم أعداء فيما بينهم، ثم نتعادى نحن ونتقاتل ونتباغض؟!!
أيها الناس: ينبغي كذلك أن لا تتشتت الأُسر، وتُقطع الأرحام، لخصومات سلفت، وشجارات سبقت، لئلا يحل الفساد فيما بيننا: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ [محمد:22]. إن من الأرحام من يحقد على رحمه، ويتعرض له بالكيد والدسائس، ولذلك فقد قست القلوب، وجفَّت العيون، وقلَّت الأرزاق، وذهبت البركة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فأين نحن من قول النبي ﷺ: «حقُّ المسلم على المسلم ستٌّ: إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فَشَمِّتْه، وإذا مرض فعُده، وإذا مات فاتَّبِعْه»[8].
فأين هذا من أناس جعلوا السلام على المعرفة والمكانة، فلا يسلِّم أحدهم إلا على الكبار، والنبي ﷺ يقول: «إذا لقي أحدكم أخاه؛ فليسلِّم عليه»[9].
ويبين النبي ﷺ أن السلام لا يكون على المعرفة، ولا يكون على المكانة، فروى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلًا سأل النبي ﷺ: أيُّ الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف»[10].
فالسلام هو شعار المحبة والود الذي أقامه رسولنا ﷺ وحثَّ على إرسائه وتثبيته في قلوب اتباعه وأمته من بعده، وعند البخاري موقوفًا على عمار بن ياسر، أنه قال: «ثلاثٌ من جمعهنَّ فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار»[11].
وبذل السلام للعالم - هنا - يتضمن تواضع العبد، وأنه لا يتكبر على أحد؛ بل يبذل السلام للصغير والكبير، لمن عرف ومن لم يعرف.
ومن حق المسلم على أخيه أيضًا إجابة دعوته، ومن الدعوات ما تكون واجبة، ومنها ما تكون مستحبة، ومنها ما يحرم إجابتها، فأما التي هي واجبة فالدعوة إلى وليمة الزواج، ما لم يكن هناك منكر، وفي ذلك يقول النبي ﷺ: «إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها»[12]. والوليمة هي وليمة العرس، وفي لفظ في الصحيح أيضًا: «إذا دعى أحدكم أخاه فليجب، عرسًا كان أو نحوه»[13].
قال أهل العلم: هذا الأمر للوجوب، أي يجب عليك أن تجيب الداعي ما لم يكن هناك منكر، أو شيء يخالف الشرع.
عباد الله: إن من الناس من يدعو إلى وليمته وطعامه عِلْيَة القوم، ويترك الفقراء والمساكين - وهم أحقّ بالدعوة من هؤلاء - وفي ذلك يقول النبي ﷺ: «شرُّ الطعام طعام الوليمة؛ يُمنَعَها مَنْ يأتها، ويُدعى إليها مَنْ لم يأتها»[14]. فشرُّ الولائم التي للرياء والسمعة، يُدعى إليها الأغنياء، ويُمنع منها الفقراء.
وهناك من الناس أيضًا من لا يجيب الداعي إلا إذا علم أنه من الأغنياء، وسوف يقدِّم كذا وكذا، فهذا - أيضًا - مخالفٌ لهدي الإسلام؛ لأن النبي ﷺ وهو خير البشـر كان يقبل دعوة كل أحد، وكان يقول ﷺ: «لو دعيت إلى ذِرَاعٍ أو كُرَاعٍ لأجبت، ولو أُهدي إليَّ ذراعٌ أو كُرَاعٌ لقبلت»[15].
ويقول ﷺ أيضًا: «يا نساء المسلمات، لاتَحْقِرَنَّ جارةٌ لجارتها ولو فرْسِن شاةٍ»[16].
عباد الله: أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله المعروف بالإِحسان المحمود بكل لسان، الرحمن، علم القرآن، خلق الإِنسان، علمه البيان، الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان، والصلاة والسلام على رسول السلام على رسول الإسلام، وهادي الأنام، أفضل من صلى وصام، وطاف بالبيت الحرام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
عباد الله: ومن حقوق المسلم على أخيه أداء النصيحة إليه، فالنصيحة واجبة عند أهل العلم، وقد قال ﷺ: «الدين النصيحة، قالوا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم»[17].
والنصيحة من نصرة المسلم لأخيه وعدم خذلانه، وقد قال، ﷺ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قلنا يا رسول الله ننصره مظلومًا، فكيف ننصـره ظالمًا؟ قال: ترده عن الباطل، فإن ذلك نصره»[18].
فالواجب علينا أن نتناصح فيما بيننا، والإِنسان لا يسلم من الخطأ والنسيان، ونحن جميعًا يعترينا الخطأ في كثير من تصرفاتنا، فالواجب على الأخ الناصح إذا رأى أخاه قد أخطأ في قضية أو مسألة أو اجتهاد أو تصرف، أن يذهب إليه وينصحه، ولن يجد من أخيه إلا الحب والدعاء والبشر والاستقبال الحسن.
أما أن ينتقد إخوانه وينال منهم في المجالس، ويتعرض لأعراضهم، ثم يهرب من أداء النصيحة إليهم في وجوههم؛ فإن هذا من الغش لله ولرسوله ﷺ وللمؤمنين.
ومن علامة المؤمن، أنه يتلطَّف في نصحه، فيذهب إلى أخيه، ويأخذه على انفراد، ويُسِـرُّ إليه بالنصيحة، ولا يُشَهِّر به أمام الناس، لأنه لا يبغي من وراء ذلك إلا رضا الله عز وجل.
ومما يروى عن الشافعي رضي الله عنه قوله:
| تَعَمَّدْنِي بِنُصْحِكَ فِي انْفِرَادٍ |
| وَجَنِّبْنِي النَّصِيحَةَ فِي الْـجَمَاعَهْ |
| فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ نَوْعٌ |
| مِنَ التَّوْبِيخِ لا أَرْضَى اسْتِمَاعَهْ |
| فَإِنْ خَالَفْتَنِي وَعَصَيْتَ أَمْرِي |
| فَلا تَجْزَعْ إِذَا لَمْ تُعْطَ طَاعَهْ |
عباد الله: ومن حق المسلم على أخيه أن يشمِّته إذا عطس؛ فقد ورد في الحديث: «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه: يرحمك الله، فإذا قال: يرحمك الله، فليقل: يهديك الله ويصلح بالك»[19].
وعن أنس: «أنه عطس عنده رجلان، فشمَّت أحدهما، ولم يشمِّت الآخر، فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمَّتَّهُ، وعطستُ فلم تُشَمِّتني، فقال: هذا حَمِدَ الله، وأنت لم تحمد الله»[20].
وروى أبو موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه»[21].
أيها المسلمون: ومن حق المسلم على أخيه عيادته إذا مرض، وعيادة المرضى من الأمور التي تزرع المحبة والألفة بين المسلمين، ولذلك فقد جاءت الأحاديث الصحيحة مُبينة فضل زيارة المرضى منها ما رواه مسلم عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من عاد مريضًا لم يزل في خُرْفة الجنة حتى يرجع»[22].
وقد عاد عليه الصلاة والسلام أصحابه ودعا لهم؛ منهم: سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عاده ﷺ ودعا له[23]. وعاد عليه الصلاة والسلام جابرَ بن عبد الله رضي الله عنه فوجده مُغْمى عليه فتوضأ عليه الصلاة والسلام وصبَّ عليه الماء؛ فاستفاق[24].
أيها المسلمون: إن حقوق المسلمين على إخوانهم لا تنقطع ولا تنتهي حتى بعد الموت، فللمسلم حقوقٌ على إخوانه حتى بعد أن يصبح جثمانًا، وتصعد روحه إلى بارئها.
فمن حقوقه بعد وفاته: اتباع جنازته، والصلاة عليها، ومواصلته بالدعاء بالمغفرة والرحمة، فهذه هي أخوة الإسلام، وهذا هو ميثاق الإيمان، وقد قال ﷺ: «من شهد الجنازة حتى يصلِّي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان»، قيل: وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين»[25]. وانظر إلى عظم الأجر وجزيل الثواب مع أن العمل هينٌ والمشقة محدودة.
أيها الناس: إن حقوق المسلمين كثيرة، لا نستطيع في هذه الدقائق أن نستوعبها، وإذا لم يستطع أحد منا أن يقوم بكل ما عليه تجاه أخيه من حقوق، فعليه أن يكفَّ شرّه عن عباد الله، فلا يغتاب أحدًا، ولا ينال من عرض أحد، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [الحجرات:12]. وقد بلغ الحسن البصري أن رجلًا قد اغتابه، فأتى بطبق، ووضع فيه رطبًا، ثم قال لخادمه: (اذهب إليه وقل له: أهدى لنا حسناته، وأهدينا له رطبًا!!).
وأتى رجل إلى جعفر الصادق، فسبَّ رجلًا من المسلمين في مجلسه، فقال له جعفر الصادق: (أيها الرجل.. أقاتلت الروم؟ قال: لا. فقال له: أقاتلت فارس؟ قال: لا. قال: أجاهدت الكفار؟ قال: لا. فقال: سبحان الله!! يسلم منك الروم وفارس واليهود والنصارى، ولا يسلم منك المسلمون!!).
فاتق الله أيها المسلم في أعراض المسلمين، فعِرْض المسلم أمره عظيم، وشأنه خطير، فكيف يزين لك الشيطان أن تتحدث في أعراض إخوانك، فتعدِّل هذا، وتجرِّح ذاك، وتشتم هذا، وتسب هذا، وقد يكون هذا الذي سببتَ وشتمت أفضل منك وأتقى منك لله عز وجل.
فأين نحن من أبي الدرداء الذي كان يدعو في السحر لسبعين من أصحابه، وأين نحن من الإمام أحمد وقد رأى ابن الشافعي فقال له: (أبوك من الذين أدعو لهم كل يوم!!).
هذا وصلوا وسلموا على مَنْ أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب:56].
وقد قال ﷺ: «من صلى عليَّ صلاة، صلى الله عليه بها عشرًا»[26].