الحمد لله.. الحمد لله خلق الأرض والسموات، والله أكبر أحسن تدبير الكائنات، والحمد لله قدّر الأرزاق والأقوات، والله أكبر أنزل الماء من المعصرات.. والحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى.. أحمده سبحانه وأشكره على جزيل العطايا والهبات..
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.. له الأسماء الحسنى والصفات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله.. بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة حتى ارتفعت به الملة الأعلام والرايات، صلى الله وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه.. حققوا في دين الله أعلى وأغلى المكتسبات والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم البعث من الممات.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله عز وجل فاتقوا الله -رحمكم الله- فتقوى الله خير زاد ليوم المعاد.. اتقوه فيما أمر واتقوه فيما نهى عنه وزجر، زينوا بواطنكم بالتقوى والإخلاص والتوبة كما زينتم أبدانكم بجميل اللباس والمظهر، وتذكروا باجتماعكم الأكبر يوم العرض الأكبر: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ [الحاقة:18].
جعلني الله وإياكم ممن ذُكّر فتذكر وغفر لنا ذنوبنا ما تقدم منها وما تأخر؛ فهو الكريم الجواد يقبل التوبة عن عباده ويغفر لمن استغفر.
أيها المسلمون: لقد أمر الإسلام بالتكافل، ورتب على ذلك أجورًا عظيمة، من ذلك تفقد الأرامل وكفالة الأيتام. إن إعانة اليتيم وكفالته سعادة ونعمة للمُعطي، فإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وإن الصدقة تطفئ الخطيئة، وتطفئ غضب الرب.
فاليتيم ضعيف لكنه قويّ؛ إذ يقودك إلى الجنة صبي ضعيف، فافرح بأن فتح الله لك باب خير، واسعد بإحسانك إلى اليتامى والحنو عليهم، وقضاء حاجاتهم، واحذر احتقارهم، فبحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، وهل كان النبي إلا يتيمًا؟ وكم من يتيم صار في قادم أيامه مهابًا عظيمًا؟ ومن فقد رعاية والده بغير يُتمٍ وجب على المجتمع الإحسان إليه وإحاطته بالرعاية والتربية، فكيف بيتيم الأب والأم، والراحمون يرحمهم الرحمن.
أيها المسلمون: لقد وبّخ جل وعلا من لم يكرم يتيمًا: ﴿ كَلَّا ۖ بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾ [الفجر:17]. وقَرَن دعّه -وهو قهرُه وظلمه- قرن ذلك بالتكذيب بيوم الدين: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴿١﴾ فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾ [الماعون:1-2]، ونهى الله صفوة خلقه عليه الصلاة والسلام أن يقهر أحدًا منهم: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴾ [الضحى:9]، أي لا تذله ولا تنهره ولا تهنه، ولكن أحسن إليه وتلطف به. ونهى عن قرب مال اليتيم إلا بالحسنى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [الأنعام:152].
ولا يتولى أموالهم إلا القوي الأمين. ونهى عليه الصلاة والسلام الضعيف من صحابته أن يتولى على شيء من أموالهم فقال: «يا أبا ذر: إني أراك ضعيفًا وإني أحب لك ما أحب لنفسـي، لا تأمرنّ على اثنين ولا تولينّ مال اليتيم»[1]. وأَكْلُ ماله من السبع المهلكات؛ قال عليه الصلاة والسلام: «اجتنبوا السبع الموبقات»، وذكر منهنّ: «وأكل مال اليتيم»[2]. ومن أكل ماله بغير حق أجج في بطنه نارًا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء:10]. وإذا رَشَدَ أُعطي ماله وافيًا من غير بخس أو إخفاءٍ لشـيء منه: ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا ﴾ [النساء:6].
أيها المسلمون: اليتيم يأتي إلى الدار بالخيرات، وتتنزل بحلوله البركات، ويلين به القلب من الزلات، سأل رجل الإمام أحمد رحمه الله: كيف يرق قلبي، قال: (ادخل المقبرة وامسح رأس اليتيم. وأطيب المال ما أعطي منه اليتيم)، قال عليه الصلاة والسلام: «إن هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحب المال المسلم ما أُعطي منه المسكين واليتيم وابن السبيل»[3].
وقد كان النبي ﷺ قدوة في كفالة الأيتام، فاتخذ عليه الصلاة والسلام أكثر من عشرة أيتام يحوطهم برعايته وعنايته، فكان لهم أبًا رحيمًا مشفقًا محبًّا لهم. ومن كفل يتيمًا كان معه في الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين»[4]. قال ابن بطال رحمه الله: (حق على كل من سمع هذا الحديث أن يعمل به، ليكون رفيق النبي ﷺ في الجنة، ولا منزلة في الآخرةِ أفضل من ذلك).
واقتفى الصحابة -╚- أثر النبي ﷺ، فكان تحت الخلفاء الراشدين أيتامٌ في بيوتهم، وكفل نساؤهم أيتامًا من البنات في بيوتهنّ، كأم المؤمنين عائشة وميمونة وزوجة ابن مسعود -رضي الله عنهنّ-، وكان ابن عمر رضي الله عنه إذا رأى يتيمًا مسح رأسه وأعطاه شيئًا. وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: «ارحم اليتيم، وأدنه منك، وأطعمه من طعامك».
أيها المسلمون: اليتيم محفوظ بحفظ الله: ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴾ [الكهف:82]. وإن الله عز وجل لا يغلق عن عبده بابًا إلا ويفتح له برحمته وفضله أبوابًا غيره، واليُتم قد يكون طريقًا للعلو والشموخ، فقد كان في الأمة من فقدوا آباءهم فأصبحوا فيها عظماء، لقد حفِل التاريخ بأناس عاشوا اليتم، ولكنهم ملؤوا الدنيا علمًا وجهادًا ودعوةً وعبادةً.
نشأ أبو هريرة رضي الله عنه يتيمًا، وكان يرعى لقومه الغنم، ثم لازم النبي ﷺ فكان راوية الإسلام، يخبر عن نفسه فيقول: نشأت يتيمًا، وهاجرت مسكينًا، وكنت أجيرًا لابنة غزوان بطعام بطني وعُقبة رجلي، أحدو بهم إذا ركِبوا، وأحتطب إذا نزَلوا، فالحمد لله الذي جعل الدين قِوامًا، وجعل أبا هريرة إمامًا. والإمام البخاري رحمه الله صاحب الصحيح يتيم، وقرأ على ألف شيخ، فصنّف أصح كتاب في الحديث، فكان هذا اليتيم نعمة على هذه الأمة.
والإمام الشافعي رحمه الله فَقَدَ أباه وهو دون العامين، فنشأ في حِجر أمه في قلة من العيش وضيق من الحال، فحفظ القرآن وجالس في صباه العلماء فساد أهل زمانه. قال الحميدي: سمعت الشافعي يقول: (كنت يتيمًا في حِجر أمي، ولم يكن عندها ما تعطي المعلِّم، وكان المعلم قد رضي مني أن أقوم على الصبيان إذا غاب، وأخفف عنه). فأي شيء كان الشافعي بعد ذلك؟! قال الإمام أحمد: (كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس).
والإمام ابن الجوزي رحمه الله نشأ يتيمًا على العفاف والصلاح في حضن عمته، فحملته إلى العلماء، فصنف ووعظ، قال رحمه الله عن نفسه: (أسلم على يدي أكثر من مائتي ألف). قال شيخ الإسلام رحمه الله: (ولا أعلم أحدًا صنف في الإسلام أكثر من تصانيفه).
والزبير بن العوام رضي الله عنه الذي عده عمر رضي الله عنه بألف فارس، كان نتاج تربية أمه صفية رضي الله عنها بعد أن مات أبوه وهو صغير، وكانت أمه صفية تضربه ضربًا شديدًا وهو يتيم، فقيل لها: قتلتِه، أهلكتِه! قالت: إنما أضربه لكي يدبّ ويَجُرَّ الجيش ذا الجلب
فماذا كان بعد؟! قال الثوري: (هؤلاء الثلاثة أحد نجدة الصحابة: حمزة، وعلي، والزبير. وعن عروة قال: كان في الزبير ثلاث ضربات بالسيف: إحداهن في عاتقه، إن كنتُ لأُدخل إصبعي فيها، ضُرب اثنتين يوم بدر، وواحدة يوم اليرموك. ولا تنسَ أنه اليتيم الذي كانت أمه تضربه!).
والإمام الأوزاعي رحمه الله مات والده وهو صغير، فربّته أمه. نقل الذهبي في ترجمته عن العباس بن الوليد قال: (ما رأيت أبي يتعجب من شيء تعجُّبَه من الأوزاعي، فكان يقول: سبحانك تفعل ما تشاء! كان الأوزاعي يتيمًا فقيرًا في حِجر أمه تنقله من بلد إلى بلد، وقد جرى حلمك فيه أن بلَّغته حيث رأيتُه. يا بَني! عجزت الملوك أن تؤدب نفسها وأولادها، وأدب الأوزاعي نفسَه!).
وغير هؤلاء كثير، كانوا أيتامًا، كالسيوطي وابن حجر والثوري والقاسم بن محمد، وغيرهم من السلف عاشوا اليُتم، لكنهم أناروا الدنيا بالعلم والفهم، ولم يكن اليُتم عائقًا لهم عن النهوض، بل ربما كان دافعًا لهم.
وإذا أردت أمثلة حاضرةً قريبةً فهي غير قليلة أيضًا، أمثال: صِدِّيق حسن خان، وعبد الرحمن السعدي، ومحمد الأمين الشنقيطي، وعبد العزيز بن باز ﭭ.
وسيد الأيتام نبينا محمد ﷺ، توفي والده وأمه حامل به، ثم تقلّب في أحضان متوالية من أمه إلى جده إلى عمه: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ ﴾ [الضحى:6].
قالوا: (اليتيم)
| فماجَ عطرُ قصيدتي |
| وتلفتت كلماتُها تعظيما |
| وسمعتَ منها حكمةً أزليةً |
| أهدت إليّ كتابَها المرقوما |
| حسْبُ اليتيمِ سعادةً أن الذي |
| نَشَـرَ الهدى في الناس عاش يتيما! |
محمد ﷺ.
أيها المسلمون: وإذا فقد اليتيم أباه تضاعف واجب الأم نحوه؛ فأم موسى رعت ابنها موسى عليه السلام واصطفاه الله نبيًا: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴿١٢﴾ فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ ﴾ [القصص:12-13]، وزكريا عليه السلام كفل مريم: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ [آل عمران:37]، ومريم أحسنت تربيتها لابنها عيسى عليه السلام ، واختاره الله رسولًا.
والإمام أحمد بن حنبل رحمه الله مات والده وهو حمل في بطن أمه، وعاش حياة فقر وفاقة، فحضنته أمه وأدبته وأحسنت تربيته، قال رحمه الله: (كانت أمي توقظني قبل الفجر بوقت طويل وعمري عشر سنوات، وتُدفئ لي الماء في الشتاء، ثم نصلي أنا وإياها ما شئنا من صلاة التهجد، ثم تنطلق بي إلى المسجد في طريق بعيد مظلم موحش لتصلي معي صلاة الفجر في المسجد، وتبقى معي حتى منتصف النهار تنتظر فراغي من طلب العلم وحفظ القرآن). بصبر هذه الأم على اليتيم أخرجت عالمًا من علماء المسلمين وأئمتهم.
ويجب على الأم والأوصياء والأولياء الإحسان إلى اليتيم والرفق به في التربية والرحمة، وأن لا يقتصر على الشفقة والعطف والإنفاق فحسب، بل يكون بالتوجيه الحسن والتعليم النافع؛ قال الله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ﴾ [البقرة:220].
وأول ما يوجه إليه اليتيم حفظ كتاب الله العظيم، فهو العاصم والحافظ والمخرج من الفتن، ثم طلب العلم الشرعي، وحفظ الحديث والفقه وغيرهما، ومجالسة العلماء ولزوم الصحبة الصالحة، مع صرفه عن أسباب الفتن.
وعلى من يرعى يتيمًا أن يراقب ربه في ذلك الضعيف، وأن يخلص في عمله مع الله، فالإخلاص ييسر العمل ويكسوه حلاوة، وعليه أن لا يبخل بابتسامة وأن يبذل له ويرحمه، ويقيل عثرته، ويحسن ولايته، قال قتادة رحمه الله: (كن لليتيم كالأب الرحيم).
أيها المسلمون: واليتيم طفل اليوم وهو رجل المستقبل، والله يكافئك على كل ما تعمله من تربيه وإحسان، ويجازيك على ذلك الجزاء الأوفى، ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ [النساء:9].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
أيها المسلمون: الله عز وجل جابر كسر اليتيم، ورافعٌ قدره، ومن كُتب عليه اليُتم وهو ضعيف، فالجنة مأوى المستضعفين من المؤمنين، قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟! كل ضعيف مستضعف، لو أقسم على الله لأبره»[5]
اليتيم فرد من أفراد الأمة، ولبنة من لبناتها، غير اليتيم يرعاه أبواه، يعيش في كنفهما تظلله روح الجماعة، يفيض عليه والداه من حنانهما، ويمنحانه من عطفهما، ما يجعله بإذن الله بشرًا سويًا، وينشأ فيه إنشاءً متوازنًا، أما اليتيم فقد فَقَدَ هذا الراعي، ومال إلى الانزواء، ينشد عطف الأبوة الحانية، ويرنو إلى من يمسح رأسه، ويخفف بؤسه، يتطلع إلى من ينسيه مرارة اليتم وآلام الحرمان.
كم من أم لأيتام يحوم حولها صبيتها وعينهم شاخصة نحوها، لعلهم يجدون عندها إسعافًا.
إن اليتيم إذا لم يجد من يستعيض به حنان الأب المشفق والراعي الرافق، فإنه سيخرج نافر الطبع، وسيعيش شارد الفكر، لا يحس برابطة، ولا يفيض بمودة، وقد ينظر نظر الخائف الحذر، بل قد ينظر نظر الحاقد المتربص، وقد يتحول في نظراته القاتمة إلى قوة هادمة.
أيها المسلمون: من خيار بيوت المسلمين بيت فيه يتيم يُحسَن إليه، إن خفض الجناح لليتامى والبائسين دليل الشهامة، وكمال المروءة، صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وتحفظ من المحن والبلايا.
إن كنت تشكو قسوة في قلبك فأدْنِ منك اليتامى، وامسح على رؤوسهم، وأجلسهم على مائدتك، وألِن لهم جانبك، إذا رجوت أن تتقي لفح جهنم فارحم اليتامى وأحسن إليهم، فإن الإحسان إليهم يفرّج كُرب الآخرة، وإطعامهم سبب لدخول الجنة: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴿٨﴾ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴿٩﴾ إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴿١٠﴾ فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴾ [الإنسان:8-11].
لقد تحرّج الذين عندهم أيتام من أصحاب رسول الله ﷺ حين سمعوا القوارع في مثل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء:10]، فعزلوا طعام الأيتام وشرابهم، فصاروا يأكلون منفردين، ويعيشون منعزلين، وامتنع آخرون من كفالة اليتيم تحرجًا وتعففًا، وكان هذا موضع حرج آخر، فسألوا رسول الله ﷺ، فنزل القرآن مجيبًا لهم: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة:220].
وكم من نُظَّار على أوقاف، وأوصياء على أيتام انزلقوا في الشبهات، ثم ترقوا إلى المحرمات، فغلبتهم أطماعهم حتى أصبح واحدهم غنيًا من بعد فقر، قاسيًا من بعد لين، فويل لهم، ثم ويل لهم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء:10].
وفي الحديث: «أربعة حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها: مدمن الخمر، وآكل ربا، وآكل مال اليتيم، والعاق لوالديه». وقال رسول الله ﷺ: «إِنَّي أُحَرِّجُ عليكم حقَّ الضعيفينِ: اليتيمُ، والمرأةُ».[6]
أيها المسلمون: وهناك يُتم من نوع آخر، معه أبواه لكنه يعيش حياة الغفلة، وأعداد هؤلاء يتضاعف مع مرور الأيام وكثرة المشاغل والملهيات، فالأب مشغول في وظيفته أو تجارته أو سهرته أو سفرته، والأم كذلك قد تركت ولدها للخادمة، وأصبحت مشغولةً بين السوق والوظيفة، وبين الأزياء والموضة، وحين يكبر الولد وينتهي من رعاية الخادمة ويملك الخروج من المنزل ولو مع صغر سنه، فإنه يلتقم ثدي الشارع، ويختاره سكنًا بدل البيت، ليقطع فيه جُل الوقت. هذا يسمى يتيم التربية!
| ليس اليتيم من انتهى أبواه مِن |
| همِّ الحياةِ وخلّفاه ذليلًا |
| فأصاب بالدنيا الحكيمةِ منهما |
| وبحسن تربيةِ الزمان بديلًا |
| إن اليتيمَ هو الذي تلقى له |
| أمًّا تخلّت، أو أبًا مشغولًا |
إننا لا نطلب من الرجل ولا من المرأة أن يتركوا أشغالهم التي يطلبون منها لقمة العيش مطلقًا، لكننا نقول لهم: إن فترة الغياب الطويل عن الأولاد لها أثر كبير؛ ولذا كان من الضروري على الزوجين تخصيص أوقات كافية للجلوس مع أبنائهم، واصطحابهم، وحل مشكلاتهم، وإشراكهم معهم في الحياة.
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /ناصر الأحمد