حجم الخط:

فريضة الزكاة في الإسلام

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فرض الزكاة على عباده تزكية للنفوس، وتطهيرًا للقلوب، وتنميةً للأموال، وسدًا لعوز المحتاجين، وتحقيقًا لروح المودة والإخاء، والرأفة والرحمة والصفاء، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، ومصطفاه وخليله، ومجتباه وحبيبه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد:

أيها المسلمون: اتقوا الله جل وعلا ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، واعملوا أن دينكم الإسلامي الذي منَّ الله به عليكم ورضيه لكم، وأكرمكم بالانتساب إليه، قد بني على أسس متماسكة، وقواعد مترابطة، إذا اختل منها شيءٌ تصدع ما سواه. قال ﷺ: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلًا»[1].

أيها المسلمون: إن من هذه الأركان العظيمة، ركنًا عظيمًا تساهل الناس فيه، وعمت الغفلة عنه؛ لضعف الإيمان في النفوس، وإيثار العاجلة بزينتها وأموالها ومتاعها؛ على الآجلة الباقية، ألا وهو الزكاة.

الزكاة -عباد الله- هي الركن الثالث من أركان هذا الدين، وهي قرينة الصلاة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5]، وقال عز وجل: ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5]. فقد ذكر الله الزكاة في كتابه مقرونةٌ بالصلاة تعظيمًا لشأنها، وتنويهًا بذكرها، وترغيبًا في أدائها، وترهيبًا من تركها والتساهل فيها.

وفي الصحيحين عن ابن عباس أن النبي ﷺبعث معاذًا إلى اليمن فقال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»[2].

فالزكاة يا إخوة الإسلام: ثالث أركان هذا الدين العظيم، مَن جحَد وجوبَها كفَر، ومن منعها أخِذَت منه قَهرًا، ومَن حبسها تهاونًا، وأمسَكَها تكاسلًا، وكتمَها بخلًا، وغيَّبها شحًّا، أو أنقَصَها أو أخَّرها عن وقت وجوبها، مع إمكانِ أدائها وداعي إِخراجها، فهو عاصٍ وآثم ومعتدٍ وظالمٌ، لا يسلَم مِن تبِعَتها، ولا يخرج من عُهدتها إلاّ بإخراجِ ما وجَب في ذمّتِه منها وتعلَّق بماله من حقِّها، ومَن مضَت عليه سنون لم يؤدِّ زكاتَها لزِمَه إخراجُ الزكاة عن جميعها، والتّوبةُ والاستغفار عن تأخيرِها.

في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، يؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله».[3] ولذا قال الصديق رضي الله عنه: والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونها لرسول الله لقاتلتهم على منعها. وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا جاء رمضان خطب الناس وقال: «هذا شهر الزكاة، فأخرجوا فيه زكاة أموالكم». وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «ثلاث آيات مقرونةٍ بثلاث، لا تقبل منها واحدة بغير قرينتها: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة:92]، فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه.

﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان:14]، فمن شكر لله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] فمن صلى ولم يزكِ لم يقبل منه».

أيها المسلمون: والزكاة في الإسلام حق الفقراء في أموال الأغنياء، وهذا الحق أوجبه الله عز وجل، وهو حق معلوم قد حددت الشريعة مقاديره وأنصبته المختلفة في أنواع الأموال، وحصيلة الزكاة لا تترك للأهواء، بل حدد الإسلام مصارفها في قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:60]. فيجِب إخراجُ الزكاة علَى الفَور بوضعِها في مواضِعها، وصرفِها في مصارِفها، وإيصالها إلى مستحقِّيها، وهم ثمانِيَةُ أصناف، لا يجوز صرفُها إلى غيرِهم مِن بناء المساجد والقناطِر وتكفينِ الموتَى ووَقف المصاحف وغيرِها من جِهات البر والخير.

أيها المسلمون: ولقد ورد الترهيب الشديد والوعيد الأكيد لمانعي الزكاة، وفي حق من قصر فيها، وتساهل في أدائها، تحذيرًا وإنذارًا، وإبداءً وإعذارًا، بأسلوبٍ لو خوطبت به الجبال الصم؛ لخشعت وتصدعت، يقول عز وجل: ﴿ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿٦﴾ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [فصلت:6-7]. وقال تعالى في آية أكثر تفصيلًا لما يحيق بمانع الزكاة من الويل والثبور يوم البعث والنشور: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣٤﴾ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34-35].

إن هذه الأموال لما كانت أعزّ الأموال على أربابها، كانت أضرّ الأشياء عليهم في الدار الآخرة إذا منعوا زكاتها، فيحمى عليها في نار جنهم، وناهيك بِحرِّها فتُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. قال أهل العلم: لما طلبوا باكتنازها المال والجاه شان الله بها وجوههم، ولما طووا كشحًا عن الفقير إذا جالسهم كويت جنوبهم، ولما أسندوا ظهورهم إلى أموالهم ثقةً بها واعتمادًا عليها كويت ظهورهم. وقد بينت سنة النبي ﷺ كيفية هذا الكي؛ فقد جاء في صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بَرَدَت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضـى بين العباد، فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار»[4]. إن هذا العذاب ليس في يومٍ أو شهرٍ أو سنة، لكنه في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، فقولوا لي بالله عليكم: من ذا الذي يطيق ذلك الهول العظيم؟! ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37].

وروى البخاري عن النبي ﷺ قال: «من آتاه الله مالًا فلم يؤدّ زكاته مُثّل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك. ثم تلا النبي ﷺ الآية: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:180]»[5]، أي: إن المال يمثل له في صورة شجاع أقرع، والشجاع الحية الذكر، والأقرع الذي طال عمره وسقط شعره، والزبيبتان نقطتان سوداوان فوق العينين، وهو أخبث الحيات، يطوقه ثم يأخذ بشفتيه فيقول: أنا مالك.. أنا كنزك..

ولم يقف الشرع -عباد الله- عن حد الوعيد بالعقاب الأخروي، بل هدّد كل من يبخل بحقه عز وجل بالعقوبة الدنيوية وبالنكال والوبال وإذهاب البركة من المال؛ كما حكى الله عن أصحاب الجنة: ﴿ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴿١٧﴾ وَلَا يَسْتَثْنُونَ ﴿١٨﴾ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴿١٩﴾ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴿٢٠﴾ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ ﴿٢١﴾ أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ ﴿٢٢﴾ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ﴿٢٣﴾ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ﴿٢٤﴾ وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴿٢٥﴾ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ﴿٢٦﴾ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴿٢٧﴾ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ﴿٢٨﴾ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴿٢٩﴾ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ ﴿٣٠﴾ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ﴿٣١﴾ عَسَىٰ رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ ﴿٣٢﴾ كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [القلم:17-33]، فمانع الزكاة مهدد في الدنيا كذلك بزوال ماله، وقال ﷺ: «ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين»[6]، وقال ﷺ: «ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا»[7].

أيها المسلمون: في إيجابِ الزكاة مواساةٌ للفقراء، ومَعونة للبُؤَساء والضعفاء، وصِلة بين ذوِي الحاجاتِ والأغنياء، وعونٌ على مجانبة البخل والشّحِّ والإباء عن العطاء، كم سدَّت الزكاة مِن خَلّة، وكَم جبرت من فاقَة، وكم فرَّجت عن معسـرٍ كُرِبَ، فضائلُها لا تعَدّ وبَركاتها لا تُحَدّ.

فيا مَن جمع المال وأوعَاه، وكنزه وأخفاه، سَتَنال عِقاب ما بخِلت، وستُعايِن شؤمَ ما عمِلتَ.

يا مانِع الزَّكاة: أنسِيتَ أن الأموالَ عارِية عند أربابها، وودِيعة عند أصحابها؟! أنَسيتَ أنّ الزّكاة يعود نفعُها عليك ويرجِع ثوابها إليك؟! فحذارِ حذار أن تكونَ ممّن يراها نقصًا ويعدّها غُرمًا وخسارًا، فلا ينفِق إلاّ كرهًا، ولا يرجو لما يُعطي ثوابًا.

يا أهلَ المال والرِّياش والكسب والمعاش: ارحموا السائلَ المحروم، وأَعطوا الفقيرَ المعدوم، وتصدَّقوا على المسكين المهموم الذي لا يجِد ما يقوم به وكِفايَتِه وكفاية من يعول.

يا أهلَ البَذل والسّخاء والإنفاق والعَطاء: أبشِروا بحسنِ الجزاءِ والخَلَف والبركة والنّماء، فقد قال الصادق المصدوق ﷺ: «ما نقَصَت صدقةٌ من مال»[8].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم..

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وخاتم النبيين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين.

وبعد:

عباد الله: إن تكاليف الحياة كثيرة ومتزايدة، التكاليف ترهق الكاسب وتفتن الكاسد، الكاسب تتضاعف عليه النفقة، فما الحال بالمعدم الكاسد؟! لقد وصفهم رسول الله ﷺ فقال: «ليس المسكين بهذا الطوّاف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه، ولا يُفطن له فيُتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا»، كما قال الله تعالى: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [البقرة:273][9].

فاتقوا الله عباد الله: وأدوا زكاة أموالكم، طيبةٍ بها نفوسكم، فقد أعطى الله الكثير، وطلب أقل القليل، ولو أن الميسورين من المسلمين اليوم قاموا بهذه الفريضة حق القيام، وصرفوا الزكاة في مصارفها، ووضعوا الأمر في نصابه، لما وجد على الأرض من يتسول لفاقة، ومن يلح في مسألة لحاجة، ولاختفت مظاهر الإجرام والسطو والاختلاس والسرقة.

كم في الناس -عباد الله- من أرملة تضمّ أيتامًا لا عائل لهم، ولا تستطيع الكسب فتنفق عليهم؟ كم من شيخ كبير وهن منه العظم، وما عنده ما يستعين به على عجزه، ولا ولد بارّ يسعفه في شيخوخته؟ كم في الناس من عاجز أُقعد عن الكسب؟ أولئك -عباد الله- ومن على شاكلتهم في حاجة إلى التخفيف من متاعبهم في زمن عضّهم فيه الفقر، وأثقلت كواهلهم النفقات.

وأنت -يا عبد الله- يا مَن وفَّقك الله لأداء الزكاة وأعانَك على إخراجها، جعلها الله لك طَهورًا ونورًا وقربَة وهناءَةً وبركة وسرورًا، وآجَرك الله فيما أعطَيتَ، وضاعف لك فيما أنفَقتَ، قال جل في عُلاه: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم:39].

أيّها المسلمون: يُستحَبّ للمسلِم أن يلِيَ توزيع زكاته بنفسِه، وله أن يَعهَد بتوزيعها إلى مَن يثِق به مِن الأُمَناء الأقوياء، ولا يجوز للوكِيلِ استثمارُ أموالِ الزكاة ولا الاتِّجارُ بها، ويجِب على من وُكِلَ إليه توزيعُ مالٍ زكويّ أن يعجّلَ بإخراجه لمستحقِّيه، ولا يجوز له تأخيرُه بلا مَصلَحةٍ معتبرة.

ومن تولَّى قِسمةِ زكاةٍ نيابةً عَن معيَّن فلا يُعَدّ من العاملين عليها، ولا يستحِقّ فيها، ولا يجوز له الأخذ مِنها، إلاّ أن يكونَ فقيرًا فيُعطَى منها قَدرَ كِفايته. وأمّا العاملون عليها الذين هم من أهلِها فهم جُباتها وسُعاتها وحُفّاظها وقُسَّامها الذين يبعثهم الحاكم لأخذها ويولِّيهم على تحصيلِها.

أيّها المسلمون: الزّكاةُ أنواع وأقسامٌ ولها مسائِل وأحكام، فاسأَلوا أهلَ العلم عمَّا أشكَل، وراجِعوا أهلَ الذّكر عمَّا أقفَل، فهذا من أوجب العلم، فاستعينوا بالعلم على أداءِ الواجب، وبالصّبر على شكرِ الواهِب، القائِلِ في الكتاب المجيد: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].

عباد الله: المطر نعمة لا يعدلها نعمة، به حياة الأرض، وبه حياة الأبدان، إذا جاء المطر فرح به الناس، وما ذاك إلا تيمّنًا منهم بما يعود به المطر من المعاني التي تصاحبه عند نزوله، وإن حرمان البلدان من الأمطار ما هو إلا إنذار وتهديد من الله لعباده ليعودوا إلى رشدهم وينظروا في أنفسهم؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء:59]. يقول ﷺ: «خمس خصال إن ابتليتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدركوهنّ»، وذكر منهنّ: «ولم يمنع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا»[10]. فانظروا -رحمكم الله- إلى هذا التوافق، لمّا منع الناس إخراجَ ما بأيديهم من الزكاة منع الله القطرَ أن ينزل من السماء: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا [الجن:16]، كثيرًا ما يستسقي الناس في خطبهم وفي صلواتهم فلا يسقون في كثير من الأحيان، بل ربما أقاموا صلاة الاستسقاء مرة بعد مرة، فلا يظهر لهم معالم استجابة، أفلا يكون هذا نذيرًا لأصحاب الأموال أن يخرجوا زكاة ما بأيدهم رحمةّ بأنفسهم، وأداءً لواجب في أعناقهم وتبرئةّ لذممهم؟!

نسأل الله أن يفتح على قلوب المسلمين، ويجعلهم إخوة متعاونين متكافلين، يرحم كبيرهم صغيرهم، ويعطي غنيهم فقيرهم..

هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على نبي الرحمة والهدى، من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة