الحمد للَّه رب الأرض والسماء، خلق السموات و الأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء، نشهد أن لا إله إلا هو أرسل إلينا خاتم الرسل وخير الأنبياء، وأنزل القرآن للذين آمنوا هدى وشفاء، فأضأت به قلوب العارفين و الأتقياء، وترطبت بآياته ألسنة الذاكرين والأولياء، نحمده تبارك وتعالى على النعماء والسراء، ونستعينه على البأساء و الضراء، ونعوذ به سبحانه من درك الشقاء وجهد البلاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله خاتم الرسل والأنبياء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته الأجلاء، وعلى السائرين على دربه والداعين بدعوته ما تعاقب الصبح والمساء..
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
عباد الله، لقد امتن الله تعالى علينا بنعمة جليلة حين أنزل القرآن الكريم على عبده ونبيه محمد ﷺ، فهو نعمة عظيمة حق لنا أن نفرح بها ونعلن اغتباطنا بها، ألم يقل الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٥٧﴾ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [يونس:57‑58].
ولو تأملنا فيما ورد من الفضائل لهذا الكتاب العزيز لرأينا عجبًا، فهو الكتاب الذي لو أنزل على الجبال الرواسي لتصدعت وخشعت ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ ﴾ [الحشر:21]، وهو الكتاب الذي تكفل الله سبحانه بحفظه ولم يكَل حفظه إلى ملك أو نبي ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر:9].
وهو الكتاب المهيمن على ما عداه من الكتب التي أنزلها الله جل وعلا: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ ﴾ [المائدة:48]، وفي السنة النبوية الكثير من الأحاديث التي تبين فضائل القرآن الكريم وما اختص به الخلال. ففي الحديث «إن هذا القرآن سبب، طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا»[1].
وعن زيد بن أرقم أن النبي قال: «ألا وإني تارك فيكم ثقلين: أحدهما كتاب الله عز وجل، هو حبل الله، ومن اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة»[2].
وكان إذا خطب يقول: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد»[3]، فمن أراد النجاة والفلاح فعليه بكتاب الله تعالى، ومن أراد الخير الكثير والأجر الوافر فليقرأ كتاب الله تعالى يقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ﴿٢٩﴾ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ [فاطر:29-30]، وعن أبي موسى: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو»[4].
وعن ابن مسعود: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: ألم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف»[5].
ومن قرأ القرآن ماهرًا به فهو يوم القيامة مع الملائكة السفرة الكرام البررة، فعن عائشة: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران»[6].
وعن أبي هريرة قال ﷺ: «أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان»؟ قلنا: نعم قال: «فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاة خير له من ثلاث خلفات عظام سمان»[7].
وهذا قتادة رحمه الله يقول: اعمروا به قلوبكم واعمروا به بيوتكم أي القرآن أخرجه الدارمي وكان أبو هريرة يقول: إن البيت ليتسع على أهله وتحضره الملائكة وتهجره الشياطين ويكثر خيره أن يقرأ فيه القرآن، وإن البيت ليضيق على أهله وتهجره الملائكة وتحضـره الشياطين ويقل خيره أن لا يقرأ فيه القرآن.
وللقرآن الكريم مع أهله يوم القيامة مواقف عجيبة فعن أبي أمامة: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه»[8].
وعن النواس بن سمعان: «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما»[9].
وعند تلاوة القرآن ومدارسته تتنزل الملائكة والسكينة والرحمة، فعن البراء بن عازب قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط بشطنين، فتغشته سحابة فجعلت تدنو وجعل فرسه ينفر منها فلما أصبح أتى النبي فذكر له ذلك، فقال: «تلك السكينة تنزلت للقرآن» متفق عليه. وعن أبي هريرة «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده»[10].
وفي تلاوة القرآن الكريم أمان بإذن الله من الغفلة «من قام بعشـر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ بألف آية كتب من المقنطرين»[11].
عباد الله: ومما يؤكد المكانة السامية لهذا القرآن أن خير الناس من تعلم القرآن وعلمه كما أخبر بذلك النبي، وأن أحق الناس بالإمامة في الصلاة أقرؤهم. بل إن أهل القرآن لهم المكانة والرفعة «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين»[12].
عباد الله: إن القلب يصدأ ويقسو، والنفس تضعف، وتهبط بها دواعي الشهوات ومشاغل الدنيا وما أحوجنا إلى ما يصلح نفوسنا ويلين قلوبنا ويربطنا بخالقنا سبحانه. وما تقرب عبد إلى ربه بأفضل من تلاوة كتابه والوقوف عند معانيه والتدبر في آياته.
وقد كان من هدي السلف المستقر لديهم تلاوة ورد يومي من كتاب الله تعالى، بأن يجعل أحدهم له قدرًا يقرؤه يوميًا ويتعاهد نفسه عليه بحيث يختم القرآن في كل شهر أو عشـرين يومًا أو أقل من ذلك.
ومما يدل على ذلك ما ورد في الصحيحين من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي قال له: «اقرأ القرآن في كل شهر قال: قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال: فاقرأه في سبع، ولا تزد عن ذلك»[13].
وعن عمر بن الخطاب: «من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل»[14]. وثبت عن ابن مسعود وعثمان وتميم الداري وجمع من أئمة التابعين أنهم كانوا يختمون القرآن في سبعة أيام.
ومن آداب التلاوة أيها المؤمنون تدبر كلام الله تعالى وتفهم معانيه، فهذا من أهم مقاصد القرآن الكريم ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص:29] وعن حذيفة أن النبي صلى فكان إذا مرّ بآية رحمة سأل، وإذا مرّ بآية عذاب استجار، وإذا مرّ بآية فيها تنزيه لله سبح. النسائي وصححه الألباني.
وقال أبو جمرة لابن عباس رضي الله عنهما: (إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث)، فقال: «لأن أقرأ البقرة في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ كما تقول».
ومما يعين على تدبر القرآن تحسين الصوت في قراءته، وقد أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها، وعن أبي هريرة: «ما أذن الله لشيء أي استمع ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به»[15].
وعنه: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»[16].
وكان أبو موسى الأشعري حسن الصوت بالقرآن فقال له النبي: «يا أبا موسى، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود»[17].
وعن البراء بن عازب قال: «سمعت النبي يقرأ: ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴾ [التين:1]، في العشاء، وما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه على أن هذا لا يعني التنطع في القراءة والتكلف فيها».
اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك. اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن في الدنيا والآخرة.
الحمد لله يقول الحق وهو يهدي السبيل، أحمده سبحانه وهو حسبنا ونعم الوكيل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا مثيل، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله جاء باليسر والرفق والتسهيل، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ذوي الهدى والتقى والتفضيل، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فلقد كان السلف ﭭ أكثر الناس تعظيمًا للقرآن وقيامًا بحقه، علمًا وعملًا، تلاوةً وتدبرًا، جاء عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل ويتفقدونها في النهار».
وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: «ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يختالون»
وقال عثمان بن عفان وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما: «لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله».
وعن الفضيل بن عياض قال: (حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، تعظيما لحق القرآن).
وقال عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: «لقد عشنا دهرا طويلا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتنزل السورة على محمد ﷺ فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، ثم لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين الفاتحة إلى خاتمته لا يدري ما آمره ولا زاجره وما ينبغي أن يقف عنده منه، ينثره نثر الدَّقَل!». الدقل: أي التمر الرديء.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «لا تهذُّوا القرآن هذ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة».
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «كنا نحفظ العشر آيات فلا ننتقل إلى ما بعدها حتى نعمل بهن» وروي عنه أنه حفظ سورة البقرة في تسع سنين.. و ليس ذلك للانشغال عن الحفظ أو رداءة الفهم، حاشاه رضي الله عنه ، ولكن بسبب التدقيق والتطبيق..
وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «إنّا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن وسهل علينا العمل به، وإنّ من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به».
وقال أيضًا رضي الله عنه: «إذا أردتم العلم فانثروا القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين».
عباد الله: لما ذكر الله تعالى في سورة الفرقان ما قاله النبي من الشكوى من ترك قومه للقرآن العظيم وهجره، فقال: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾ [الفرقان:30]، أي جعلوه متروكًا مقاطَعًا مرغوبًا عنه، ولا شك أن شكواه عليه الصلاة والسلام من هجره دليل على أن ذلك من أصعب الأمور وأبغضها لديه.
وقد ذكر أهل العلم أن هجر القرآن له درجات، ويدخل فيه صور مختلفة، فمنه هجر العمل به وهجر تلاوته، وهجر التحاكم إليه، وهجر التداوي به.
فلنحذر أن نكون من الهاجرين لكتاب الله المحرومين من فضائله وبركاته، ولنقبل على كتاب ربنا تلاوة وتعلمًا وحفظًا وعملًا، ففي ذلك كثير الخير وعظيم الأجر، وما أجمل أن يكون لكل واحد منا قدرًا من كتاب الله يقرؤه يوميًا، يتدبر آياته ويتعلم معانيه، ولو كان ذلك يسيرًا فإنه مع الديمومة كثير، فقد علمنا أن أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قلّ، وها هو العمر ينقضي والأيام تمضي والساعات تضيع، فأين أهل الله وخاصته وأين أهل القرآن، وأين من ينورون قلوبهم وبيوتهم وقبورهم بالقرآن، أين من يربون أولادهم بالقرآن ويعلمونهم القرآن، فإن القرآن صاحب لا يخيب، وصديق لا يخذل، هو نور في القلب والقبر وبين يدي الرب.. والحمد لله رب العالمين.
صاحب هذه الخطبة
الشيخ / عبد المجيد بن عبد العزيز الدهيشي