حجم الخط:

فضل الصدقة

الخطبة الأولى:

الحمد لله فاطر السماوات والأرض، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاءً أحوى. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله إلى جميع الثقلين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، أقام الله به الحجة، وأوضح به المحجة، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وخلفائه الأربعة، أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر أصحابه الأخيار، النجباء الأطهار.

أما بعد:

فاتقوا الله بامتثالِ أوامره واجتنابِ نواهيه، فذلك سعادةُ الدنيا والأخرى، والتفلُّتُ من التّقوى خسران عظيم ومآلٌ وخيم، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

عبادَ الله: إنَّ الأعمالَ الصالحةَ تتفاضَل عند الله بنفعِها لفاعلِها ولغيره، ويتضاعف ثوابُها بدوامِ منافعِها وعمومِها، والحسنات الجاريةُ والصّدَقات النافعة من الإحسانِ الذي هو أعلَى مراتِبِ الإسلام، فإنَّ الدينَ إسلامٌ وإيمان وإحسان.

والإحسان أن تعبدَ الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك ويدخل في مسمَّى الإحسان نفعُ الخلق بعمومِ المنافع ابتغاءَ وجهِ الله تعالى كما قال عز وجل: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٣﴾ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:133-134]، وكما قال تَعالى: ﴿ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195]، وكما قال عز وجل: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص:77]، وقال عز وجل: ﴿ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ ﴿١٤﴾ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى ﴿١٥﴾ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴿١٦﴾ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ﴿١٧﴾ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ ﴿١٨﴾ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَىٰ ﴿١٩﴾ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ ﴿٢٠﴾ وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ [الليل:14-21]، وقال سبحانه: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴿٨﴾ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [الإنسان:8-9].

عباد الله: إن الصّدَقاتِ فيها إحسانٌ إلى المتصدِّق نفسِه؛ لأنَّ الله يثيبه على الحسنةِ بعَشـر أمثالها إلى سَبعمائةِ ضعف إلى أضعافٍ كثيرة، قال الله تعالى: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الأنعام:160]، وعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: «إنَّ الله كتب الحسناتِ والسيّئات، فمن همَّ بحسنةٍ فلم يعمَلها كتَبَها الله عنده حسنةً كاملة، فإن همَّ بها فعمِلها كتبها الله عنده عشـرَ حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرة، فإن همَّ بسيّئةٍ فعمِلها كتبها الله عنده سيّئةً واحدة»[1].

والمتصدِّق يحسن إلى نفسِه لأنّه بالصّدقة يتَّصف بالرحمة التي هي من أكرمِ الصّفات، كما جاء عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسول اللهِ ﷺ: «لا تُنزَع الرّحمة إلا من شقيٍّ»[2]. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله ﷺ: «الرّاحمونَ يرحمهم الرّحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم مَن في السماء»[3]، وعن النّعمان بن بشيرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطفِهم مَثَل الجسَد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسَد بالسَّهر والحمَّى»[4].

والمتصدِّق يحسِن إلى نفسِه؛ لأنَّ الله يدفع بالصدقاتِ الشرور والمكروهات، ويجلِب بها الخيرَ والبرَكات، فعن أبي أمامةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء و الصدقة خفيا تطفيء غضب الرب، وصلة الرحم زيادة في العمر، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة»[5]، وعن معاذٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «والصّدقةُ تطفئ الخطيئةَ كما يطفِئ الماء النارَ»[6]، فأين من يريد أن يطفئ غضب الرب؟ أين من يريد أن يطفئ أثر خطيئته؟ بل أين من يريد أن يستظل في ظل صدقته في يوم شديدٍ حرُّه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «كلُّ امرئٍ في ظلِّ صدقتِه يوم القيامة حتى يُقضى بين الناس»[7]، ومن السبعة الذين يُظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه.

الصدقة نماء في المال وبركة في الحال والمآل، قال ﷺ: «ما نقصَت صدقة من مالٍ، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع عبدٌ لله إلاَّ رفعه الله»[8]، وتصديقُ ذلك في كتاب الله تعالى، قال عز وجل: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39].

والمتصدِّق أحقُّ بمالِه من وارثِه، فإنَّ النفع الحقيقيَّ للمال هو النفعُ الأخرويّ، وأما نفعُ المال الدنيويّ فينتهي بموتِ الإنسان، قال ﷺ: «يقول العبد: مالي مالي، وإنما لَه من مَالِهِ ثلاث: ما أكلَ فأفنى، أو لبِس فأبلى، أو تصدَّق فأمضى، وما سِوى ذلك فهو ذاهبٌ وتارِكُه للناس»[9]، وعن ابن مسعودٍ قال: قال رسول الله ﷺ: «أيّكم مالُ وارثِه أحبّ إليه من مالِه؟» قالوا: يا رسولَ الله، ما مِنّا أحدٌ إلاّ ماله أحبُّ إليه! قال: «فإنَّ مالَه ما قدَّم، ومالُ وارثِه ما أخَّر»[10].

وقد كان السّلَف Ȋ أحرَصَ الناس على المسارعةِ إلى كلِّ خير وإلى الإنفاق في كلِّ سبيل برٍّ، عن أنسٍ رضي الله عنه قال: كان أبو طلحةَ مِن أكثرِ الأنصارِ مَالًا، وكان أحَبّ ماله إليه بَيْرُحَاء، وهي نخلٌ فيها ماءٌ طيِّب كان يشرَب منه النبيّ وكانت قريبةً من مسجدِه عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ الله تعالى يقول: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بيرحاء، وإني قد تصدَّقتُ بها أرجو بِرَّها وذُخرَها، فاجعلها يا رسولَ الله حيث شئت، فقال النبيّ: «بخٍ بَخ، ذلك مالٌ رابح، ذلك مال رابح»[11].

جاء عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه قال: الصلاة عماد الإسلام، والجهاد سنام العمل، والصدقة شيء عجيب، والصدقة شيء عجيب، والصدقة شيء عجيب! وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «إن استطعت أن تجعل كنزك حيث لا يأكله السوس، ولا تناله اللصوص، فافعل؛ بالصدقة!».

ورأى الأحنف في يَد رجل درهما فقال: لمن هذا؟ قال: لي قَال: (ليسَ هو لك حتى تخرجه في أجر أو اكتساب شكر)، وتمثل بقول الشاعر:

أنت للمال إذا أمسكتَهُ

وإذا أنفقته فالمال لك

وقال محمد بن حبان: (كل من ساد في الجاهلية والإسلام حتى عُرف بالسؤدَد، وانقاد له قومه، لم يكن كمال سؤدده إلا بإطعام الطعام وإكرام الضيف).

وروى ابن الجوزي رحمه الله تعالى عن ابن أبي حازم عن أبيه قال: (أمست عائشة رضي الله عنها صائمةً وليسَ عندها إلا رغيفان، فجاء سائلٌ فأمرت له برغيف، ثم جاء آخر فأمرتْ له بالرغيف الآخر، فأبتْ مولاتها أنْ تدفعُه إليه فطرحته إليه عائشة من تحت الستر، فقالت لها مولاتها: انظري على ما تفطرين؟ فلما أمست عائشة إذا ضاربٌ يضرب الباب، فقالت: من هذا؟ قال: رسول آل فلان، قالت عائشة: إن كان مملوكًا فأدخليه، فدخل وإذا به يحمل شاة مشوية عليها خبز، فقالت لها عائشة: اعتدي كم ها هنا خبز هو خيرٌ من رغيفك، فلا والله ما كانوا أهدوا إليَّ قبلَها شيئًا).

وروي أن فقير طرق باب أحد العلماء ليلًا فسأل العالم امرأته فقالت: ليس عندنا إلا عشر بيضات قال: ادفعيهنَّ إليه فأعطتهن إياه إلا بيضةً واحدة، أبقتها لأولادها وبعد وقت طرق الباب رجلٌ وأعطى الشيخ صرةً بها تسعون دينارًا فسأل العالمُ امرأته عما أعطت الفقير؟ قالت: تسع بيضات فقال: وهذه تسعون دينارًا والحسنة بعشر أمثالها.

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه

لا يضيع العرف بين الله والناسِ

وأبوابُ الخير التي تَنفع المسلمين كَثيرة، وطرق البرِّ متعدِّدة، والصّدقاتُ إذا وقَعَت في مواقِعِها ونالَت مستحقِّيها فرَّج الله بها كَربَ المكروب، وسدَّ بها حاجةَ المحتاج، وأعان الله بها المساكين، وقضى الله بها المنافِعَ، ويسَّر الله بها المصالح، وتحقَّقَ بها التكافلُ الاجتماعيّ بين المسلمين، وشكر الله لصاحبها، وضاعف له ثوابها، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «ما تصدَّقَ أحدٌ بصدقةٍ من طيِّب ولا يقبَل الله إلا الطيِّب إلاَّ أخذها الرحمن بيمينِه وإن كانت تمرةً، فتربو في كفِّ الرحمن حتى تكون أعظَمَ من الجبل كما يربِّي أحدُكم فَلُوَّه أو فَصيلَه»[12].

قال يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: (ما أعرف حبة تزن جبال الدنيا إلا من الصدقة).

والوقفُ الذي تُجعَل غَلَّته للإحسان إلى المنقطعِين للعلم وللفقراءِ والمحتاجين وبناء المساجدِ والعناية بها أو بِناء المستشفياتِ والمدارِس، وإنشاءُ المكتَبَات التي تنشُرُ العلمَ، وحفرُ الآبار ومدُّ شَبكات الماء، وغير ذلك، كلُّ هذا ونحوه من أفضَلِ البرِّ عند الله ومن الصّدقَة الجاريةِ التي تنال صاحبَها في حياتِه وبعد مماتِه.

وما أكثَرَ سبلّ الخير، وما أيسَرَ الطاعات على من وفَّقه الله تعالى، والرّسولُ ﷺ يقول: «ابغوني الضّعفاء؛ فإنما تُرزَقون وتنصَرون بضعفائِكم»[13].

فاحرصوا رحمكم الله على الإحسانِ إلى أنفسِكم ولو باليسير من المالِ الذي منَّ به عليكم، وإلى الإحسانِ إلى أنواع المحتاجِين من الفقراءِ والأيتام والمعاقِين والشّباب الذين يسعَونَ للزّواج والمنقطِعِين لطلَبِ العلم وحلقات تعليم القرآن والمرضَى والمدينين والمُعسِـرين، والله تعالى يقول: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المزمل:20].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله ربِّ العالمين، الرّحمن الرحيم، مالك يومِ الدين، أحمد ربِّي سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفِره، وأشهد أن لا إلهَ إلاّ الله وحده لا شريك له القويّ المتين، وأشهد أن نبيّنا وسيّدنا محمّدا عبده ورسوله، بعثه الله بالهدَى واليقين، ﴿ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس:70]، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمّا بعد:

فاتّقوا الله أيّها المسلمون حقَّ التَقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعروةِ الوثقَى، واعلموا أن المجتمع الإسلامي نسيج مترابط، والمسلمون إخوة، وقد جاء الإسلام بالتكافل والتكامل بين أفراده، ف«المؤمِنُ للمؤمنِ كالبنيان يشدُّ بعضه بَعضًا»[14].

ولا يليق أبدًا بالعبد إذا أنفق أو أعطى أو أحسن؛ أن يعجب بنفسه ويغتر بعمله، لأن لله الفضل والمنة وحده، فهو الرازق، ثم هو الذي أنعم عليك بأن جعلك المعطي ولم يجعلك الآخذ المحتاج، وهو الذي فتح لك باب العطاء والصدقة، ولو أغنى جميع الناس؛ لأُغلق عنك هذا الباب من أبواب الخير.

كان الفضيل بن عيّاض يقول: (نِعم السائلون؛ يحملون أزوادنا إلى الآخرة بغير أجرة، حتى يضعوها في الميزان بين يدي الله تعال). وقال الإمام الشعبي: (من لم يرَ نفسه إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقته؛ فقد أبطل صدقته؛ وضرب بها وجهه). وكان سفيان الثوري رحمه الله تعالى ينشرح إذا رأى سائلًا على بابه، ويقول: (مرحبًا بمن جاء يغسل ذنوبي). بل يقول حكيم بن حزام رضي الله عنه: «ما أصبحتُ يومًا وليس ببابي صاحب حاجة، إلا علمت أنها من المصائب التي أسأل الله الأجر عليها».

فيا من يريد سعادة الدارين، ويا من اشتدت عليه الأمور، وشكى ضيق الرزق، وضنك العيش، وقاسى الهم والغم، وعانَى الحزن والقلق، عليك بالإحسان والصدقة والبذل، فإن «من نفَّس عن مؤمنٍ كربةً من كرَبِ الدنيا نفَّس الله عنه كربةً من كرَب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسرٍ يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستَر مسلمًا ستَره الله في الدنيا والآخرة، واللهُ في عونِ العبدِ ما كان العبد في عونِ أخِيه»[15]، «ومَن كان في حاجةِ أخيه كان الله في حاجتِه»[16].

يقول ابن القيم رحمه الله: (فإنَّ للصدقة تأثيرًا عجيبًا في دفع أنواع البلاء، ولو كانت من فاجر أو من ظالم بل من كافر فإن الله تعالى يدفعُ بها عنهُ أنواعًا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهلُ الأرض كلُّهم مقرُّون به لأنَّهم جرَّبوه).

ويقول ابن عثيمين رحمه الله تعالى: (فالإنسان إذا بذل الشيء ولا سيما المال يجد في نفسه انشراحًا، وهذا شيء مجرب.. لكن لا يستفيد منه إلا الذي يعطي بسخاء وطيب نفس، ويخرج المال من قلبه قبل أن يخرجه من يده، أما من أخرج المال من يده، لكنه في قرارة قلبه فلن ينتفع بهذا المال).

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في أسباب شرح الصدر: (ومنها الإحسانُ إلى الخلق ونفعُهم بما يمكنه من المال والجاه والنفع بالبدن وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسن أشرحُ الناس صدرًا، وأطيبهم نفسًا، وأنعمُهم قلبًا، والبخيل الذي ليس فيه إحسان، أضيقُ الناس صدرًا، وأنكدهم عيشًا، وأعظمُهم همًا وغمًا).

عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «دَاوُوا مَرضاكُمْ بِالصَّدقةِ»[17].

هذه امرأة أصيبت بفشل كُلوي - نسأل الله العافية والشفاء لمرضى المسلمين - عانت منه كثيرًا، ثم بحث أولادها عن مَنْ يتبرعُ لها بكُلْيَة، فوجدوا فتاة ستبيعها كليتها مقابل مبلغ جزيل من المال، وحضرت تلك المرأةُ إلى المستشفى، ووافقت على كافة الإجراءات، وتم إحضار المتبرعة لتبيت في المستشفى قبل اليوم المحدد لإجراء العملية وأخذ كليتها، وفي الليل سمعت المرأة المريضةً تلك الفتاة تبكي بكاءً شديدًا، فسألتها عمّا إذا كانت خائفة أو مُكرهةً على ما أقدمت عليه، فقالت لها: والله ما دفعني للتَّبرع بكليتي إلا فقري وحاجتي، فما كان من المرأة المريضة إلا أن دعت أولادها، وأخذت منهم المبلغ المتفق عليه، ثم أعطته تلك الفتاة، وقالت: هذا المال لكِ، اذهبي لشأنكِ ولا أريد منك شيئًا، وإن كان لي من شفاء وعافية فهي من الله وحده، تعجب أولادها من الموقف، لكنهم لم يجرؤوا على الوقوف أمام رغبة والدتهم، وبعد أيام جاؤوا بوالدتهم إلى المستشفى للكشف عليها كونها شعرت بتحسن، فلما تم الفحص تعجب الأطباء إذ لم يجدوا أثرًا للمرض، فقد شفاها الله تعالى بفضله وكرمه.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (بل ها هنا من الأدوية التي تشْفي من الأمراض ما لمْ يهتد إليها عقولُ أكابر الأطباء، ولم تصل إليها عُلومُهم وتجاربهم وأقيستهم من الأدوية القلبية والروحانية، كقوة القلب، واعتماده على الله تعالى، والتوكل عليه والالتجاء إليه، والانطراح والانكسار بين يديه، والتذلَّل له، والصدقة والدعاء، والتوبة والاستغفار، والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف، والتفريج عن المكروب، فإن هذه الأدوية قد جرَّبْتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء، ولا تجربته ولا قياسه، وقد جرَّبنا نحن وغيرنا من هذا أمورًا كثيرةً، ورأيناها تفعلُ ما لا تفعل الأدوية الحسية).

فالصدقة دواء وشفاء

والستر في البذل والسخاء:

ويُظهرُ عيبَ المرءِ في الناس بخلُه

ويَسترُه عنهم جميعًا سخاؤُه

تَغطَّ بأثوابِ السخاءِ فإنني أرى

كلَّ عيبٍ والسخاءُ غط اؤُه

ولا تحقرَنَّ أيها الكريم من المعروف شيئًا؛ فإنَّ الله تبارك وتعالى يقول: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7‑8]، ويقول تعالى: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16].

والصدقة متيسرة لكل أحد، المهم صحة النية وصدق العزيمة، فلا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو شربة ماء، بل من لم يجد بتاتًا فلا يبخل ولو بالابتسامة وأن يلقى الناس بوجه بشوش طليق، فالتبسُّم في وجوه الناس صدقة، وبكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وهذا من تيسير الله وفضله وكرمه على عباده.

وقد كان أبو مرثد رحمه الله تعالى لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشـيء، ولو كعكة أو بصلة.

وسئل ابن عباس رضي الله عنهما: أي الصدقة أفضل؟ قال: «الماء، ألم تروا إلى أهل النار حين استغاثوا بأهل الجنة قالوا: أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْـمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ؟» قال القرطبي في تفسير الآية السابقة: (في هذه الآية دليل على أن سقي الماء من أفضل الأعمال. قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء). وقال بعض أهل العلم: إذا كان الله قد غفر لمن سقى كلبًا على شدة ظمئه، فكيف بمن سقى العطاش، وأشبع الجياع، وكسا العُراة من المسلمين؟

سأل رجل عبد الله ابن المبارك قائلا: يا أبا عبد الرحمن! قرحةٌ خرجت في ركبتي منذ سبع سنين، وقد عالجت بأنواع العلاج وسألت الأطباء فلم أنتفع به، فقال: (اذهب فانظر موضعًا يحتاج فيه الناس إلى الماء، فاحفر هناك بئرا فإني أرجو أن تنبع هناك عين ويمسك عنك الدم)، ففعل الرجل فشُفي بإذن الله.

وإن أفضل الصدقة ما كان على ذي رحم، فإنها صدقة وصلة، قال علي رضي الله عنه: «من آتاه الله منكم مالًا فليصل به القرابة، وليحسن فيه الضيافة، وليفك به العاني الأسير وابن السبيل والمساكين والفقراء والمجاهدين، وليصبر فيه على النائبة؛ فإن بهذه الخصال ينال كرم الدنيا وشرف الآخرة».

وليحرص العبد على أن يبقى له أثر طيب بعد مماته، يقول ﷺ: «إذا ماتَ ابن آدمَ انقطع عمَله إلاّ من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفَع به، أو وَلدٍ صالح يدعو له» رواه مسلم.

ويقول عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج:77].

عبادَ الله: إنَّ الله أمرَكم بأمرٍ بدأ فيه بنفسِه فقال عزّ من قائل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وقد قال: «مَن صلّى عليَّ صلاةً واحدة صلَّى الله عليه بها عشـرًا». فصلّوا وسلِّموا على إمام المرسَلين، وسيّد الأوّلين والآخرين.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة