إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونتوب إليه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، الملك العزيز الجبار، الذي قضـى بزوال هذه الدار، وهدم بالموت مشيد الأعمار، وجعل في تعاقب الليل والنهار عبرة لأولي الأبصار، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، المصطفى المختار، القدوة المثلى في العمل لحسن الخاتمة وعدم الركون إلى هذه الدار، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الأطهار، وصحبه الأبرار، وتابعيه الأخيار، إلى يوم البعث لدر القرار.
أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فتقوى الله أكرم زاد، وأوثق عماد، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة:119].
يقول الله سبحانه في كتابه العزيز: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة:36].
أيها الإخوة: أنتم في شهر الله المحرم أحد الأشهر الأربعة الحرم التي فضلها الله تعالى على غيرها من الشهور، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، حرمها الله سبحانه وأمر بالابتعاد فيها عن الظلم، فخص هذه الأربعة بقوله: ﴿ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [التوبة:36]، قال ابن عباس: «لا تظلموا أنفسكم في الشهور كلها، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر، فجعلهن حرامًا وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم»، وقال قتادة: (إن الظلم في الأشهر الحُرُم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن اللّه يعظم من أمره ما يشاء).
وقد كانت العرب في الجاهلية تُجلُّ هذه الأشهر وتحرِّم فيها القتال، ولكنهم كانوا أيضا يُغيِّرون ويبدلون هذه الأشهر كما يحلو لهم، فإذا احتاجوا أن يغزوا قوما أو يحاربوهم بدلوا الشهر الحرام بغيره، وهو ما يسمى عندهم بالنسيء أي: التأجيل، يقول شاعرهم:
| ألسنا الناسئين على معَدٍّ شهور |
| الحل نجعلها حراما؟! |
فجاء الإسلام، وذم الله سبحانه في كتابه هذا الأمر فقال عز وجل: ﴿ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [التوبة:37]، ثم لم يمت رسول الله حتى عادت دورة الزمان إلى وضعها الطبيعي، وعادت الأشهر التي بدلها المشركون إلى موضعها الصحيح، فعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَـرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَـرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ»[1].
وهذا الشهر المحرم فيه من الفضائل ما ليس في غيره ومن ذلك فضل الصيام فيه، فصيامه هو أفضل الصيام بعد رمضان، كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»[2] ومن خصائص هذا الشهر أن فيه فضيلة صيام عاشوراء وهو العاشر من محرم ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية وكان النبي يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما نزلت فريضة شهر رمضان كان رمضان هو الذي يصومه فترك يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء أفطره»[3]. واعلموا يا عباد الله أن شهركم هذا شهر نصر وعز لنبي الله موسى وقومه على فرعون الطاغية المتجبر رغم كثرة عددهم وعُددهم، وخيلائهم وجلدهم، فإن الله ينصر أولياءه الداعين إليه ولا يخذلهم ويجيب رجاءهم قال تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ [غافر:51]. وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرًا فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ: فنحن أحق وأولى بموسى منكم فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصيامه»[4] وعن سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ في يوم عاشوراء: «أمر رجلًا من أسلم أن أذن في الناس من أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم فإن اليوم يوم عاشوراء»[5] وعن أبي قتادة أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن صيام عاشوراء فقال: «احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله»[6]. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع مع العاشر يعني عاشوراء»[7]، مخالفة لليهود، فاجتهد أيها المسلم في صيام التاسع مع العاشر وإن لم تفعل فصم العاشر في هذا الشهر الحرام واجتهد فيه بصيام غير عاشوراء كالاثنين والخميس وأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشـر وتزود من الخيرات لتقدم لنفسك زادًا تجده غدًا أمامك والله يقول: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة:7]
| تزود من الدنيا فإنك لا تدري |
| إذا جنّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجر |
| فكم من فتى يمسـي ويصبح لاهيًا |
| وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري |
| وكم ساكن عند الصباح بقصـره |
| وعند المسا قد كان من ساكني القبر |
فتفطّن أيها المسلم في هذا الشهر وأنت تصلي وتصوم لله وتسارع في الخيرات صائمًا مخلصًا تفطن أنك منصور وأن الله راض عنك يحفظك ويؤيدك واستشعر عندما تكون في طاعة ربك فإن الله يحبك وسيجزيك أحسن الجزاء لأن الله لا يوفق لطاعته إلا من يحب ولا يهدي إليه إلا من ينيب، فكم حرم من الخلق من حرم من نعمة الطاعة والعبادة، وأنت فرض الله عليك بتوفيقه فوهبك هذا الخير من العبادات التي أنت فيها وتأتي إليها مسرعًا حريصًا على مرضاة ربك، فافرح بهذا الخير واحرص عليه ولا تتهاون فيه، وخف عليه من الحبوط والرد والنقصان وخف من سوء الخاتمة واحرص على حسن الختام فإن الأعمال بالخواتيم.
قال رسول الله ﷺ: «فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها»[8]، وقال تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء:47].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه واتباع سنة نبيه، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله، يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، وصلاة وسلاما على عبدك ورسولك محمد الداعي إلى رضوانك، وعلى آله وصحبه الذين أنعمت عليهم بفضلك وإحسانك.
أما بعد:
إخوة الإيمان: لقد فضّل الله سبحانه في هذه الدنيا بعض الأيام، فبارك فيها وجعل أجر الأعمال الصالحة فيها مضاعفا؛ لكي نتخذها وسيلة إلى مضاعفة الثواب ووسيلة إلى الجنة، وأمرنا سبحانه بالمسارعة والمسابقة إلى مغفرته وجنته، يقول سبحانه: ﴿ سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الحديد:21]، فلا شك أن العبد المؤمن يسعى إلى الخير والنور، ويحب أن يرضي الله سبحانه في أفعاله وأقواله، وأن يطيعه في الأمور التي رغب في فعلها أو الأمور التي حذر من فعلها.
عباد الله: إن من رحمة الله أن جعل الحساب الشرعي العربي مبنيًا على الشهور الهلالية؛ لأن لها علامة حسية يفهمها الخاص والعام وهي رؤية الهلال في المغرب بعد غروب الشمس فمتى رؤي الهلال فقد دخل الشهر المستقبل وانتهى الشهر الماضي، فابتداء التوقيت اليومي من غروب الشمس لا من زوالها، فأول الشهر يدخل بغروب الشمس.
ولقد كان ابتداء التاريخ الإسلامي منذ عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث جمع الناس سنة ست عشرة أو سبع عشرة من الهجرة، فاستشارهم من أين يبدأ التاريخ، فقال بعضهم: «يبدأ من مولد النبي. وقال بعضهم: يبدأ من بعثته. وقيل: يبدأ من هجرته. وقيل: من وفاته». ولكنه رضي الله عنه رجح أن يبدأ من الهجرة؛ لأن الله فرق بها بين الحق والباطل، فجعلوا مبتدأ تاريخ السنين في الإسلام سنة الهجرة لأنها هي التي كان فيها قيام كيان مستقل للمسلمين وفيها تكوين أول بلد إسلامي يحكمه المسلمون، ثم شاور عمر الصحابة من أي شهر يبدؤون السنة فقال بعضهم: «من ربيع الأول لأنه الشهر الذي قدم فيه النبي مهاجرًا إلى المدينة وقال بعضهم: من رمضان»، واتفق رأي عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم على ترجيح البداءة بالمحرم لأنه شهر حرام ويلي ذي الحجة ويلي الشهر الذي بايع فيه النبي الأنصار على الهجرة، فكان أولى الشهور بالأولوية شهر المحرم.
عباد الله: إن علينا أن نشكر الله على ما يسره لنا من هذا الحساب البسيط الميسر في معرفة التاريخ اليومي الذي يبدأ من الهجرة (هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة) ومن هنا ينبغي علينا جميعًا فرادى وأمة مسلمة أن نعتز بديننا وتاريخنا، وأن نكون أمة متميزة بأخلاقها ورأيها ومعاملاتها تميزًا عن سائر الأمم، لنكون أمة عدل وخير وأمة صدق مع الله في كل تصـرفاتنا، ليحصل لنا صلاح أحوالنا مع أنفسنا، فنعيش الرضى والطمأنينة والسكينة وانشراح الصدر، وقرة العين بالإيمان الصادق، ويحصل لنا صلاح أحوالنا مع الناس جميعًا، لأن من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن توكل على الله كفاه، ويحصل لنا النصـر على أعدائنا، فتعيش الأمة حياة العزة والإباء، ويتحقق قول الله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران:110]، فإن الخيرية والرفعة والسؤدد والتوفيق من الله إنما تحصل بالإيمان الصادق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، فجددوا أيها الإخوة إيمانكم، وتوبوا إلى ربكم وصلوا قلوبكم فيه تفوزوا بجنته ورضوانه في الدنيا والآخرة، فإن الله يحب المستجيبين لأمره، وينصرهم ويرحمهم، ويشرح صدورهم، ويقوي قلوبهم بالتوكل عليه، قال تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ﴿٣٤﴾ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [الحج:34-35].
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /عبد الله بن فهد السلوم