إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله ربكم، الذي شرع لكم مواسم الخير، وفتح لكم أبواب الخيرات، وأجزل عليها المثوبات، ويسر للعبد فعلها، وجعل له عليها أعوانا يشدون من أزره، فما أكرمه من إلهٍ عليٍّ قدير.
معاشر المسلمين: نحن في شهر شعبان، وهذا الشهر له أحكام وفيه فضائل، لا يقوم بها إلا من علمها ووفق لذلك، ولنعرض شيئا من ذلك.
فضل الصيام في شعبان
شهر شعبان شهر يغفل الناس فيه عن العبادة، فهو بين رجب ورمضان، وأقرب موسم خير مر قبله هو صيام يوم عاشورا، فالناس في بعد عن مواسم الخير، ولهذا نبه النبي ﷺ عن فضل صيام شهر شعبان بقوله وفعله من حديث أسامة بن زيد يقول ﷺ عن شعبان: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم»[1].
ولهذا كان يصوم عليه الصلاة والسلام في شعبان كما أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة قالت: «لم أرَه أكثر صيامًا في شهر قطُّ من صيامه في شعبان؛ كان يصوم شعبانَ كلَّه.. كان يصوم شعبان إلا قليلا»[2].
ويقول أنس: «وكان أحبُ الصوم إليه في شعبان»[3].
فصيام شعبان قبل رمضان؛ كالسنّة الراتبة القبلية والست من شوال كالسنّة الراتبة البعدية.
فينبغي للعبد أن يستغل هذا الشهر بالصيام، وأن لا يفوت الأيام الفاضلة فيه، كصيام الاثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر.
حكم الصيام بعد النصف من شعبان
عباد الله: يتساءل البعض عن الصوم في النصف الثاني من شعبان هل يجوز أم لا؟
وقد ورد في ذلك حديث أبي هريرة: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يكون رمضان»[4].
فيجاب عنه أنه قد أنكر هذا الحديث الإمام أحمد وابن مهدي وابن معين وابن المديني وأبي زرعة والأثرم وعدُّوه من الأحاديث المنكرة، بل قال أحمد: (لم يرو العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أنكر من هذا الحديث)، وقال الأثرم: (الأحاديث كلها تخالف)، وقال ابن رجب: (أكثر العلماء على أنه لا يعمل بهذا الحديث).
وقد ذكر بعض أهل العلم كالحافظ ابن حجر وغيره، وكذا من المعاصرين ابن باز رحم الله الجميع: (أنه إنما يُنهى عن ذلك من يبتدئ الصوم في النصف الثاني من شعبان، كما لو كان من باب استقبال رمضان أو نحوه، أما من كان له صوم فليصمه، وكذا من أراد الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام في صيام أكثر شعبان).
فلا بأس على المسلم أن يصوم في النصف الثاني من شعبان ولو لم يكن قد صام في النصف الأول، غير أنه لا يجوز له أن يصوم آخر يومين من شعبان إلا لمن كانت له عادة؛ لما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة قال: قال ﷺ: «لا تقدَّموا رمضان بيوم أو يومين إلا من كان يصوم صومًا فليصم»[5].
وللنهي عن تقدم صوم رمضان بصوم يوم أو يومين عدة حكم منها: الاحتياط لرمضان لئلا يزاد فيه ما ليس منه، ومنها الفصل بين صيام الفرض والنفل؛ لأن جنس الفصل بين النوافل والفرائض مشروع، ومنها التقوي على صيام رمضان فإن مواصلة الصوم قد تضعف عن صيام الفرض[6].
الأعمال الصالحة في شهر شعبان
ومن الأعمال الفاضلة في شعبان، قراءة القرآن، فإن في ذلك استعداد لرمضان وتهيئة للنفوس وتأهيل لها، لتدخل رمضان على نشاط وأُهبة، ثم هو للحفاظ محطة مراجعة ليتمكنوا في رمضان من كثرة التلاوة والصلاة بالليل من حفظهم عن ظهر قلب، وهذا أمر مجرب.
قال أنس: «كان المسلمون إذا دخل شعبان أكبوا على المصاحف فقرؤوها وأخرجوا زكاة أموالهم تقوية لضعيفهم على الصوم». وقال سلمة بن كهيل: (كان يقال شهر شعبان شهر القُرّاء).
وكان قيس بن عمر الملائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وأكب على قراءة القرآن.
وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: (هذا شهر القراء)[7].
فالله الله بقراءة القرآن، فهو كلام الله وبه تحيى القلوب وتستنير العقول وتمتلئ الخزائن.
اللهم بلغنا رمضان وارزقنا فيه صالح الأعمال والأقوال.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين.
الاستعداد لرمضان وفضل العبادة زمن الغفلة
أما بعد:
فيا أيها الناس: ها قد اقتربت أوقات الرحمة والمغفرة والعتق من النار، أفلا يجدر بنا أن نستعد لها.
إن شهر شعبان شهر تكثر فيه الغفلة، وذلك لبعده عن مواسم الخيرات، فيكون الذي يعبد الله في زمن الغفلة هذا أعظم أجرًا، ومما يشبه هذا أنه كان بعض السلف يستحبون إحياء ما بين العشاءين بالصلاة ويقولون هي ساعة غفلة، أي: يغفل عنها الناس.
وفي إحياء الوقت المغفول عنه فوائد: منها أنه يكون أخفى وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل.
ومنها: أنه أشق على النفوس لقلة الموافقين، ومنها: أن المنفرد بالطاعة عن أهل المعاصي والغفلة قد يدفع البلاء عن الناس فكأنه يحميهم ويدفع عنهم.
وهكذا -أيها الإخوة- يكون العابد المجد في هذا الشهر قد حاز فضيلتين: حسن الاستعداد لرمضان، والذكر زمن الغفلة. فهل من مشمر لطاعة الله؟ هل من مبادر إلى الصالحات يا عباد الله؟
حكم ليلة النصف من شعبان
عباد الله: يعتقد البعض أن ليلة النصف من شعبان ويومها له مزية من بين الليالي والأيام، حتى إن بعضهم فضّلها على ليلة القدر، وأقول إن كل ما يروى في فضلها لا يصح عن النبي ﷺ، وأصح ما ورد فيها ما أخرجه ابن ماجة وابن أبي عاصم واللالكائي[8] من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن». واختلف في تصحيحه، وعلى القول بصحته فلا يدل على تخصيص الليل بالقيام والنهار بالصوم، بل فيه فضل التوحيد وسلامة الصدر. أما صوم يوم النصف من شعبان مفردًا باعتبار أن له فضيلة معينة، فلا أصل له، بل الحديث الوارد في ذلك موضوع.
وأما إحياء ليلة النصف من شعبان بالعبادة فلم يثبت في قيام ليلة النصف من شعبان شيء عن النبي ȁ ولا عن أصحابه -رضوان الله عليهم-، ومن ثم اختلف أهل العلم أيضًا في مشروعية إحياء هذه الليلة بعبادة معينة كقيام ونحوه، والصحيح من أقوالهم أنه لا يشـرع إحياء هذه الليلة بأي نوع من أنواع العبادة، سواء أكان إحياؤها جماعة أو فرادى، وهو قول أكثر علماء أهل الحجاز منهم: عطاء وابن أبي مليكة، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، ونسبه ابن حجر الهيتمي إلى الشافعية، وهذا اختيار ابن باز وابن عثيمين - ↓ تعالى.
وجاء في كتاب [الحوادث والبدع لأبي بكر الطرطوشي (ص263-264)] وكتاب [الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة (ص125)] أن ابن وضاح روى عن زيد بن أسلم قال: (ما أدركنا أحدا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول، ولا يرون لها فضلا على ما سواها).
وختامًا: ينبغي لمن أراد إدراك فضيلة هذه الليلة أن يحقق التوحيد الخالص، وينأى بنفسه عن الشرك وذرائعه، ويصفح عما بينه وبين أخيه من عداوة وشحناء، حتى تشمله رحمة الله جل وعلا ومغفرته، وهذا غاية ما تفيده جملة الأحاديث الواردة في هذا الباب -إذا صحّت-، أما إحداث البدع فيها والتي ما أنزل الله بها من سلطان، فإن أهلها على خطر عظيم حتى يقلعوا عن بدعتهم.
كيف نستعد لرمضان عبر بوابة شعبان؟
أيها المؤمنون: إن شهر شعبان مقدمة وقنطرة إلى رمضان، فليكن شعبانكم هذا مختلف عما مضى، من أجل أن يختلف رمضانكم عما مضى من رمضانات، أليس من الغبن أن لا ينتبه أحدنا إلا وقد قيل له: غدًا رمضان، فإذا به لم يتأهب للطاعات والتلاوات والأذكار والصلوات، بل تتكاثر عليه الشواغل والأعباء، فلا يزال ينشغل يومًا بعد يوم في رمضان، إضافة إلى ما يُقضـى من الأوقات في النوم واللهو، حتى يخرج شهره ولم يقض منه وطره، ولا شك أن من أهم أسباب ذلك عدم أخذ الأُهبة من شعبان.
فمن كانت له أعمال في رمضان فليخففها على نفسه من الآن، ومن كان يريد شراء حاجيات، فليجهز نفسه في شعبان إن استطاع، ومن أراد شراء شيء للعيد فلا يترك ذلك لرمضان والعشر الأواخر، بل يحاول تفريغ نفسه من الآن لشهر الصيام والقرآن والغفران..
عباد الله: تأهبوا بصادق النيات، واستعدوا بالأعمال الصالحات، واسألوا الله أن يبلغكم شهر الصوم والقيام والقرآن، فمن بلغه منا جاءه مستعدًا متأهبًا، ومن لم يبلغه فإن نية المؤمن أبلغ من عمله، نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
هذا وصلوا وسلموا على خير البرية وأزكى البشرية...