حجم الخط:

فضل عشر ذي الحجة

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جَلَّ عن الشبيه والمثيل والكفء والنظير.

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيُّهُ وخليلُه، وخيرتُه من خَلقِه، وأمينه على وحيه، أرسله ربُّهُ رحمةً للعالمين، وحُجَّةً على العباد أجمعين، فهدى الله تعالى به من الضلالة، وبصَّر به من الجهالة، وكثَّر به بعد القِلَّة، وأغنى به بعد العَيْلة، ولمَّ به بعد الشتات، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغُرِّ الميامين، ما اتصلت عينٌ بنظَر، ووعت أذن بخبر، وسلّم تسليما كثيرا.

أما بعد:

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فتقوى الله أكرم زاد، وأوثق عماد، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119].

أيها الإخوة الكرام: الحمد لله القائل لما ذكر جل وعلا خلقه في عباده قال سبحانه وتعالى عن تفضيله بين الناس في الخلق وتفضيله بعض الأيام على بعض، وتفضيله بعض الأشهر على بعض، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:68].

فقد خلق الله تعالى الملائكة فاختار منهم جبريل ليكون أفضلهم، وخلق الله تعالى البشـر فاختار الأنبياء ليكونوا أفضلهم، واختار الله تعالى الشهور فاختار منها رمضان ليكون هو أفضلها، وخلق الله تعالى الأيام فجعل هذا اليوم وما بعده مِنْ أيامٍ هي أفضلها؛ فعن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي قال: «ما من أيامٍ أفضلُ عندَ اللهِ من أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ»[1]. وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الذي رواه البخاري ومسلم، قال النبي : «ما مِن أيامٍ العملُ الصالحُ فيهنَّ أحبّ إلى تعالى من عشر ذي الحجة»، العمل الصالح عموما، من ذكر لله تعالى، أو صدقة على الفقراء والمساكين، أو بِرٍّ للوالدين، أو صلةٍ للأرحام، أو صلاةٍ، أو صيامٍ، أو قيامٍ، أو جهادٍ، إلى غير ذلك من أنواعه. قال: «ما من أيامٍ العملُ الصالح فيهنّ أحب إلى تعالى من عشر ذي الحجة»، قال الصحابة: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟.

وقد كان متقررا عندهم، أن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، وأنه ما تقرب عبد إلى الله تعالى بعد تلفظه بالشهادتين بأفضل من أن يتقرب إلى الله تعالى بتقديم روحه في سبيل الله، فقالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ فهم كانوا يسمعون الأحاديث والآيات في فضل الجهاد، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله»، يعني أن العمل الصالح في هذه الأيام لا يعدله حتى لو خرج إنسان مجاهدا، فأيام ذلك المجاهد هي أقلُّ أجرًا، وهي أنزل فضلا من المتعبد في هذه العشر.

ثم اشترط النبي شرطًا، واستثنى حالة معينة، فقال: «إلا رجل خرج بنفسه وماله»، خرج بنفسه، وأخذ ماله، خرج بنفسه وماله، «ثم لم يرجع من ذلك بشيء»[2].

أي: إلا رجل بذَلَ نفسَهُ وبذَلَ ماله لله عز وجل، وقلةٌ من المجاهدين مَن يأخذ أمواله معه، فإنهم في الغالب يخرجون بأجسادهم للجهاد في سبيل الله، وهناك من يتولى نفقتهم، أو أنهم ربما تركوا أموالهم وأخذوا بعضها نفقة، فقال عليه الصلاة والسلام: لا يفضل المجاهد الخارج في سبيل الله في عمله، عمل الذي هو قاعدٌ لكنه يتعبد في العشر، إلا إذا خرج المجاهد بنفسه واستشهد وخرج بماله كله في سبيل الله!

وروى الترمذي عنه عليه الصلاة والسلام: «ما مِن أيَّامٍ العمَلُ الصَّالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ مِن هذهِ الأيَّامِ العَشر» فقالوا يا رسولَ اللهِ ولا الجِهادُ في سبيلِ اللهِ؟ فقالَ رسولُ اللهِ «ولا الجِهادُ في سبيلِ اللهِ إلَّا رجلٌ خرجَ بنفسِهِ ومالِهِ فلم يرجِعْ من ذلِكَ بشيءٍ»[3]

وفي صحيح الترغيب: قال عليه الصلاة والسلام: «ما من عملٍ أزكى عند اللهِ ولا أعظمَ أجرًا من خيرٍ يعملُه في عَشرِ الأَضحى». قيل: ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ قال: «ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ، إلا رجلٌ خرج بنفسِه وماله فلم يرجِعْ من ذلك بشيءٍ». قال: فكان سعيدُ بن جُبَيرٍ إذا دخل أيامُ العشرِ اجتهد اجتهادًا شديدًا، حتى ما يكادُ يقدرُ عليه[4]

أيها المسلمون: دل هذا على أن فضل هذه العشر هو أفضل من التعبد في أيام رمضان، لا في لياليه، فإن ليالي رمضان أفضل من ليالي العشر، لكن أيام العشر، ما بعد صلاة الفجر إلى المغرب هي أفضل من أيام رمضان، بل هي أفضل من جميع أيام العام؛ لما تقدم في حديث جابر رضي الله تعالى عنه.

قال الإمام ابن حجر رحمه الله لما تكلم في فقه حديث ابن عباس: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من العشـر»، قال الإمام ابن حجر: (وذلك لاجتماع رؤوس العبادات، أو قال أمهات العبادات في هذه العشر، فإنه يجتمع فيها الصدقة، ويجتمع فيها الصلاة، ويجتمع فيها الحج، ويجتمع فيها الصوم، أي: التطوع، وهذه الأربعة يستطيع أن يعملها الإنسان خلال هذه العشر؛ أما في رمضان فإنه يستطيع أن يعمل الصلاة، والزكاة، والصيام، لكنه لا يستطيع أن يحج).

وكذلك قُل غير ذلك في غيره من الأيام التي لها فضل، أما في هذه العشـر فإن الله جل وعلا فضَّلَها فجعلها سبحانه وتعالى عشرا ولم يجعلها خمسا، فلو كانت تنتهي في الخامس من ذي الحجة فكان ليس فيها حج، لكنه لما مدّها ربنا جل وعلا وضمّنها يوم عرفة، وهو اليوم العظيم الذي ينظر إلى عباده وهم ما بين متعبد وداعٍ وباكٍ ومنكسـر في أرض عرفات، فيباهي ملائكته بهم.

فدخول يوم عرفة في هذه العشر زاد من فضلها، ثم دخول يوم النحر، يوم الحج الأكبر الذي أكمل الله تعالى فيه الدين، وأنزل الشريعة، وأتم فيه النعمة.

ولقد بيَّن النبي ȁ فضل العشر الأوائل من ذي الحجة، وحث على اغتنامها، فحري بالمسلم إذا سمع من نبينا عليه الصلاة والسلام الكلام عن فضل شيء من الأعمال أن يُرى ذلك في عمله، وألا تكون المسألة عندنا فقط معلومات نجمعها دون أن يكون لها تأثير في حياتنا.

ما هو تأثير قول النبي عليه الصلاة والسلام لما مدحها فقال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر»؟ كيف يؤثر فيك هذا الكلام؟ هل يدفعك فعلا إلى أن تصلي الضحى في هذه الأيام العشر، وتقول: ما دام أن صلاة الضحى في هذه العشـر أفضل من صلاة الضحى في غيرها، إذًا فسأكثر فيها من صلاة الضحى وأداوم عليها.

ما تأثيرها عليك في قراءة القرآن؟ بعضنا ربما ختم القرآن في رمضان، ثم مَرَّ عليه الآن أكثر من شهرين وهو لم يختم القرآن مرة أخرى، ما تأثير الحديث الذي مدح هذه العشـر عليك؟ هل دفعك إلى أن تختم القرآن خلال هذه العشر بإذن الله، فأقرأ في كل يوم ثلاثة أجزاء تستغرق أكثر من ساعة لتختم القرآن في هذه العشر؛ لأن قراءة القرآن أفضل وأعظم أجرًا من غيرها، هل يؤثر فيك هذا الحديث فعلا فيدفعك إلى أن تكثر من قراءة القرآن فيها؟ ما دام أنك تمسك المصحف وأنت تعلم أن الله يراك فتقول في نفسك: ما دام أن ربي يحب مني قراءة القرآن الآن في هذه العشر أكثر مما يحبه في غيرها، أكثر منها.

هل يدفعك هذا الحديث إلى الصدقة إلى البذل من مالِك؟ فتتفقد المساكين والمحتاجين، والأقارب والأرحام المعوزين، والجيران القريبين؟ تسأل عن أحوالهم، وتجود بما تستطيع ولو بالقليل، وتقول في نفسك: يا ربي، لما سمعت نبيك يقول: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر»، يا ربي، أنا أُسرع لأعمل بمحبوباتك ما دام أنك تحب الصدقة في هذه العشر أكثر من محبتك لها في غيرها، فانظر إليَّ الآن وأنا أتصدق تقربا إليك يا ربي.

وأفضل الصدقة كما بيَّن النبي ȁ الصدقة على ذي الرحم الكاشح، يعني على ذي الرحم الذي ربما يعاملك معاملة سيئة، ومع ذلك أنت تحسن إليه وتتصدق عليه، ربما يكون عندك أخ يعاملك معاملة جافة أو أخت أو عمة أو خالة أو ربما كان أبا أو أما أيضا، كل مَن كان ذا رحم عندك فالسنّة أن تقدمه في الصدقة على غيره، فإن كان رحمًا كاشحًا ربما يعاملك معاملة جافة وأنت مع ذلك تحسن إليه فهذا أفضل الصدقة، لأن في ذلك ترفُّعًا عن حظوظ النفس والإخلاص فيه أجدر.

عن ميمونةَ، زوجِ النَّبيِّ قالَ: كانت لي جاريةٌ فأعتقتُها، فدخلَ عليَّ النَّبيُّ ، فأخبرتُهُ، فقالَ: «آجرَكِ اللهُ، أما إنَّكِ لو كنتِ أعطيتِها أخوالَكِ كانَ أعظَمَ لأجرِكِ»[5] فالعتق له فضل عظيم، لكن إعطاءها خادمتها لأخوالها أعظم أجرًا؛ لأنهم فقراء ويحتاجون إلى من يساعدهم في البيت، فجعل عليه الصلاة والسلام الإحسان إلى ذي الرحم والصدقة عليه والهبة له أفضل عند الله تعالى من العتق، مع ما في العتق من الأجر العظيم.

وما أجمل أن يعوِّد الإنسان نفسه أنه إذا رأى مسكينا في الطريق أو محتاجًا بادية عليه الحاجة فيحسن إليه، ويعوِّد أولاده على ذلك، يعطي ولده مبلغًا صغيرا من المال ويقول: اعط هذا يا ولدي، ليعتاد على البذل والكرم وفعل الخير.

والصدقة -أيها الأحبة- ينتفع بها المرء في حياته قبل مماته، وكم من مشكلة وقعت فيها يسر الله حلها بسبب صدقة تصدقت بها يوما! وكم من مصيبة نزلت بك فخففها الله عنك أو رفعها بسبب صدقة تصدقت بها! وكم من ظلمٍ كان سيقع عليك ثم رده الله تعالى عنك بسبب صدقة تصدقت بها! وكم من إنسان كان في كروبات فلما تعرف إلى الله تعالى برحمته لعباده أنزل الله تعالى عليه رحمته.

ونحن نحتاج أن نتعرف إلى الله ببعض الأعمال، حتى إذا وقعت في كربة كذا قلت: اللهم اكشف عني هذه الكُربة بعملي ذاك الذي قدمته بين يديك، (تعرَّفْ إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة).

أيضًا: أكثِر من قراءة القرآن، ف «مَن قرأ حرفًا من كتاب الله كان له به حسنة، لا أقول: (لم) حرف، ولكن (ألف) حرفٌ، و(لامٌ) حرف، و(ميمٌ) حرف»، والحسنة بعشر أمثالها، أكثر من تلاوة القرآن، ورَبِّ أولادك على ذلك حتى لو جعلت لهم جوائز فهذا أمر حسن لترغيبهم وتشجيعهم، المهم أن يشعروا بأن هذه الأيام هي أفضل في القربة إلى الله تعالى من غيرها.

أيها الحبيب: أكثر من نوافل الصلاة أيضًا، قل: يا رب، ما دمت تحب صلاة النافلة والرواتب والضحى في هذه العشر أكثر مما تحبها في غيرها، فسأقطع عملي وأقوم وأتوضأ وأستقبل القبلة تقربا إليك بما أنت له أشد حبًا، فاقبلني واقبل مني، وأعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

اللهم ربي فعامِلْنِي بالحسنى، فوفقني لما تحب وترضى، وأكرمني بما أحب من الخير، وفقني لما تحب، لتكافئني بما أحب، فأنا أحب صلاح ولدي فأصلِحْ ولدي يا رب، يا رب أنا أحب البركة في مالي فبارك لي في مالي يا رب، يا رب أنا أحب سلامة جسدي من المرض يا رب فاصنع إلي ما أحب كما صنعتُ إليك ما تحب، وأنت إلى البر والكرم أسبق؛ فإن الله جل وعلا يعامل العبد بمثل ما يعامله العبد به وأكثر، قال الله جل وعلا: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152]، فمن أراد أن يذكره الله تعالى في السموات فليذكر الله تعالى في الأرض، وهكذا يكون العكس، كما قال الله جل وعلا عن قوم: ﴿ نَسُوا اللَّهَ [التوبة:67]، فلما نسوا الله، كيف عاملهم الله؟ ﴿ فَنَسِيَهُمْ ، نسوا الله فلا يتصدقون ولا يذكرون ولا يتقربون، نسوا أن يتقربوا إلى الله، إنما ذكروا أنفسهم، ذكروا شهواتهم، ذكروا دنياهم، لكنهم نسوا الله فهنا يكون جزاؤهم كما يقول الله جل وعلا: ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ .

وبيَّن الله جل وعلا ذلك في كتابه في عدة مواضع من القرآن، بين أنه يصنع بالعبد كما يتعامل العبد معه، إلا أنه تعالى أرحم بالعبد، وأقدر على الإحسان إليه، فربما أساء العبد مع ربه ولا يزال الله تعالى يعامله بالإحسان فضلا وإمهالًا، وكرما وجودا، ورحمةً وإحسانا من ربنا جل في علاه.

أيها الإخوة الكرام: وكما أن العمل الصالح في هذه العشر عملٌ متنوِّع، فإن من أفضله أن يكثر الإنسان من ذكر الله جل وعلا ، وهناك ذكرٌ مخصوصٌ، وهو أن يكثر العبد مِن التكبير، فيردد قائلا: الله اكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

يقولها من بداية أيام العشر من اليوم حتى تنتهي هذه العشر، فإن كان حاجا وأحرم بالحج في اليوم الثامن فيُسنّ له أن يكثر من التلبية، لا من هذا التكبير، وإن جمع بينهما فلا بأس، ثم إذا رمى الجمرة يوم العيد، وهي جمرة العقبة الكبرى، فإنه يقطع التلبية؛ لكنه يستمر في التكبير المقيد بعد الصلوات، أو المطلق أيضا، لا بأس به عليه، فأَكْثِرُوا من التكبير، أكثِروا من قول الله: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

وقد كان عمر رضي الله تعالى عنه يبكِّر في الذهاب إلى مكة بالحج، ثم يقعد في خيمته في منى يقضي أمور الناس، ويحكم بينهم، ويفصل في خصوماتهم، ويفتيهم في مسائلهم، وهو يبكر من قبل يوم الثامن يذهب إلى منى، فكان رضي الله تعالى عنه وهو في خيمته يكبر: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، فيسمعه الذين خارج الخيمة فيكبرون بتكبيره، يذكِّرهم فيكبرون، قال فيسمعهم الذين وراءهم فيكبرون، حتى ترتج مِنى تكبيرا.

وكان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهما كانوا يخرجون إلى السوق في أيام العشـر، ويرفعون أصواتهم بالتكبير، فيسمع الناس تكبيرهم فيكبرون.

اجعل هذه سُنَّةً منشورة بسببك لا مهجورة إذا خرجت إلى السوق أو جئت إلى المسجد أو في أي موطن كنت فارفع صوتك بالتكبير، فإنه نشر للسنة، وتذكيرٌ للناس، وتنبيهٌ للغافل، وتعليمٌ للجاهل، لمن سوف يعجب يقول: لماذا يكبر هذا؟ فيقال له: هذه أيام العشر يُسَن فيها أن يكثر العبد من التكبير، عندها يكبر هذا الإنسان ويكون لك مثل أجره.

كبّر وعَلّ الصوت بالتكبيرِ

لا تتصف بالشح والتقتيرِ

كبّر وكن لله عبدًا ذاكرًا

فالله أكبر فوق كل كبيرِ

فالله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

أسأل الله جل وعلا أن يعيننا على اغتنام الأيام والساعات الفاضلات، وأن يجعلنا الله تعالى فيها من المقبولين، أستغفر الله العظيم الجليل من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله أهل الحمد والثناء، أحمده سبحانه وأشكره في السّراء والضراء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأرض والسماء، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله سيد المرسلين وخاتم الأنبياء، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه البرَرَة الأتقياء، والتابعين ومن تبِعهم بإحسان إلى يوم القضاء.

أما بعدُ:

أيها الإخوة الكرام: ومن أفضل الأعمال في هذه العشرِ الصيامُ، فإن الله جل وعلا جعله خاصا به سبحانه، كما قال عليه الصلاة والسلام، يقول الله تعالى: «كل عملِ ابنِ آدمَ يُضاعفُ الحسنةَ عشرةَ أمثالها إلى سبعمائةِ ضعفٍ. قال اللهُ عز وجل: إلا الصومُ. فإنَّهُ لي وأنا أجزي بهِ. يَدَعُ شهوتَه وطعامَه من أجلي. للصائمِ فرحتانِ: فرحةٌ عند فطرِه، وفرحةٌ عند لقاءِ ربِّهِ. ولخُلوفٌ فيهِ أطيبُ عند اللهِ من ريحِ المسكِ»[6].

ولو لم يأت في الصوم في هذه الأيام فضيلة خاصة أو دليلًا خاصًا، إلا أنه من أحب الطاعات إلى الله تعالى، كما أنه من جملة الأعمال الصالحات التي هي أحب إلى الله في هذه الأيام.

أيها المسلمون: ومن أحكام هذه العشر أنَّ مَن أراد الأضحية في هذه العشر فإنه لا يأخذ من شعره ولا أظفاره شيئا، لا شعر رأسك ولا من شعرٍ آخر في الجسد، لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا، يحرم ويستثنى من ذلك مَن كان سوف يحُجُّ متمتعا أو قارنا وسوف ينحر هديًا في مكة، فإن الهدي يقوم مقام الأضحية، فإذا كنت سوف تحج قارنا أو متمتعا وسوف تذبح هديًا في مكة فليس عليك أضحية أصلا، وبالتالي لا بأس عليك خلال هذه العشر أن تأخذ من شعرك وأظفارك حتى يدخل عليك وقت الحج وتُحرم، عندها قف عن قص شعرك وأظفارك. هذه مسألة.

المسألة الثانية: الذي يجب عليه الإمساك عن شعره وأظفاره هو صاحب الأضحية المسؤول عنها، كالأب، فيُمسك دون أولاده، ولا يلزمهم أن يمسكوا، إلا إن كان الإنسان يفعل ذلك تبرعا عن مُتَوَفَّى، فإنه يمسك؛ لأنه هو الذي تتعلق به أحكام الأضحية.

وتكفي الأضحية لمن يسكنون في بيت واحد، والأضحية سنة وليست واجبة، وكذلك لو أن إنسانًا سافر إلى أهله في عيد الأضحى، هل تسن له الأضحية أم يدخل في أضحية أبيه، الجواب أنها سنة في حفه، لأنه مستقل طوال السنة، ومكوثه أيام الذبح مع أبيه لا يسقطها.

والنبي بين أن أفضل ما يتقرب به العبد لله تعالى يوم العيد إراقة الدم، وهي تأتي يوم القيامة بقرونها وأظفارها وشعرها فتوزن للعبد، وفي حديث حسَّنه بعض أهل العلم أن للمضحي بكل شعرة حسَنة، فطيبوا بها نفسا كما قال عليه الصلاة والسلام.

أيها الأحبة الكرام: تقرّبوا في هذه الأيام إلى ربكم بالصالحات من أعمالكم، وأكثروا من ذكر الله في بيوتكم وطرقاتكم، وذكّروا أولادكم وأهليكم، وأمروهم بالصلاة واصطبروا عليها، يبارك لكم ربكم فيما رزقكم، ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ [التوبة:105]، بادروا إلى طاعة ربكم، واستغلال أعماركم، سارعوا، وسابقوا، وتنافسوا، ﴿ ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26].

أسأل الله جل وعلا أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، أسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يستثمرون الأيام والساعات الفاضلات، وأن يجعلنا الله تعالى من المقبولين.

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /خالد الشايع

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة