الحمد لله يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس:82].
وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله إمام المتقين وخاتم النبيين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين وعلى آلهم أجمعين، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1].
أيها الإخوة في الله:
حديثنا في هذه الجمعة عن مسيح الهدى عبد الله ورسوله المسيح عيسى بن مريم (عليه وعلى أمه السلام) والذي سوف ينزل في آخر الزمان ويحكم بالإسلام ويقتل المسيح الأعور الدجال.
أيها المسلمون:
إن الله تعالى يخلق ما يشاء ويختار ﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ﴾ [الحج:75]، وقال تعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء:21].
وممن فَضَّلَ الله واصطفى، وقَرَّب واجتبى: آل عمران. قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٣٣﴾ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران:33-34].
والمراد بعمران في هذه الآية هو عمران والد مريم البتول الذي هو جَدُّ عيسى من جهة أُمه. وقد كان بين عمران الذي هو والد مريم وبين والد موسى مدة قرونًا كثيرة.
هذا ولقد نَصَّ الله تبارك وتعالى على اسم والد مريم في قوله تعالى: ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ﴾ [التحريم:12]. ولا خلاف أن مريم من سلالة داود عليه السلام وكان أبوها عمران صاحب صلاةِ بني إسرائيل في زمانه، وكانت أُمها من العابدات، وكان زكريا نبيُ ذلك الزمان زوج أخت مريم أو زوج خالتها[1].
ثم قال تعالى مبينًا كيف حملت أم مريم بمريم وأن الله تعالى أجاب دعاءها حيث اشتهت الولد فلما تحققت من الحمل نذرت أن يكون محررًا أي خالصًا مفرغًا لعبادة الله وخدمة بيته المقدس معرضًا عن شواغل الدنيا قال سبحانه: ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٣٥﴾ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ ﴾ [آل عمران:35-36] أي في القوة والجلَد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى وفي كون الأنثى لا تختلط بالرجال. ﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ [آل عمران:36]. أي عَوّذتها بالله عز وجل وحَصّنتها به سبحانه من شر الشيطان المطرود من رحمة الله، وعوّذت ذريتها كذلك.
ولم يكن لمريم ذريةٌ قط إلا عيسى عليه السلام، وقد استجاب الله سبحانه لأم مريم فقد روى البخاري ومسلم عن النبي ﷺ قال: «ما من مولود إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهلُّ صارخًا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها» ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ [آل عمران:36][2].
فاستجاب الله دعاءها كما تقبّلَ نذرها ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾ [آل عمران:37] فسوّى خلقها، ويَسّرَ لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين تتعلم منهم العلم والدين فلهذا قال: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ [آل عمران:37] فجعل الله زكريا عليه السلام كافلًا لها لِيُتْمِها وإنما تمت له كفالتها بالاقتراع بين شيوخ بني إسرائيل أيهم يكفل مريم وتخاصمهم في ذلك لشدة حرصهم عليها بسبب ما ألقاه الله عز وجل في قلوبهم من حبها وتكريمها قال عز وجل: ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ [آل عمران:44] فوقعت القرعة لزكريا وهو نبي كريم ورسول عظيم كان زوج أختها أو خالتها وقد وصف النبي ﷺ يحي بن زكريا وعيسى ابن مريم بأنهما ابنا الخالة كما في الصحيحين.
هذا وقد أنزل زكريا مريمَ في أكرمِ غرفةٍ فكانت تتعبد فيها وقد لاحظ زكريا أنه كلما دخل عليها المحراب أي الغرفة التي تتعبد فيها وجد عندها رزقًا قال بعض المفسرين: وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، قال تعالى: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [آل عمران:37].
قال المفسرون[3]: (اتخذ لها زكريا مكانًا شريفًا لا يدخله سواه، فكانت تعبد الله وتقوم بما يجب عليها من سِدَانة البيت إذا جاءت نوبتها وتقوم بالعبادة ليلَها ونهارَها حتى صارت يضربُ بها المثلُ بعبادتها في بني إسرائيل، وعُرفت بطهارتها وقنوتها لله رب العالمين قال تعالى: ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ﴾ [التحريم:12]).
وقال النبي ﷺ: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران...»[4]. ووصفها الله سبحانه بأنها صديقة في قوله تعالى: ﴿ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ [المائدة:75].
وأخبر جلَّ وعز أن الملائكة بشرتها باصطفاء الله لها من بين سائر نساء العالمين في زمانها وأنه طهرها قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴿٤٢﴾ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [آل عمران:42-43].
ثم تأتي طلائع البشائر للصديقة البتول مريم بولدها المسيح عليه السلام: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٤٥﴾ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٤٦﴾ قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٤٧﴾ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴿٤٨﴾ وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [آل عمران:45-49].. الآيات.
وفي سورة مريم حينما تعجبت من إتيان الولد لها بدون زوج بيّن الله سبحانه أن حِكَمة خَلْقِه لعيسى من أم بغير أب ليجعل ذلك آية للناس: أي علامة دالةً على كمال قدرته وأنه تعالى يخلق ما يشاء كيف يشاء، إن شاء خلقه من أنثى بدون ذكر كما فعل بعيسى، وإن شاء خلقه من ذكر بدون أنثى كما فعل بحواء، وإن شاء خلقه بدون الذكر والأنثى معًا كما فعل بآدم، وإن شاء خلقه من ذكر وأنثى كما فعل بسائر بني آدم.
قال عز وجل: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ﴿١٦﴾ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ﴿١٧﴾ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴿١٨﴾ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ﴿١٩﴾ قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ﴿٢٠﴾ قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ﴿٢١﴾ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ﴿٢٢﴾ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ﴾ [مريم:16-24].
فلقد عرفت أنها ستبتلى وتُمتحنُ بهذا المولود الذي لا يَحْمل الناسُ أمرها فيه على السداد، ولا يُصَدّقونها في خبرها، وبعد ما كانت عندهم عابدةً ناسكةً، تصبحُ عندهم فيما يظنون عاهرةً زانية وحاشاها من ذلك.
﴿ فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ [مريم:24] والسري هو النهر الذي تشرب منه. ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴿٢٥﴾ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ﴾ [مريم:25-26] فأخذت عيسى ﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ﴾ [مريم:27]. أي أمرًا منكرًا عظيمًا. ثم قالوا لها: ﴿ يَا أُخْتَ هَارُونَ ﴾ [مريم:28] وليس المراد به هارون بن عمران أخا موسى كما يظنه البعض وإنما هو رجل صالح من بني إسرائيل يسمى هارون فقد روى مسلم في صحيحه عن المغيرة بن شعبة قال: «لما قدمت نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرؤون ﴿ يَا أُخْتَ هَارُونَ ﴾ [مريم:28] وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك فقال: إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم»[5]، أي: أن أخاها هارون إنما سمي على اسم نبي الله هارون، ومعلوم أن هارون أخا موسى قبل مريم بزمنٍ طويل.
﴿ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴿٢٨﴾ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ﴾ [مريم:28-30] وقد أخبر ﷺ أنه لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: «عيسى ابن مريم وصاحب جريج...» الحديث[6].
فأنطق الله بقدرته هذا الصغير في مهده، فقال عيسى ما أخبر الله: ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴿٣٠﴾ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴿٣١﴾ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴿٣٢﴾ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾ [مريم:30-33] وهذا إثبات منه لعبوديته لله عز وجل، وأنه مخلوق من خلق الله يحيا ويموت ويبعثُ كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد. صلوات وسلامه عليه[7].
ولما بلغ عيسى عليه السلام أشدُّه أرسله الله تعالى إلى بني إسرائيل وأيّده بالمعجزات وبجبريل عليه السلام كما قال تعالى: ﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ [البقرة:87] وأعطاه الله الإنجيل قال تعالى: ﴿ وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ﴾ [الحديد:27].
وكان مما أيده الله به وأعطاه إياه ما ذكره في قوله سبحانه: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴿٤٨﴾ وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ ﴾وهو الذي يولد أعمى ﴿ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ ﴾أي يخبر الواحدَ منهم بما أكل في يومه وما ادخره في بيته لغده ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٤٩﴾ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿٥٠﴾ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۗ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿٥١﴾ ۞ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:48-52] ﴿ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ [الزخرف:65].
ولما أقام عيسى بن مريم عليه السلام على قومه الحجج والبراهين استمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم وطغيانهم[8] فانتدب له من بينهم طائفةً صالحة فكانوا له أنصارًا وأعوانًا، قاموا بمتابعته ونصرته وذلك حين هَمَّ به بنو إسرائيل ووشوا به إلى بعض ملوك ذلك الزمان فعزموا على قتله وصلبه فأنقذه الله منهم ورفعه إليه من بين أظهرهم وألقى شبهه على أحد أصحابه فأخذوه فقتلوه وصلبوه وهم يعتقدونه عيسى وهم في ذلك خاطئون، وللحق مكابرون، وسَلّم لهم كثير من النصارى ما ادعوه وكلا الفريقين في ذلك مخطئون. قال تعالى: ﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [آل عمران:54] وقال سبحانه: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ۚ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ﴾ [النساء:157].
هذا ولقد تعنت اليهود في شأن عيسى وفَرّطوا وسعوا إلى قتله فخابوا وخسروا وانقلبوا أذلة صاغرين وزعموا (قبحهم الله) أن عيسى ولد زنا (عياذًا بالله) فردَّ الله عليهم وفضح أكاذيبهم في مواضع من هذا القرآن العظيم. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ﴾ [النساء:156].
وقابل هذا غُلُوَّ النصارى في شأن عيسى حيث زعموا أنه الله. وقالوا إنه ابن الله (تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا). قال الله سبحانه: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [المائدة:72]. وقال: ﴿ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ [المائدة:75].
فكيف يضل بعد هذا البيان ضال؟ وكيف يزيغ بعد هذه الحجج زائغ؟ نسأل الله الهداية والثبات.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعنا جميعًا بهدايته ووفقنا لتدبره والعمل به.
الحمد لله حمدًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا.
أما بعد: فإن رسالة عيسى عليه السلام قد نُسخت بهذا الدين العظيم والقرآن الحكيم الذي بعث به رسوله محمدًا ﷺ فلا يقبل الله من أحدٍ إلا الإسلام: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران:85]. وقال ﷺ كما في الصحيح: «والذي نفسي بيده! لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهوديٌ ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار»[9].
وأهل الإسلام أولى بعيسى من النصارى حيث صدّق كثير من جهلة النصارى اليهود في زعمهم، ولهذا قال ﷺ مبينًا ثواب الاعتقاد الصحيح في عيسى وغيره: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل»[10]. أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق، ونسأل الله أن يدخلنا برحمته الجنة ويقينا من النار.
عباد الله: ثم إن عيسى سوف ينزل في آخر الزمان بعد خروج الدجال وإفساده في الأرض.
ويكون نزول عيسى عند المنارة البيضاء شرقي دمشق الشام واضعًا كفيه على أجنحة ملكين. ونزوله من أشراط الساعة وهو ثابت بالكتاب والسنة الصحيحة المتواترة ففيه من الأحاديث أكثر من ثلاثين حديثًا عن رسول الله ﷺ.
ولعلَّ من الحكمة في نزول عيسى دون غيره: أن في هذا ردًّا على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه فبيّن الله كذبهم وأنه أي عيسى هو الذي يقتلهم ويقتل رئيسهم الدجال. وإذا نزل فإنه يحكم بالشريعة المحمدية ويكون من أتباع رسول الله محمد ﷺ.
ويكون زمن عيسى زمن أمن وسلام ورخاء تخرج الأرض ثمرتها وبركتها كما ثبت في صحيح مسلم.
ويبقى عيسى في الأرض بعد نزوله سبع سنين ليس بين اثنين عدواه ثم يُتوفى بعد ذلك، وهذا كله ثابت في الصحيح.
أيها المسلمون:
بقي أن يُعلم تفسيرُ قول الله سبحانه: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [آل عمران:55]... فالوفاة هنا إلقاء النوم عليه إلى أن رفعه الله إلى السماء ببدنه وروحه ولقد سمى سبحانه النومَ وفاة في قوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ﴾ [الأنعام:60]..
وأما قوله تعالى: في شأن عيسى عليه السلام: ﴿ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ [النساء:159] فالمعنى والله أعلم. على ما ذكره كثيرٌ من المفسرين: أن جميع أهل الكتاب يصدقون بعيسى إذا نزل في آخر الزمان لقتل الدجال فتصير الملل كلها واحدة وهي ملة الإسلام الحنيفية (دين إبراهيم عليه السلام). فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب عند نزوله في آخر الزمان ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم ولهذا قال: ﴿ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ [النساء:159] أي قبل موت عيسى عليه السلام الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ [النساء:159] أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء وبعد نزوله إلى الأرض[11].
أيها المسلمون: ينبغي أن يزيدنا ما سمعنا يقينًا وإيمانًا وتعظيمًا لله عز وجل فهو القادر على كل شيء ﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [هود:56] فتأمل كيف اصطفى من شاء ومنَّ عليهم بالهدى والرسالة العظمى، وكيف خلق عيسى من أم بلا أب بل بكلمة منه سبحانه، ذلك تقدير العزيز العليم ثم أرسله برسالته وأيّده بآياته، ثم رفعه إلى السماء بروحه وبدنه، وسوف ينزله إذا شاء سبحانه لا إله إلا هو العزيز الحكيم.
صاحب هذه الخطبة
الشيخ / صالح بن عبد الرحمن الخضيري