حجم الخط:

قيام الليل

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي شرع لعباده أكمل الشرائع، وفرض عليهم أجلَّ الفرائض، وحبَّب إليهم من العبادات، ما يصلون به إلى أسمى الغايات، ويبلغون به أرفع الدرجات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، ومجتباه من خلقه، ومصطفاه من أنبيائه ورسله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واستقام على سنته، ودعا بدعوته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيا أيّها الناس: اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، وراقبوه في السرّ والنجوى، واعلموا أنه ما دُفعت الفتن والشهوات، بمثل خالص العبادات والطاعات، وإن أفضل الأعمال هي هذه الصلوات، وأفضل الصلاة بعد المفروضات: قيام الليل بين يدي رب الأرض والسموات، فإنه دأب الصالحين، وروضة المحبين، ومعراج السالكين، ومنهاج القاصدين إلى رضى رب العالمين، ونزهة المشتاقين إلى جنات النعيم.

قيام الليل سُنة مؤكدة ، تواترت النصوص من الكتاب والسنة بالحث عليه ، والتوجيه إليه ، والترغيب فيه، ببيان عظيم شأنه، وجزالة الثواب عليه، وقيام الليل له شأن عظيم في تثبيت الإيمان، والإعانة على جليل الأعمال ، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿١﴾ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٢﴾ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿٣﴾ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴿٤﴾ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:1-5] وأخبر تعالى أنّ في قيامه تواطؤَ القلب مع اللسان: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:6] أي: أشد أثرًا على النفس، وقال: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا [الإنسان:26]. جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال ﷺ: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل».

عبادَ الله: إنّ قيامَ الليل عبادة عظيمةٌ وعمَل جليل، ولقد مدَح الله به عبادَه المؤمنين، فذكر من أخلاقهم وشمائلهم، ومحاسن عاداتهم وعباداتهم، ونوّه بجميل خصالهم وجليل أعمالهم، ومن أخص ذلك قيام الليل، فقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿١٥﴾ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿١٦﴾ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:15-17] أخفَوا قيامَهم في الليل، وصار قيامُهم سِرًّا بينهم وبين ربِّهم، فأنالهم الله ذلك الثوابَ العظيم، ما لا رأت عينٌ، ولا سمِعت أذنٌ، ولا خطَر على قلبِ بشر، ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17].

ووصفهم سبحانه في موضع آخر بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴿٦٤﴾ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴿٦٥﴾ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان:64-66].

ومما وصف الله به عباده وامتدحهم بقيام الليل قوله: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿١٥﴾ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ ﴿١٦﴾ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿١٧﴾ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:15-18]. فهم قليلًا من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون، فهم يُحيون كثيرًا من الليل، ويختِمون ذلك بالاستغفار عمّا قصّروا وأساؤوا.

وقال الله لنبيّه ﷺ مُرغّبًا له في القيام: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]. يقول ﷺ: «عليكُم بقيامِ اللَّيلِ، فإنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحينَ قبلَكُم، وقُربةٌ إلى اللهِ تعالى، ومَنهاةٌ عن الإثمِ، وتَكفيرٌ للسِّيِّئاتِ، ومَطردةٌ للدَّاءِ عن الجسَدِ»[1].

كذلك من فضائل قيام الليل: أنَّهم لا يستوون عند الله، نعم لا يستوي من يقوم الليل ومن لا يقومه، فصاحب القيام أقرب إلى الله وأعلم به، كما قال الله جل وعلا: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] هل يستوي إنسانٌ قضـى ليله غافلًا هائمًا نائمًا بين السهرات والقيل والقال ومضيعة الأوقات، وإنسان قائم في ليله يدعو ربه ويبكي من خشية الله جل وعلا ، لا يستوون عند الله.

أيّها المسلمون: لقد كان من هدي نبيِّكم ﷺ أنّه كان يقوم الليلَ ويداوم عليه، تقول عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنهما: كان رسول الله ﷺ يقوم الليلَ حتى تفطّرت قدماه، فسألَته قائلةً له: أتفعل هذا وقد غفَر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟! تشير إلى قوله: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح:2]، فأجابها عليه الصلاة والسلام بقوله: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!».[2] فإنّ شكرَ الله على نعمِه يكون بالتقرّب إليه بالفرائض، وبالنوافل بعد الفرائض، وكلّما تصوّر العبد نعَمَ الله عليه دعاه ذلك إلى أن ينافِس في صالح الأعمال.

ولقد أخبر ﷺ أنّ قيامَ الليل سببٌ لدخول الجنّة والفوز بها بفضل الله ورحمته، قال عبد الله بن سلام رضي الله عنه: لمّا قدم النبيّ ﷺ المدينةَ جفل الناس إليه، فكنتُ فيمن جَفل إليه، فاستبنتُ وجهَه فلم أرَ وجهَ كذّاب، فسمعتُ أوّلَ ما قال: «أيّها الناس: أطعِموا الطعام، وأفشوا السلام، وصِلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنّةَ بسلام»[3].

وأخبرَ ﷺ ما لقائمِ الليل في الجنّة من النعيم المقيم، فقال: «إِنَّ في الجنةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُها من باطِنِها، وباطِنُها من ظَاهِرِها. فقال أبو مالِكٍ الأَشْعَرِيُّ: لِمَنْ هيَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: لِمَنْ أَطَابَ الكَلامَ، وأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وباتَ قائِمًا و الناسُ نِيامٌ»[4].

أيّها المسلم: فالمسلم في ليلِه وفي تهجُّده يشكرُ ربَّه، ويَشكو ذنبَه، ويناجي مولاه، فيسأله جنّته ومغفرتَه، ويستعيذ به من عذابه، ويرجو رحمتَه وفضله وإحسانَه، إنّه يقوم من فراشه ومِن لذيذ منامه، ليقفَ بين يدَي ربِّه في تلك اللّحظاتِ المباركة ووقت التنزّل الإلهي، عندما ينزل ربّنا إلى سمائه الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فينادي: هل من سائل فيُعطَى سؤلَه، هل من مستغفرٍ فيُغفَر له، هل من داعٍ فتُجاب دعوته؟!

أيّها المسلم: إنّ في قيام الليل فرصةً لك لتسألَ ربَّك ما أحببتَ من خيرَي الدنيا والآخرة، ففي ذلك الوقت العظيم المبارَك فرصة لك لتشكوَ إلى الله حالك، وترجوه من فضله، وتتوب إليه من زللِك وخطئك، وتسأله ما أحببتَ من خيرَي الدنيا والآخرة، فإنّك تسأل كريمًا وقريبًا مُجيبًا وغنيًّا حميدًا، يحبّ من عباده أن يسألوه ويلتجِئوا إليه، وقد وعَدَهم الإجابةَ فضلًا منه وكرَمًا: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186]، قال جابر بن عبد الله: قال رسول الله ﷺ: «إنّ في الليل ساعةً لا يوافقها رجل مسلمٌ يسأل الله خيرًا مِن أمر الدنيا والآخرة إلاّ أعطاه الله إياه، وذلك كلَّ ليلة»[5].

فهي ساعة إجابة وعطاء ومغفرة، وهي فرصةٌ لك -أيها الحبيب- لتقومَ بين يدَي ربّك، تناجيه وتسأله الثباتَ على الحقّ والاستقامة على الهدى، وأن يرزقك من فضله، ويعينك على ذكره وشكره، وأن يختمَ حياتَك بخاتمةِ خير، ولا يتوفاك إلا وهو راضٍ عنك.

أيّها المسلم: قيام الليل له فوائد، يقول ﷺ: «عليكُم بقيامِ اللَّيلِ، فإنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحينَ قبلَكُم، وقُربةٌ إلى اللهِ تعالى ومَنهاةٌ عن الإثمِ و تَكفيرٌ للسِّيِّئاتِ، ومَطردةٌ للدَّاءِ عن الجسَدِ»[6].

كل تلك الفوائد في قيام الليل، ومنها: أنه دأب الصالحين، أي: عادتهم وديدنهم، ومن هنا قيل: إن من لم يكن من عادته قيام الليل فلا يسمى صالحًا، وإن كان مسلمًا أو مؤمنًا؛ لأن من صفات الصالحين ودأبهم: قيام الليل.

وسئلت عائشة رضي الله عنها فقيل لها: إنّ الله لم يفترِض علينا سوى الصلواتِ الخمس، قالت: «نعم، لعمري ما افترضَ الله عليكم إلاّ هذه الصلوات، ولن يطالبَكم إلا بما افترض عليكم، ولكنّكم قوم تخطؤون وتذنِبون، وما أنتم إلاّ من نبيّكم، وما نبيّكم إلا منكم، ولقد كان يحافظ على قيام الليل».

ومن أجمل الوصايا النبوية، ما جاء في قصة رؤيا عبد الله بن عمر بن الخطاب حيث قَالَ كَانَ الرَّجُلُ فِى حَيَاةِ النبي ﷺ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى النبي ﷺ فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا أَقُصُّهَا عَلَى النَّبِىِّ ﷺ - وفي رواية أنه كان يقول لنفسه: لو كان فيك خير لرأيتَ مثل ما يرى هؤلاء- قَالَ وَكُنْتُ غُلاَمًا شَابًّا عَزَبًا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِى الْـمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَرَأَيْتُ فِى النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِى فَذَهَبَا بِى إِلَى النَّارِ فَإِذَا هِىَ مَطْوِيَّةٌ كَطَىِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ كَقَرْنَىِ الْبِئْرِ، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ، - قَالَ - فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ فَقَالَ لِى: لَن تُرَاعْ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فقصّتها حَفْصَةُ عَلَى النبي ﷺ فَقَالَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ». قَالَ سَالِمٌ فَكَانَ عَبْدُ اللهِ بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلاَّ قَلِيلًا[7].

وقال ﷺ يومًا لعبد الله بن عمرو: «يا عبدَ الله: لا تكن مثلَ فلان، كان يقوم الليل فترك قيامَ الليل»[8].

أيّها المسلم: قيامُ شيءٍ من الليل فيه صلاحٌ لدينك، واستقامة لحالك، وتقرّب إلى ربّك رجاء الثواب، وستجد ذلك مُدَّخرًا لك أحوجَ ما تكون إليه، قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: «تصدّقوا بصدقةِ السرِّ ليومٍ عسير، صلّوا في ظلمةِ الليل لظلمةِ القبور، صوموا يومًا شديدًا حرُّه ليوم النّشور».

أيّها المسلم: إنّ نبيّنا ﷺ كان يحافِظ على قيام الليل، وإذا حُجز عنه لوجعٍ أو غيره قضاه في النهار، فكان يواظِب على إحدى عشرَة ركعة، فإذا عجز عنها لمرضٍ أو غيره صلاّها في الضّحَى ثنتَي عشرَةَ ركعة.

هكذا كان يحافِظ على قيام الليل، حتى إنه يقضيه، وهكذا كان يحافظ عليه صحابتُه الكرام والتابعون لهم بإحسان، فهو خلُق أهلِ الإيمان، يزدادون به خيرًا، ويزدادون به قربةً إلى الله، وهو والله نعيم قبل النعيم، وجنّة قبل دخول الجنة، قال بعض السلف لما دخل عليه رجلٌ ورأى أثرَ الخير عليه والنور على وجهه، فقال: (من قامَ بالليل حسُن وجهه بالنهار)، يعني أنّ لقيام الليل آثارًا على القائم.

قيل لعبد الله بن مسعود: ما نستطيع قيامَ الليل، قال: «قيّدتكُم خطاياكم، لو صدقتُم الله لأعانكم، ألم تسمعوا الله يقول: ﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة:46]؟!». وليعوّد الإنسان نفسه شيئًا فشيئًا حسب ما تطيقه نفسه ترغيبًا له.

وقد قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنْ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنْ الْـمُقَنْطِرِينَ».[9] و(الْـمُقَنْطِرِينَ): هم الذين أعطوا قِنْطارًا من الأجر. والقنطار: مقدار كبير من الذهب، وأكثر أهل اللغة على أنه أربعة آلاف دينار. وقيل: مِلْء جِلْد ثَور ذَهبًا.

والمراد من الحديث تعظيم أجر من قام بألف آية، وقد روى الطبراني أن النبي ﷺ قال: «والقنطار خير من الدنيا وما فيها»[10].

وهنا فائدة: يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: (من سورة «تبارك» إلى آخر القرآن ألف آية»؛ فمن قام بسورة تبارك إلى آخر القرآن فقد قام بألف آية، ومن أراد فليقم بمائة آية، ومن عجز فلا أقل من أن يقوم بعشـر آيات؛ لئلا يُكتب من الغافلين، نسأل الله أن يجعلنا من الشاكرين الذاكرين).

أيها الأحبة: إنّ قيامَ الليل نعمة يمنّ الله بها على من يشاء من عبادِه، فيجِد ذلك القائمُ لهذا الوقت لذةً وسرورًا، وانبساطًا وانشراحَ صدر، وحلاوةً وقرّةَ عين، وهو قائم يتلو كتابَ الله ويتدبّره، ويسبّح الله ويحمده، ويثني عليه ويلجأ إليه، فما أعظمَها من نعمةٍ لمن وُفِّق لها، ولا يعرف قدرَها إلا من مُنِح تلك النعمة، قال بعض السلف: (إنّ أهلَ الليل في ليلهم وتهجُّدهم، ألذّ من أهل اللهو في لهوهم)، فهؤلاء في سبيلِ صلاح قلوبهم واستقامةِ حالهم، وهؤلاء في سبيل فساد قلوبهم والغفلة عن ربهم.

نعم والله إنّهم ألذّ، وكما قيل: من كذّب جرّب، فمع أنه لا يوجد لهذا مُكذّب، لكن أيضًا لا يكاد يوجد له مجرّب!

فعلى المسلم الذي يرجو رحمةَ ربّه أن لا يفوّتَ هذا المقام الرفيع، وأن لا يحرم نفسه هذه النعمةَ العظيمة، ولو جزءًا يسيرًا، وقيامًا قليلًا، فما يزال العبدُ يألَف تلك الطاعةَ ويحبّها حتى يوفّقه الله، فيجعله ممّن اعتادَها وأحبها والتذّ بحلاوتها.

جعلني الله وإيّاكم من المسارعين لفعل الخيرات، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أمّا بعد:

فيا أيّها الناس: اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

عبادَ الله: إنّ لقيام الليل أسبابًا لمن أراد ذلك وسعَى في الخير، فمنها:

أن يحرِص على الإقلال من السّهر ما وجَد لذلك سبيلًا، ولذا كان نبيّكم ﷺ يكره النومَ قبل العشاء، ويكره الحديثَ بعدها، فكان يكره النوم قبلها خوفًا من فواتها، ويكره الحديث بعد صلاة العشاء لأنه كان إذا صلّى أوى إلى فراشه، فكان يكرَه طولَ الحديث والسَّهر الذي لا داعي له؛ خوفًا من أن يفوِّت عليه فُرصًا عظيمة وخيرات كثيرة، من قيام الليل وصلاة الفجر جماعة.

ومِن الأسباب: ترك الذنوب والمعاصي؛ قال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد أعياني قيام الليل؟ إني أبيت معافى وأحب قيام الليل، وأعد طهوري، فما بالي لا أقوم؟! فقال الحسن: (ذنوبك قيدتك).

وقال رجل لإبراهيم بن أدهم: إني لا أقدر على قيام الليل فصف لي دواءً؟ فقال: (لا تعصه بالنهار وهو يقيمك بين يديه في الليل؛ فإن وقوفك بين يديه في الليل من أعظم الشرف، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف). وقال سفيان الثوري: (حُرمت قيام الليل خمسة أشهر بسبب ذنب أذنبته).

ومما يعين على القيام: قلة الكلام والطعام، وقد كان بعض الصالحين يقف على بعض الشباب العبّاد إذا وضع طعامهم، ويقول لهم: (لا تأكلوا كثيرا، فتشـربوا كثيرا، فتناموا كثيرا، فتخسروا كثيرا).

ومن الأسباب المعينة على القيام: كثرة ذكر الله آناء الليل وآناء النهار، وأن تقرأ أذكار النوم، كالمعوذات وآيةَ الكرسيّ عند منامك لتبعِد عدوّ الله عنك، ففي الحديث: «من قرأ آيةَ الكرسيّ كلَّ ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح»[11]، وتختم بالآيتين من سورة البقرة، فمن قرأهما في ليلةٍ كفَتاه، وكان نبيّكم ﷺ إذا أوى إلى فراشه يقول: «اللهم فاطرَ السموات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، ربَّ كلّ شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا الله، أعوذ بك من شرّ نفسي ومن شرّ الشيطان وشِركه، وأن أقترفَ على نفسي سوءًا أو أجرّه إلى مسلم»[12]، وكان يجمع كفّيه فيقرأ فيهما: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، و﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، و﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1] ثلاثًا، ثم يمسَح بهما رأسه ووجهه وما استطاع من جسده. صلوات الله وسلامه عليه[13]، وكان يفعل ذلك دائمًا، حتى إنه لمّا مرِض كانت عائشة رضي الله عنها تأخذ يدَيه، فتنفث فيهما، ثم تمسَح بهما وجهَه وما استطاعت من جسدِه.

فإذا كرر الإنسانُ هذه الأورادَ وقرأها عند نومه وسبّح الله وحمِده وكبّره ونام على خير وطهارة، وعزيمة على القيام، واستعانة بالكريم سبحانه؛ فإنّه يُرجى برحمةِ أرحَم الراحمين أن يمنّ الله عليه، فيوقظه من غفلتِه، ويجعل القيام ألذّ عنده وأخف على نفسه من التقلب في الفراش؛ ويعينه في تلك اللحظاتِ بطاعةٍ ولو قلّت، يجد ثوابَها أحوَج ما يكون إليه.

وأخبر ﷺ أنّ عدوّ الله إبليس لا يزال يثبط العبد عن فعل الخير، ويحول بينه وبين المبادرة إلى العمل الصالحٍ، ولن يتغلب العبد عليه إلاّ بالالتجاء إلى الله والتعوّذ من شرّه والتحصن بالأذكار، قال ﷺ: «يعقِد الشيطان على قافية رأسِ أحدكم إن هو نامَ ثلاثَ عُقد، يضرب على كلّ عقدةٍ: عليك ليل طويلٌ فنَم، فإن قام وذكَر الله انحلّت عقدة، وإن توضّأ انحلّت عقدة، وإن صلّى انحلّت العُقَد كلّها، فأصبح طيّبَ النفس نشيطًا، وإلاّ أصبَح خبيثَ النفس كسلانًا»[14]، فسبحانَ مَن يمنّ على مَن يشاء، وسبحانَ مَن يؤهّل لفضلِه من يشاء، وسبحانَ من يختار لفضله من يشاء مِن عباده، ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:68].

ونختم بذكر طرف من أخبار العابدين الصالحين، أصحاب قيام الليل:

قال ابن الجوزي: (واعلم أن السلف كانوا في قيام الليل على سبع طبقات:

الطبقة الأولى: كانوا يحيون كل الليل، وفيهم من كان يصلي الصبح بوضوء العشاء.

الطبقة الثانية: كانوا يقومون شطر الليل.

الطبقة الثالثة: كانوا يقومون ثلث الليل، قال النبي: «أَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللهِ عز وجل صَلاةُ دَاوُدَ عليه السلام، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى الله عز وجل صَوْمُ دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا»[15].

الطبقة الرابعة: كانوا يقومون سدس الليل أو خمسه.

الطبقة الخامسة: كانوا لا يراعون التقدير، وإنما كان أحدهم يقوم إلى أن يغلبه النوم فينام، فإذا انتبه قام.

الطبقة السادسة: قوم كانوا يصلون من الليل أربع ركعات أو ركعتين.

الطبقة السابعة: قوم يُحيون ما بين العشاءين، ويُعسِّلون في السحر، فيجمعون بين الطرفين).

وكان أحمد بن حنبل يصلي في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة، فلما حُبس وضُرب ومرض، كان يتألم بعد ذلك أنه لم يعد يصلي سوى مائة وخمسين ركعة. لله درُّ هذه الهمم!

لقد كانوا يستغرقون جميع أوقاتهم ومنتهى طاقاتهم في طاعة الله من الصيام والقيام والذكر والشكر؛ قال أبو حازم رحمه الله: (لقد أدركنا أقوامًا كانوا في العبادة على حد لا يقبل الزيادة!)

وكان يزيد الرقاشي يقوم الليل، فإذا فتَر قال لنفسه: (يا يزيد: من يصلي عنك إذا مِتَّ؟ من يصوم عنك إذا مِتَّ؟) ثم يقوم حتى يصبح. قال عمر بن عبد العزيز: (أفضل الأعمال ما أُكرهت إليه النفوس).

وكان أحد الصالحين يصلي حتى تتورم قدماه فيضـربها ويقول: (يا أمّارة بالسوء ما خلقتِ إلا للعبادة).

ودخلت إحدى النساء على زوجة الإمام الأوزاعي رحمه الله ، فرأت بللًا في مُصلّاه، فقالت لامرأته: ثكلتك أمكِ! أراكِ غفلت عن بعض الصبيان حتى بال في مسجد الشيخ؟ فقالت لها زوجة الأوزاعي: (ويحكِ هذا يُصبح كل ليلة، من أثر بكائه في سجوده).

لقد ذاقوا لذة المناجاة، وحلاوة القيام بين يدي الله، كما قال أبو سليمان الداراني: (لولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا!).

إنّ للهِ عبادًا فُطَنا

طلّقوا الدنيا وخافوا الفتنا

نظروا فيها فلما علموا

أنها ليست لحيٍّ وطنا

جعلوها لُجّةً واتخذوا

صالح الأعمال فيها سُفُنَا

هذا وصلُّوا -رحمكم الله- على محمّد بن عبد الله كما أمركم بذلك ربكم، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة