حجم الخط:

كيف تحافظ على صلاتك

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي فرض الصلاة على العباد رحمة بهم وإحسانًا، وجعلها صلة بينهم وبينه ليزدادوا بذلك إيمانًا، وكررها كل يوم حتى لا يحصل الجفاء، ويسرها عليهم حتى لا يكون فيها تعب وعناء، وأجزل لهم ثوابها؛ فكانت بالفعل خمسًا، وبالثواب خمسين؛ فضلًا منه وامتنانًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خالقنا ومولانا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أخشى الناس لربه سرًا وإعلانًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا.

أما بعد:

عباد الله: اتقوا الله تعالى، واعلموا أن من أعظم شعائر الإسلام ومزاياه العظام الصلاة، هذه الشعيرة التي قد خف ميزانها اليوم عند كثير من الناس؛ فأصبحوا لا يؤدونها إلا في النادر -عياذًا بالله- اتباعًا للشيطان، ومجاراة لهوى النفس الأمارة بالسوء، واقتداءً بمن قَلَّ خوف الله وهيبته في قلوبهم، وإنها لخسارة كبيرة أن نرى أعدادًا كثيرة وجموعًا غفيرة من الناس في مجتمع المسلمين لا يبالون بالصلاة، ولا يرتادون المساجد وهم يسمعون المنادي يدعوهم بأعلى صوته، ويقول لهم: (حي على الصلاة.. حي على الفلاح) فيعرضون عنه، وهم يقولون بلسان حالهم، وإن لم يقولوا بلسان مقالهم: لا نريد الصلاة، ولا نريد الفلاح! ولو علموا ما فيها لما ولوا مدبرين، ولما انصرفوا عنها معرضين.

يقول عثمان رضي الله عنه: والله لأحدثنكم حديثًا لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يتوضأ رجل فيحسن وضوءه، ثم يصلي الصلاة إلا غفر الله له ما بينها وبين الصلاة التي تليها»[1].

ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: «من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا؛ فليحافظ على هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن؛ فإن الله قد شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يُقام في الصف»[2].

وما ذاك إلا لإحساسهم بعظمها، ومعرفتهم بمنزلتها ومكانتها عند الله سبحانه؛ إذ هي أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة، كما ورد بذلك الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته؛ فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر»[3].

ويقول الإمام أحمد رحمه الله: (إنما حظهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة)[4].

فاعرف نفسك يا عبد الله! واحذر أن تلقى الله عز وجل ولا قدر للإسلام عندك؛ فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة فيه.

يقول أحد العلماء: (إن العبد إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه لقيامه أعظم قيام لله وأقربه، وأغيظه للشيطان وأشده عليه؛ لذا فإنه يجتهد كل الاجتهاد على إفساد صلاته، فيخطر بينه وبين نفسه، ويحول بينه وبين قلبه، فيذكره في الصلاة ما لم يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي حاجته، وأيس منها، فيذكره إياها في الصلاة؛ ليشغل قلبه بها، ويأخذه عن الله عز وجل، فينصرف من صلاته مثلما دخل فيها بخطاياه وبذنوبه وأثقاله؛ لأن الصلاة إنما تُكفر سيئات من أدى حقها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله بقلبه وقالبه، فهذا هو الذي إذا انصرف منها وجد خِفة في نفسه، وأحس بأثقال وضعت عنه؛ فيجد نشاطًا وراحة، وقرة عين؛ لذلك المحبون يقولون: نصلي فنستريح بصلاتنا، كما قال إمامهم وقدوتهم رسول الله ﷺ: «أرحنا بالصلاة يا بلال»[5]، ولكن من الناس اليوم من يقول: أرحنا من الصلاة يا إمام، نسأل الله العافية).

عباد الله: إن للصلاة فضائل ومزايا لا توجد في غيرها من الأعمال؛ فهي أول ما فرض الله بعد الشهادتين، وهي التي فرضت في السماء حينما عُرج برسول الله ﷺ إليها؛ وذلك لأهميتها، وهي أكثر الفروض ذكرًا في القرآن، وهي شعار النبيين، وصفة المتقين، وبها أوصى النبي أمته قبل خروجه من الدنيا، وهو وفي سياق الموت، فقال عليه الصلاة والسلام: «الله الله في الصلاة، وما ملكت أيمانكم»[6]، وإنها آخر وصية كل نبي لأمته، وآخر عهده إليهم عند خروجه من الدنيا، كما أنها سبب لتسهيل عسر الموقف في الحشـر، وتخفيف الحساب في دار المآب، وسبب لغرس الصدق والأمانة في النفوس، وسبب لمحبة الله، وإجابة دعوته، وشفاعة نبيه ﷺ، وسبب لتكفير ذنوبه، ومحو سيئاته.

أيها المسلمون: اعلموا أن الصلوات الخمس سبب لتكفير الذنوب الصغائر، وأما الذنوب الكبائر، كأكل الربا، والكذب، والغش في المعاملات، وشهادة الزور، والظلم، وقطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وغير ذلك إنما يكفره الله تعالى بالتوبة إليه فقط؛ فاتقوا الله عباد الله، وتوبوا إليه، وحافظو على الصلاة مع الجماعة في المساجد؛ لتكونوا من المؤمنين المهتدين، ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي جعل الصلاة ثانية أركان الإسلام، وأمر بإقامتها والمحافظة عليها على الدوام، وأخبر أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر والآثام، أحمده سبحانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد الأنام، وخير من صلى وصام، اللهم صل عليه وعلى آله وصحابته الكرام، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم التمام.

أما بعد:

أيها الإخوة في الله: لقد تساهل كثير من الناس بأمر الصلاة، فمنهم من تركها بالكلية -عياذًا بالله- من ذلك، ومنهم من لا يصليها إلا في رمضان، ومنهم من لا يصلي إلا الجمعة فقط، ومنهم من يصليها ولكن صلاة صُوْرية لا حقيقية، وعادة اتخذها لا عبادة يتقرب بها، ولذلك لا نجد للصلاة أثرًا في كثير من هؤلاء؛ إذ إن الله تعالى يقول: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، وهؤلاء -أعني بهم الذين يصلونها صلاة شكلية- لم تؤثر فيهم صلاتهم، ولم تنههم عن فحشائهم ومنكرهم، وهذا عائد إلى عدة أمور:

الأمر الأول: عدم الخشوع فيها:

فبعض الناس هداهم الله أجسامهم في المصلى، وقلوبهم في كل واد يجولون ويفكرون في كل شيء، حتى في الأمور التي لا مصلحة لهم فيها، وهذا ينقص الصلاة نقصًا كبيرًا، وهو الذي يجعلها قليلة الفائدة للقلب، وقليلة الثواب والأجر، فيخرج المصلي من مصلاه ولم تزده صلاته إيمانًا ولا نورًا كما ينبغي، وما ذاك إلا لأن الخشوع هو روح الصلاة ولبّها؛ فصلاة بلا خشوع كجسد بلا روح، وقشور بلا لب، كما جاء عَنْ عَمَّارِ بن يَاسِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ: يَقُولُ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ تُسْعُهَا ثُمْنُهَا سُبْعُهَا سُدْسُهَا خُمْسُهَا رُبْعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا»[7].

الأمر الثاني: عدم الطمأنينة فيها:

فبعض الناس ينقرها نقر الغراب لا يطمئن فيها، ولا يذكر الله إلا قليلًا، ولقد حذر الله سبحانه على لسان رسوله من هذا الفعل القبيح، كما ورد في الحديث: أن النبي ﷺ صلى بأصحابه، ثم جلس في طائفة منهم؛ فدخل رجل فقام يصلي، فجعل يركع وينقر في سجوده، ورسول الله ﷺ ينظر إليه، فقال: «ترون هذا! لو مات لمات على غير ملة محمد، ينقر صلاته كما ينقر الغراب الدم»[8].

وقد جعل رسول الله ﷺ لِص الصلاة شرًا من لِص الأموال وسارقها، فقال ﷺ: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، قالوا: يا رسول الله! كيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها»[9]، فصرح النبي ﷺ بأن الذي لا يتم صلاته، ولا يطمئن فيها، أسوأ حالًا من سارق الأموال، ولا ريب أن لص الدين شر من لص الدنيا.

ولقد بين النبي ﷺ بطلان من لا يطمئن في صلاته، وذلك بقوله للرجل الذي لم يطمئن في صلاته: «ارجع فصل؛ فإنك لم تصل»[10]، فكررها عدة مرات، والنبي يعيد عليه هذه الكلمة، حتى علمه النبي وأمره بالطمأنينة.

الأمر الثالث: مسابقة الإمام:

مسابقة الإمام مما تخل بالصلاة خللًا عظيمًا، ولقد ابتلي كثير من المصلين بهذه الخصلة السيئة، فكثير منهم ما إن يبدأ الإمام بالتكبير إلا وتراه سابقًا له أو متساويًا معه، بل إن بعضهم عندما يهوي الإمام مثلًا للسجود تراه يصل إلى الأرض قبله، وهكذا في الركوع والرفع منه، وفي هذا يقول الإمام أحمد: (ليس لمن سبق الإمام صلاة)[11].

وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: «أما يخاف الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار»[12]، ويقول البراء بن عازب: «كنا خلف النبي ﷺ، فكان إذا انحط من قيامه للسجود لا يحني أحد منا ظهره، حتى يضع النبي جبهته على الأرض»[13].

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (أما مسابقة الإمام فحرام باتفاق الأئمة الأربعة). ولقد ضرب ابن عمر رجلًا يسابق الإمام، وقال: «لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت»[14]. وأنت يا أخي! خرجت إلى الصلاة تبتغي وجه الله بذلك، وتعلم أنك لم تنصرف من الصلاة إلا بعد إمامك، سواء سابقت أو لم تسابق؛ فعليك بالانتظار والاطمئنان حتى تكتب من الخاشعين.

الأمر الرابع: كثرة الحركة في الصلاة:

وهو الذي قد فشا وطم وعمت به البلوى؛ فأصبح الكبير والصغير، والمتعلم والجاهل فيه سواء -إلا من رحم الله- ألا وهو كثرة الحركة في الصلاة، حتى إنك في بعض الأحيان تشاهد الرجل يصلي فلا تظن أنه يصلي من كثرة حركته، فتارةً يعبث في غترته، وتارة في ثوبه، وتارة ينظر في ساعته، أو في هاتفه، وتارة يقدم رجله اليمنى ويؤخر اليسرى، ثم لا يلبث أن يعكسهما، وبعضهم يضيف إلى ذلك فرقعة أصابعه.. تساهل، واستهتار، واستخفاف بالصلاة، وجهل بحقيقتها.

لقد امتدح الله عباده المؤمنين وذكر أول صفة نالوا بها الفلاح فقال: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2] قال ابن عمر: «كانوا إذا قاموا في الصلاة أقبلوا على صلاتهم، وخفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم، وعلموا أن الله يُقبل عليهم، فلا يلتفتون يمينًا ولا شمالًا».

وقد رأى بعض السلف رجلًا يعبث بيده في الصلاة فقال: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه).

وكان عبد الله بن الزبير إذا قام في الصلاة فكأنه عود من الخشوع، وكان يسجد فتنزل العصافير على ظهره، لا تحسبه إلا جذعًا أو حائطًا أو خشبة منصوبة لا تتحرك.

وعن ميمون بن حيان قال: (ما رأيت مسلم بن يسار ملتفتًا في صلاته قط، خفيفة ولا طويلة؛ ولقد انهدمت ناحية من المسجد، ففزع أهل السوق لهدمه، وإنه لفي المسجد، في الصلاة؛ فما التفت).

وعن عبد الله بن عون قال: (رأيت مسلم بن يسار يصلي، كأنه وتد، لا يميل، على قدم مرة، ولا على قدم مرة؛ ولا يتحرك له ثوب. وكان إذا دخل منزله سكت أهل بيته، فإذا قام يصلي تكلموا، أو ضحكوا، علمًا منهم بأن قلبه مشغول عنهم، وكان يقول: إلهي، متى ألقاك وأنت راضٍ).

وعن الأعمش قال: كان إبراهيم التيمي إذا سجد تجيء العصافير تستقر على ظهره كأنه جذم حائط.

فأين نحن من هؤلاء؟ وإنهم لم يبلغوا ما بلغوه دفعة واحدة، بل مع دوام الاستعانة والمجاهدة، فمن صدق مع نفسه ترقَّى إلى مراتب الكمال في العبادات والعادات والآداب والمعاملات، ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

الأمر الخامس: عدم تسوية الصفوف وعدم تسديد الفُرج:

فقد تساهل به البعض، حتى صار لا يهمه إلا أن يقف في الصف فقط، أما كونه متقدم أو متأخر أو بينه وبين أخيه مسافة فهذا ليس عنده بشـيء، وقد قال رسول الله ﷺ: «أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفًا قطعه الله»[15].

وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها، فقلنا: يا رسول الله! وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف»[16].

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة»[17].

ويقول الرسول ﷺ: «لتسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم»[18]. فهذه الأحاديث كافية بالأمر بتسوية الصفوف وتعديلها، ودالة على اهتمام الرسول وصحابته بها، فعلينا الاقتداء بنبينا وأصحابه.

الأمر السادس: إيذاء المصلين برائحة لا تليق كأكل الثوم والبصل:

البعض قد لا يتنبه لهذه المسألة ولا يشعر بها إلا حينما يتأذى بها من غيره، ومن الآداب الشرعية والأخلاق المرعية أن يحرص الإنسان على طيب رائحته في أي مكان يكون فيه، ومع أي شخص يجلس معه، فكيف إذا كان ذلك في خير البقاع، وعند الوقوف بين يدي الله، لأداء أعظم فرائض الله!

لهذا فقد نهى النبي ﷺ من أكله ثومًا أو بصلًا أن يحضر المسجد، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «من أكل هذه الشجرة؛ فلا يقربنا، ولا يصلين معنا»[19].

وعن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «من أكل ثومًا أو بصلًا؛ فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا»[20]، وفي رواية لمسلم: «من أكل الثوم والبصل والكراث؛ فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم»[21]. ويقاس على ما ذكر كل ذي ريح كريه كالدخان ونحوه، وهذا كله من محاسن الإسلام وحرصه على تآلف الناس، وإبعاد كل ما من شأنه تنفيرهم، أو تفريق جموعهم.

الأمر السابع: التشويش على الناس بنغمات الهواتف:

هذه ظاهرة حديثة، ومخالفة شاعت، وأخطاء تكررت، فإن البعض من الإخوة وفقهم الله، قد يضعون لهواتفهم نغمات موسيقية لا يقرها الشـرع، ولا تليق بالمسلم العاقل، ثم يضيفون إلى ذلك أن تكون هواتفهم مفتوحة وقت الصلاة، فإذا داهمهم أحد باتصال، تشوّش بذلك خشوعهم وخشوع المصلين معهم؛ وأصبحوا في موقف حرج وحالة لا يُحسدون عليها، نتيجة تلك الاتصالات التي كانت بمثابة مُشغل لتلك الأغاني والنغمات الصاخبة.

وإن من اللائق بالمسلم أن يضع لهاتفه عبارة عن منبّه ينبّهه فقط إلى ورود مكالمة، لا أن تكون كما لو أنه يفتتح حفلة غنائية كلما جاءته مكالمة لكونه يحب سماع تلك الأغنية أو الموسيقى مرارًا.

ثم إن من توقير الصلاة وتعظيم شعائر الله أن يضع أحدنا هاتفه على الوضع الصامت من حين دخوله إلى المسجد، ومن نسي ذلك، فالآن، ولا يستحي أحد من الخطأ، فكلنا ذوو خطأ ونسيان، لكن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.

وقد قال عليه الصلاة والسلام لمن يزعج غيره في المسجد بقراءة القرآن: «يا أيها الناس كلكم يناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة فتؤذوا المؤمنين»[22]. فكيف بالكلام؟

أيها الإخوة: هذه خصال ذكرناها؛ بعضها يبطل الصلاة، وبعضها ينقص أجرها وثوابها؛ فاجتنبوها رحمكم الله، وجعلنا الله جميعًا من المصلين المفلحين.

صلوا وسلموا على خير عباد الله؛ فقد أمركم الله بذلك، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]..

صاحب هذه الخطبة

الشيخ / محمد بن سليمان المحيسني

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة