لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين
لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين
الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتّقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له قيّوم السموات والأرضين، وأشهد أن سيّدنا ونبيّنا محمّدًا عبد الله ورسوله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وقائد الغرّ المجَّلين، صلّى الله وسلّم وبارك عليه وعلى آله الطيّبين الطاهرين، وعلى أصحابه الغرّ الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأوصيكم -إخواني- بتقوى الله تعالى والخوف منه سرًا وعلانية، فاتقوا الله -عباد الله- ما استطعتم، وتدارَكوا بالتوبة النصوحِ ما فرَّطتُم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب ارجعون لعلي اعمل صالحًا فيما تركت، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة:119]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
أيها المسلمون: إنكم حين تسعدون وتحمدون الله سبحانه أن جعلكم مسلمين وهداكم للحق المبين بحاجةٍ أيضًا إلى سؤال الله جل في علاه أن يربط على قلوبكم لتكونوا من المؤمنين.
كم نحن بحاجةٍ ماسةٍ لهذا الربط الرباني، لأننا به نستطيع إكمال الطريق إلى الله جل وعلا، وقد ذكر الله امتنانه على عباده بالربط على قلوبهم في مواضع هم في غاية الشدة والخوف، وعلى وشك الانهزام النفسي والسقوط في براثن الشيطان، لولا لطف الله وعنايته في الوقت المناسب لارتدوا على أعقابهم خاسرين.
ثلاثة مواطن يربط الله فيها على قلب من لجأ إليه واستعان به وتوكل عليه:
الموطن الأول: عند الجهاد في سبيل الله تعالى، في معركة بدر الكبرى يحتف المشـركون بالمسلمين في كثرةٍ كاثرةٍ من العدد والعتاد، والقوة والبأس، وهم في ضعف إلا بالله، وقلة إلا مع الله، وخوف إلا من الله، فلما علم الله ما في قلوبهم جاء نصره لهم، وربطه على قلوبهم، وتأييده بملائكته لتكون معهم، فينتصروا على الكافرين. قال تعالى: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾ [الأنفال:11].
أيها المسلمون:
الموطن الثاني: عند قول كلمة الحق أمام من لا يقبل بها من سلطان أو غيره وهو ذو بأس وجاه وقوة، وأعظم الحق الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله تعالى وعدم الشـرك به سبحانه، فيدعو المؤمن بالله جل وعلا من كفر بالله وخالف أمره، فإنهم إن أرادوا أن يبطشوا به حين واجههم بالقول السديد، ونطق لهم بالحق وأخذهم بالوعد والوعيد، هنا يربط الله على قلبه ويثبته حتى يقول بالحق وبه يعدل.
انظروا كيف نصر الله الفتية الصالحين حين أخذوا على أنفسهم أن يدعوا أقوامهم لتوحيد الله ويعبدوه وحده لا يشركون به شيئًا، فلما أراد الكفار أن يبطشوا بهم ويقتلوهم وينكلوا بهم حماهم الله وحفظهم وربط على قلوبهم حتى لا يفتنوا فينكبوا على وجوههم كافرين. قال تعالى: ﴿ وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ﴾ [الكهف:14].
لما فتح عبد الله بن علي دمشق ذُكر أنه قتل في يوم واحد ستا وثلاثين ألفًا من المسلمين، وأدخل بغاله وخيوله في المسجد الأموي الجامع الكبير، ثم جلس للناس وقال للوزراء: (هل يعارضني أحد؟ قالوا: لا، قال: هل ترون أحدًا سوف يعترض عليّ؟ قالوا: إن كان فالأوزاعي والأوزاعي محدّث الشام وعالمها، أمير المؤمنين في الحديث، أبو عمرو، كان زاهدًا عابدًا، من رواة البخاري ومسلم. قال: فأتوني به، فذهب الجنود للأوزاعي فما تحرك من مكانه، قالوا: يُريدك عبد الله بن علي، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، انتظروني قليلًا، فذهب فاغتسل، ولبس أكفانه تحت الثياب؛ لأنه يعرف أن المسألة موت أحمر ودماء. ثم قال لنفسه: الآن آن لك يا أوزاعي أن تقول كلمة الحق، لا تخشى في الله لومة لائم. فدخل على هذا السلطان الجبار، قال الأوزاعي وهو يصف القصة: فدخلت فإذا أساطين من الجنود صفَّان قد سلُّوا السيوف، فدخلت من تحت السيوف؛ حتى بلغت إليه، وقد جلس على سرير، وبيده خيزران، وقد انعقد جبينه عقدة من الغضب، قال: فلما رأيته، والله الذي لا إله إلا هو كأنه أمامي ذباب، قال: فما تذكرت أحدًا، لا أهلًا، ولا مالًا، ولا زوجة، وإنما تذكرت عرش الرحمن إذا برز للناس يوم الحساب، قال: فرفع بصره وقال: يا أوزاعي، ما تقول في الدماء التي أرقناها؟ قال الأوزاعي: حدّثنا فلان، قال: حدثنا ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: الثَّيِّبُ الزَّاني، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْـمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ»[1]، فإن كان من قتلتهم من هؤلاء فقد أصبت، وإن لم يكونوا منهم فدماؤهم في عنقك. قال: فنكتَ بالخيزران ورفعت رأسي أنتظر السيف، ورأيت من حوله يستجمعون ثيابهم ويرفعونها عن الدم. قال: وما رأيك في الأموال التي أخذناها؟ قال الأوزاعي: إن كانت حلالًا فحساب، وإن كانت حرامًا فعقاب! قال: خذ هذه البدرة كيس مملوء من الذهب، قال الأوزاعي: لا أريد المال، قال: فغمزني أحد الوزراء، يعني خذها، لأنه يريد أدنى علة ليقتل، قال: فأخذ الكيس ووزَّعه على الجنود وهو يخرج، حتى بقي الكيس فارغًا، فرمى به وخرج، فلما خرج قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قلناها يوم دخلنا وقلناها يوم خرجنا. ﴿ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [آل عمران:174]).
بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعنا بما فيهما من البينات والحكمة، أقول قولي هذا...
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: أيها المسلمون:
والموطن الثالث من مواطن الربط على القلب: عند المصائب والابتلاءات.
فإن البلاء لا يزال بالمؤمن يأتيه ويصاب منه حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة، إلا أن هذه المصائب قد تهز إيمان المرء وتفرغ قلبه من كل شيء، فيحتاج حينها إلى عون الله وتوفيقه أن يثبّته عند المصيبة ويربط على قلبه ليكون المؤمنين.
أوحى الله إلى أم موسى عليه السلام حينما كان رضيعًا إذا خافت عليه من بطش فرعون وجنوده أن ترميه في البحر، ووعدها أن يرده إليها، إلا أن الحبل المربوط بسرير موسى انقطع وسار إلى قصر فرعون وأخذه آل فرعون، ففزعت أم موسى وخافت أن يقع به ما وقع لبني إسرائيل من القتل والتنكيل، فأصبح فؤادها كما أخبر الله فارغًا من أي شيء إلا من التفكير في موسى وكيف تسترجعه من جديد، حتى إنها همت أن تذهب لقصر فرعون فتخبرهم أنه ابنها لولا أن ربط الله على قلبها وثبتها على الحق حتى تمضي حكمة الله ولتكون من المؤمنين. قال تعالى: ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [القصص:10].
إن الإنسان قد يظن نفسه قويًا فإذا جاءته المصائب ضعف وتسخط على الله واعترض على أقداره المؤلمة، فإذا تقوى بالذكر وتحلى بالصبر ربط الله على قلبه ليكون المؤمنين.
إن إبراهيم عليه السلام لما أوقد قومه له النار وأرادوا قذفه بها قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وصبر، فأنجاه الله منها، ونبينا محمد ﷺ وأصحابه Ȋ لما اجتمع عليهم الأحزاب قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم.
إن صفة الثبات على الإسلام والاستمرار على منهج الحق نعمة عظيمة حبا الله بها أولياءه وصفوة خلقه، وامتن عليهم بها، فقال مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء:74].
عباد الله:
إن من أعظم وسائل الثبات: تلاوة القرآن وتدبره والعمل به، إن من حق القرآن علينا أن نتدبر معانيه، وأن نفهم مقاصده ذلك أن القرآن هو كتاب الله الخالد، ومعجزة رسوله الباقية، ونعمته السابغة، وحكمته الدامغة، وهو ينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، أنزله الله على رسوله ﷺ لنقرأه تدبرًا، ونتأمله تبصرًا، ونسعد به تذكرًا، ونجتهد في إقامة أوامره ونواهيه، وعلمًا تزداد البصائر فيه تأملًا فيزيدها هداية وثباتًا وتبصرًا. قال تعالى: ﴿ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَىٰ ﴾ [ص:29].
لقد أنزل الله القرآن ليكون بشيرًا ونذيرًا، وهاديًا إلى ما ارتضى له من دينه، فما أشرفه من كتاب يتضمن صدق متحمله، بيَّن فيه سبحانه أن حجته كافية هادية، لا يحتاج مع وضوحها إلى بينة تعدوها أو حجة تتلوها، و القرآن الكريم وسيلة التثبيت الأولى للمؤمنين، ولقد أنزل الله القرآن العظيم منجَّمًا مفصلًا، وجعل الغاية منه هي التثبيت لقلب النبي ﷺ. قال تعالى:﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ﴾ [الفرقان:32].
أيها الإخوة الكرام: كونوا مع الله في الرخاء يكن معكم في الشدة والبلاء، إن العبد ما اعتصم بالله لو كادته السموات والأرض جعل الله له من بينها فرجًا وخرجًا.
ألا وصلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير.