حجم الخط:

هدي النبي في تصحيح الأخطاء

الخطبة الأولى:

الحمد لله، الحمد لله خلقَ وأمَر، وملكَ فقهَر، وأراد فقدَّر، أحمده سبحانه وأشكرُه وهبَ وأعطى، وأغنَى وأقنَى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الحمدُ في الآخرة والأولى، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه صفوةُ الأخيار وقُدوةُ الأبرار، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابِه أهل الفضل والتُّقى، ما وهَنوا لما أصابَهم في سبيل الله وما ضعُفُوا وما استكانُوا، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فأُوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله -رحمكم الله- واعبدوه، اجتمِعوا على الرحمة والمحبّة والطاعة، ولا تتفرَّقوا على الشَّحناء والهوى والمعصية.

بطاعة ربِّكم تزيَّنوا، ومن الذنوب توبوا وتطهَّروا، وعن باب مولاكم فلا تبرَحوا؛ لعلَّكم في جنات عدنٍ أن تُحضَـروا. من تفكَّر بعواقب الدنيا أخذَ بالحذَر، ومن أيقنَ بطول الطريق تأهَّب للسفر.

أيها الناس: لا يَخلو أفراد المجتمع منَ الأخطاء، فالخَطَأ والتقصير يَحْصُل في بُيُوتنا، وفي شوارعنا، وفي مدارسنا، وفي مَقرِّ أعمالنا، وفي مساجدنا، ومما لا يُختَلَف فيه أنَّ سَيَّد المُرَبِّين، وإمامَ المصلحين محمد بن عبد الله، قد بَعَثَهُ الله لإصلاح الدِّين والدُّنيا، فباتِّباعِ هَدْيِه يسعَدُ الناس في مَعَاشِهم ومَعَادِهم، وَلَعَلِّي أذْكُر طَرَفًا مِن مواقف النَّبِيِّ في تصحيح بعض الأخطاء، ودَفْع الناس إلى التَّرَقِّي في صفاتِ الكمال.

فمِنْ هَدْي النبي : تصحيحُ الأخطاء، والتَّنبيه عليها، مِن غير ذِكْر مَن وَقَعَ فيها، فهذا مظنَّة الانتفاع أكثر، فلا يقع في نفس الشخص المُراد توجيهه شيءٌ، أو حَرَج، ولا يَتَعَرَّض لِقَدْح مِن بعضِ الناس، وكذلك الخِطاب يكون عامًّا لكُلِّ مَن وَقَع في الخَطَأ، فيظنُّ أنَّه المقصود بالخطاب، بِخِلاف لو حدد الشخص؛ فعنْ أنس: أنَّ نَفَرًا مِن أصحاب النَّبي سَأَلوا أزواج النَّبِي عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أَتَزَوَّج النِّساءَ، وقال بعضهم: لا آكُل اللَّحْم، وقال بعضهم: لا أنام على فِراش، فحَمِدَ الله، وأَثْنى عليه، وقال: «ما بال أقوام قالوا: كذا وكذا!! لكني أُصَلِّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأَتَزَوَّج النساء؛ فَمَنْ رَغِب عنْ سُنَّتِي فليْسَ مني»[1].

وهذا في كتاب ربِّنا كثيرٌ: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ [التوبة:58]، ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [التوبة:75].

ومِن هَدْي النَّبي في تصحيح الأخطاء الاكتفاءُ بالتلميح، دون التَّصريح أحيانًا؛ فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: سألتُ رسول الله فأعطانِي، ثم سألتُه فأعطاني، ثم سألتُه فأعطاني، ثم قال: «يا حكيم: إنَّ هذا المال خضرة حلوة، فمَن أخذه بِسَخَاوَة نفس بورِكَ له فيه، ومَن أخذه بإشراف نفس لَمْ يبارَكْ له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع، اليدُ العليا خيرٌ منَ اليد السُّفلَى»، قال حكيم: فقلتُ: يا رسول الله: والذي بعثَكَ بالحق، لا أرزأ أحدًا بعدكَ شيئًا حتى أفارقَ الدنيا، فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيمًا إلى العَطَاء، فيأبَى أن يقبَلَه منه، ثم إنَّ عمر رضي الله عنه دعاهُ لِيُعْطِيَه، فأبى أن يقبلَ منه شيئًا، فقال عمر: «إنِّي أُشْهِدكم -يا معشـر المسلمين- على حكيم، أنِّي أعْرضُ عليه حَقَّه مِن هذا الفَيء، فيأبَى أن يأخذَه». فلم يرزأ حكيم أحدًا منَ الناس بعد رسول الله حتى توفِّي[2].

فحينما كَرَّرَ حكيم المسألةَ، كَرِه له النَّبي ذلك، لا سِيَّما مع غِناه، فلَمْ يُصَـرِّح له النبي بِكَراهة ذلك؛ بل رأى أنَّ التلميحَ كافٍ، فَلَمْ يَجْرح مشاعر حكيم بكلمة، وأَوْصَل ما يُريد إيصاله إليه؛ فلذا الْتَزَم حكيم بهذا التوجيه، ولم يأخُذْ حتى حَقَّه مِنَ العطاء.

إخوتي: الصغير تبدر منه الأخطاء مِن غير قصدِ الإساءَة، وتعمُّد إيذاء الآخرين، فلا ينبغي أن يُكْثَرَ معه العتب والتوبيخ، فضلًا عنِ العقاب، فَأَنَس بن مالك كان صغيرًا، وخَدَمَ النبي حين قدِمَ المدينة حتى لحقَ بالرفيق الأعلى، وكان يَتَوَانَى بالحاجة أحيانًا، ويقع منه ما يقع منَ الصبيان، ولم يَكُن يعتب عليه النبي أو يُوَبِّخه؛ فعَنْه قال: «خدمْتُ رسول الله عشر سنين، واللهِ ما قال لي: أفٍّ قط، ولا قال لي لشـيءٍ فعلتُه: لم فعلتَ كذا، وهلاَّ فعلتَ كذا»[3].

وحينما يُخْطئ الصغير، ويحتاج الأمرُ إلى تَنْبيهٍ وتوجيهٍ، كان مِن هَدْي النبي التَّنبيه بكلماتٍ يسيراتٍ؛ ليتمَّ حِفْظها، وَوَعْيها مع اللُّطْف في العبارة، والرِّفْق بالتَّوجيه؛ فعن عمر بن أبي سلمة، قال: كنتُ غلامًا في حجْرِ رسول الله ، وكانتْ يدي تطيش في الصَّحفة، فقال لي رسول الله : «يا غلامُ: سَمِّ الله، وكُل بيمينكَ، وكُل ممَّا يليك». فما زالتْ تلك طعمتي بعدُ[4].

حين التوجيه وإصلاح الأخطاء تُذْكَرُ محاسن الشخص، وصفات الكمال التي فيه، وأنه قريبٌ منَ الكمال؛ لكنه ينقصه كذا وكذا، بِخِلاف تناسِي الحسنات، والتَّركيز على الأخطاء، فهذا مظنَّة عدم الاستجابة، فالمُوَجَّه يقع في نفسه أنه لا خير فيه، فلا يَحْرص على تصحيح الأخطاء، والتَّرَقِّي في درجات الكمال؛ فعن عبد الله بن عمر، قال: كنتُ غلامًا شابًّا، وكنتُ أنام في المسجد على عهد رسول الله ، فَرَأَيْتُ في النَّوم كأنَّ مَلَكَينِ أَخَذَانِي، فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطويَّة كَطَيِّ البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلتُ أقول: أعوذ بالله منَ النار، قال: فَلَقِيَنا مَلَكٌ آخر؛ فقال لي: لم ترع، فَقَصَصْتها على حفصة، فَقَصَّتْها حفصة على رسول الله فقال: «نِعْم الرَّجل عبد الله، لو كان يُصَلِّي منَ الليل». فكان بعدُ لا ينام منَ اللَّيل إلاَّ قليلًا[5].

حينما يُخْطِئ الشَّخص لا ينظر إلى هذا الخطأ بمعزل عن صاحبه، وبذله، وسابقته في الإسلام؛ بل ينظُر في حسناته، وهل له منَ الأشياء التي تشفع له، فحينما نَقَلَ حاطِب بن أبي بَلْتَعَة أخبارَ المسلمين إلى كُفَّار قريش، قال عمر بن الخطاب: إنَّه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فَدَعنِي أَضْرب عُنُقه، فقال النبي : «يا عمر: وما يُدريكَ؟! لعلَّ اللهَ قدِ اطَّلَع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد وجبتْ لكم الجنة»، قال: فدمعتْ عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم[6].

فعذره النبي بهذا الخطأ، الذي هو في اصطلاح المتأخرين الخيانة العظمى؛ لسابقته في الإسلام، وشهود بَدْر

الخطبة الثانية:

الحمد لله ربِّ العالمينَ، والصلاة والسلام على مَن وَصَفَه ربُّه بِقَوْله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].

وبعدُ:

فأكثر المواقف تحتاج إلى قوَّة في ضبط النَّفس، وكَظْم الغيظ، والتغاضي وسعة الصدر، وعدم العمل وَفْق ما يدعو إليه الغَضَب؛ خصوصًا ما يَحْصُل منَ التَّصَـرُّفات التي لا تُرْضَى منَ الأهل، وأكثر مسائل الطلاق، سببُها اختلافٌ على مشاكل يَسِيرة في الغالب، يُؤَجِّجُها الغَضَب؛ فلذا يُطَلِّق المُطَلِّق، ومِن ساعته يبحث عَنْ مخرجٍ؛ لترجعَ إليه زوجه، فمِن مواقف النبي التي تُبَيِّن حسن تعامُله في مُعالَجة أخطاء الأهل، ما رواهُ أنس رضي الله عنه قال: كان النبي عند بعض نِسائِه، فأرسلتْ إحدى أمهات المؤمنين بصَحْفَة، فيها طعام، فضـربتِ التي النبي في بيتها يدَ الخادم، فسقطتِ الصَحْفَة، فانفَلَقَتْ، فجمع النبي فِلَق الصَحْفَة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصَحْفَة، ويقول: «غارت أمُّكم»، ثم حبس الخادم حتى أَتَى بصَحْفَة مِن عند التي هو في بيتها، فدفع الصَّحْفَة الصحيحة إلى التي كُسِرَت صحفتُها، وأمسك المكسورة في بيت التي كَسَرَتْ[7].

عالَجَ النبي الموقفَ بالعدل، بعيدًا عَن الانفعالات والهَيَجَان، فلم يُحابِ عائشة حينما كسرتِ الصَّحفة، فضمَّنها الصَّحفة، وأعطى المرأة المكسورة صحفتُها صحفةَ عائشة السليمة، ولم يُؤاخِذ عائشة بما صدر منها؛ لأنَّ الغيراء في تلك الحالة يكون عقلها محجوبًا بشدَّة الغضب الذي أثارَتْه الغَيْرة؛ بلِ الْتَمَسَ لها العُذر، وأشارَ بِقَوْله: «غارت أمُّكم» إلى أصحابه، ألاَّ يُؤَثِّر هذا الموقف في قدرها عندكم، فهي وإن كسرتِ القصعة فهي أمُّكم، لها قَدْرُها ومنزلتُها، التي بَوَّأَها الله، فلا تَبْخَسُوها قدرها. والله أعلم.

إخوتي: لو أنَّ هذا الموقف حَصَلَ لأحدنا، ماذا تظنون أنَّا نفعل؟!

إخوتي: ما أحوجنا إلى مجاهَدَة أنفسنا ومغالبتها؛ حتى نَتَمَكَّنَ منها، فلا تبدر منا تصرفات في حال الغضب نندم عليها، ونحتاج إلى الاعتذار منها، فليستِ القوة بالعضلات المفتولة؛ بلِ القوة الحقيقيَّة قوة النفس والإرادة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله قال: «ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغَضَب»[8].

إخوتي: البعض لا يخلو مِن أحد يناصِبُه العداء، ويَتَرَبَّص به، ويَتَتَبَّع عثراته وزلاته بِسَببٍ وربما بِغَيْر سبب، والسلامة مِن هؤلاء بِمُصانعتهم، والعفو عن تَجَاوزاتهم، ومقابلة السيئة بالحسنة، فيقابل العبوس بالابتسامة، ويقابل الإعراض بالسلام، ويقابل التَّنَقُّص بالاحترام، ويقابل الغيبة بالعفو والثناء، وهكذا؛ فبعد حينٍ تنقطع الإساءة؛ بل تَتَبَدَّل محبة وإحسانًا، وهذا مشاهَدٌ في واقع الناس، وجُلُّ الناس ربما هم بِمُصانعة عدوه، وتَحَمُّل زلاته؛ لكن الأمر يحتاج إلى صبرٍ، وطول نَفَس؛ فلذا الأكثر ينقطع عنِ الدفع بالتي هي أحسن؛ بل ربما دَفَعَ السَّيئةَ بالسيئة؛ ظنًّا منه أنَّ هذا الشخص لا يصلُح معه إلاَّ هذا الأسلوب في المُعامَلة، وهنا تزداد العداوة في القلوب، وتَسْتَفْحل المشكلة، وهذا ما يريده الشيطان، أمَّا ربنا عز وجل فَيُوَجِّهنا في حال وُجُود عداوةٍ بين أفراد المسلمين بقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴿٣٤﴾ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:34-35].

هذا وصلوا وسلموا على النبي المصطفى والرسول المجتبى...

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة