حجم الخط:

العمرة فضائل وأحكام

الخطبة الأولى:

الحمد لله، خلق خلقه أطوارًا، وصرفهم كيف شاء سبحانه عزةً واقتدارًا، أنزل عليهم كتبه، وأرسل إليهم رسله إعذارًا وإنذارًا، أحمد ربي وأستغفره إنه كان غفارًا، وأثني عليه بما هو أهله وأشكره، أسبغ علينا نعمه مدرارًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من يرجو لله وقارًا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، نصب به الدليل، وأنار به السبيل، فتبدلت الظلمات أنوارًا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، كانوا على الهدى أعلامًا، وعلى الحق منارًا، Ȋ وأرضاهم مهاجرين وأنصارًا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما أعقب ليل نهارًا.

أما بعد:

فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، فعليكم بتقوى الله فالزموها، وبادروا بالأعمال الصالحة والتزموها، الزمان يطوي مديد الأعمار، وكل مَنْ عليها راحل عن هذه الدار، التسويف لا يورث إلا حسرة وندمًا، وطول العمر لا يُعْقِب إلا هرمًا وسقمًا، فواعجبًا لنفوس طال على الدنيا إقبالها، وغلب عن الآخرة إعراضها وإدبارها! ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24].

عباد الله: يقول الله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]. وهذا أمر من الله تعالى في هذه الآية الكريمة بإتمام العمرة له سبحانه، فالعمرة شعيرة من شعائر ديننا الحنيف.

والعمرة في لغة العرب: الزيارة، وهي في اصطلاح فقهائنا: زيارة البيت الحرام لأداء مناسك مخصوصة.

وقد أجمع العلماء على مشـروعية العمرة، ولكنهم اختلفوا في حكمها، فقال بعضهم بوجوبها، والصحيح قول من قال باستحبابها. وأما قول الله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] فلا يدل على وجوبها، بل غاية ما في الآية الكريمة الأمر بإتمامها لمن شرع فيها.

عباد الله: العمرة طاعة عظيمة، وهي والله غنيمة، فقد جاء في السنة النبوية المطهرة ما يدل على عظيم فضلها وجزيل ثوابها، فمن فضائلها أنها تمحو الآثام وتكفر الذنوب، فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»[1] أخرجه الشيخان. وندب النبي إلى الإكثار منها؛ لأنها تنفي الذنوب والفقر عن صاحبها، فقال: «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديد والذهب»[2].

أيها المؤمنون: ليس للعمرة وقت معين، بل تقع في أي وقت من السنة ما عدا أيام الحج، وأفضل أوقاتها في رمضان؛ لقوله ﷺ: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي»[3]. فإن لم يتمكن المسلم من ذلك فليحاول القيام بها في ذي القعدة؛ لأن النبي اعتمر أربع مرات جميعها في ذي القعدة.

ومن الأخطاء أن البعض يعتقد أن للعمرة في رجب ميزة معينة، وهذا لم يثبت فيه دليل.

وأما الوقت الذي ينبغي أن يكون بين العمرة والعمرة فقد قال الإمام أحمد لما سئل: كم بين العمرتين؟ قال: (ينتظر حتى يُحَمَّمُ رأسه، أي: يسودّ بنبات الشعر عليه) وذلك بعد الحلق.

عباد الله: ومن عزم على أداء هذه العبادة العظيمة فلينتبه لعدة أمور:

فمن ذلك: أن يخلص في عبادته؛ ولا يريد بعمله الدنيا أو الرياء والسمعة، لأن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا وابتُغي به وجهه، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر:11]، وقال تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110].

ومنها: أن يقف على أحكامها ويتعلم هدي النبي ﷺ فيها؛ لأن الله لا يقبل العمل إذا خالف هدي النبي ﷺ، ولذا قال النبي لأصحابه يوم حجة الوادع: «لتأخذوا عني مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه»[4].

ومنها التوبة ورد المظالم، قال ﷺ: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضَى ما عليه أُخِذ من خطاياهم فطُرِحت عليه، ثم طُرِح في النار»[5].

ومنها: أن يتزود لعمرته لئلا يريق ماء وجهه بسؤال الناس، كما في الحديث: «من تكفَّل لي أن لا يسأل شيئًا وأتكفّل له بالجنة؟» فقال ثوبان: أنا، فكان لا يسأل أحدًا شيئًا[6].

ومنها أن يتحرى المال الحلال في نفقته؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.

عباد الله: وصفة العمرة أن يُحرم المعتمر من الميقات، فيتجرّد من لباسه، ويلبس الإزار والرداء، وله أن يتطيب في بدنه قبل أن ينوي الإحرام، وينبغي أن يختار البياض من الثياب، ولا يحل له أن يلبس الخُفّ إلا إذا لم يجد غيره، وليس للمرأة ثياب معينة لإحرامها، بل حجابها الشرعي هو إحرامها، لكنها لا تَنْتَقِب ولا تلبس القفّازين؛ لقوله ﷺ: «لا تَنْتَقِب المحرمة، ولا تلبس القفّازين»[7]. ولكن إذا مرَّ الرجال بها سترت وجهها دون أن تنتقب.

ثم يشرع المعتمر في التلبية بعد أن يقول: لبيك اللهم عمرة، فيلبي قائلًا: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. يكررها ويجهر بها في الطرقات، وهذا هو هدي النبي ﷺ، حتى إذا بلغ البيت وبدأ في الطواف قطع التلبية.

ويبدأ الطواف بمجرد دخوله إلى المسجد الحرام، والبداية تكون عند الحجر الأسود، فإن استطاع أن يستلمه استلمه وقبّله وكبّر، ثم بدأ طوافه، وإلا استلمه بعصا ونحوها وقبّل ما استلم به، وإن لم يتيسر له شيء من ذلك أشار إليه إشارة - دون أن يقبّل يديه - قائلًا: بسم الله، الله أكبر، ثم يبدأ الطواف ويجب أن يكون على طهارة.

فإذا جاء إلى الركن اليماني وهو الركن السابق للحجر الأسود استلمه بلا تقبيل، ويقول حين يطوف بينه وبين الحجر الأسود: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201] ويكون طوافه بالبيت على طهارة.

وفي الطواف سُنّتان: الرَّمَل، وهو الإسراع في المشي في الأشواط الثلاثة الأولى مع تقارب الخطى. والاضْطِبَاع: وهو أن يجعل طرفي ردائه على كتفه الأيسـر، ويُبدي الكتف الأيمن، ويكون هكذا في الطواف كله، فإذا فرغ من طوافه أعاد ثيابه فوق كتفه، ولا يصلي ركعتي الطواف مُضْطَبِعًا.

والمرأة إذا أحرمت ثم حاضت بقيت على إحرامها حتى تطهر، ثم تطوف بالبيت، ولا تطوف بحيضتها.

وإذا شك الطائف في عدد الأشواط بنى على الأقل، وإذا أقيمت الصلاة صلى وأكمل طوافه ولم يستأنف من جديد، ولا يطوف داخل الحِجْر الذي يسمى بحِجْر إسماعيل، وإسماعيل عليه السلام لا علاقة له به؛ فالحِجْر جزء من الكعبة.

فإذا فرغ من الطواف قصد المقام وقرأ: ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، وصلّى خلفه ركعتين إن تيسّر له ذلك، وإلا ففي أي مكان من المسجد، يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب وسورة الكافرون، وفي الثانية بالفاتحة والإخلاص، وليشرب من ماء زمزم ويستلم الحَجَر الأسود إن تيسر له ذلك.

ثم يذهب إلى جبل الصفا، ويقرأ قبيل الوصول إليه: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158]، ويقول: أبدأ بما بدأ الله به. ثم يرقى الصفا حتى يعاين الكعبة، فيستقبلها ويرفع يديه قائلًا: الله أكبر ثلاثًا لا إله إلا وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم يدعو بخيري الدنيا والآخرة، ثم يقول الذكر، ثم يدعو، ثم يكرر الذكر، ثم ينصرف ساعيًا إلى المروة، فإذا وصل بين العلمين الأخضرين أسرع من غير أن يؤذي أحدًا، فإن لم يتمكن من ذلك إلا بأذية بعض المسلمين فلا يركض؛ لأن ترك الأذية واجب، والركض مستحب، والواجب مقدم على المستحب.

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم وللمؤمنين، فيا فوز المستغفرين.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: يسعى المعتمر سبعة أشواط، الذهاب من الصفا إلى المروة شوط، والإياب منها إلى الصفا شوط، فيبدأ بالصفا وينتهي بالمروة، فإذا فرغ من السعي خرج من المروة فحلق أو قصر، والحلق أفضل؛ لأن النبي ﷺ دعا للمحلّقين ثلاث مرات، وللمقصّرين مرة واحدة. والواجب أن يعمّ المعتمر كل شعر رأسه سواء بالحلق أو التقصير، أما تقصير بعض الشعر من بعض أجزاء الرأس فهذا ليس من هدي النبي في شيء. وأما المرأة فليس عليها حلق، وإنما تأخذ من شعرها قَدْر أُنملة من كل ضَفِيرة فيه.

عباد الله: ومما ينبغي التنبه له أن المرأة يسقط عنها الحج والعمرة إذا لم تجد المحرم، تيسيرًا عليها وحفظًا لها، فلا يجوز لها الحج أو العمرة بلا زوج أو محرم، فعن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم»، فقال رجل: يا رسول الله، إني اكتُتبت في غزوة كذا وكذا وامرأتي حاجة، فقال: «ارجع فحُجَّ مع امرأتك»[8].

ومما ينبغي للمعتمر والزائر لبيت الله: التحلي بالأخلاق النبيلة والآداب الفاضلة، في الظعن والإقامة، والحل والترحال، فإن أثقل شيء في ميزان المؤمن حسن الخلق، وإن المؤمن ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم، ولقد كان السلف أحسن الناس أخلاقًا وأكثرهم خدمة لرفقتهم، بل كان بعضهم يشترط على رفقته أن يكون أميرهم في السفر لا لشـيء إلا ليخدمهم، فإذا سافروا قام يخدمهم، فمن جاء ليعاونه أمره بالقعود وألزمه بألا يفعل شيئًا! وقيل لابن عباس: لقد سافرنا فكان معنا فلان، وكان من أكثرنا صلاة. فقال ابن عباس: «من كان يخدمكم؟ قالوا: فلان. قال: ذاك أكثركم أجرًا».

ومن ذلك الرفق ولين الجانب مع من يسافر ويقيم برفقتهم، مع غض البصـر، وحفظ السر، والأمانة، والصدق، والعفو والصفح والتغاضي، وإعانة الغير على الخير، وإرشاد الجاهل، وبذل الندى، وكف الأذى، واحتمال الأذى، فإن السفر سمي سفرًا؛ لكونه يُسفر عن أخلاق صاحبه، لما فيه من مشقة تُخرج حقيقة الأخلاق والآداب والطباع.

واعلموا وفقكم الله أن زيارة المسجد النبوي سنة نُدِبنا إليها، ولكن لا علاقة لذلك بمناسك الحج أو العمرة، فمن اعتمر أو حج ولم يزر المسجد النبوي فلا إثم عليه ولا حرج، وإن تمكن من الزيارة فهو أفضل، ولكنه ينوي بها زيارة المسجد النبوي لا القبر؛ لقول النبي ﷺ: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»[9].

ومن الأخطاء أن الناس يُحَمّلون المعتمر السلام للنبي ﷺ، ويقولون: قل له: فلان يسلم عليك! وهؤلاء ينبغي أن يُوجَّهوا بحديث النبي: «إن لله ملائكة سيّاحين يبلغوني عن أمتي السلام»[10]. فمن يُسر الشريعة ومن رحمة الله وفضله أن كل من يصلي ويسلم على النبي ﷺ من أمته؛ فإن صلاتهم وسلامهم تبلغه منهم حيثما كانوا.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة