حجم الخط:

التواضع

الخطبة الأولى:

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا، ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له؛ وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدين.

أمَّا بعد: فيا أيُّها الناسُ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى.

عباد الله: التواضع خلقٌ حميدٌ، وخصلةٌ كريمةٌ ينال بها العبد بعد رضا الله رضا الناس عنه، فالمتواضع يحبه الناس ويألفونه ويطمئنون إليه، والتواضع حقيقته ترك التعالي والتكبر على عباد الله، والمسلم حقًا يحب إخوانه المسلمين، وينظر إليهم نظرة الاحترام والتقدير، وإن تفاوتت المنازل من غنىً إلى فقر، أو ضعف أو علم أو غير ذلك، هو ينظر إليهم مهما كانت الفوارق في الجاه أو في المنزلة أو في المكانة الاجتماعية، كل هذه الأمور لا تُذهب التواضع عنه، بل تؤصل التواضع في نفسه.

أيها المسلم: والتواضع خلق كريم ينال به العبد محبة الله، ثم كسب القلوب إليه، وقد أمر الله بالتواضع في كتابه العزيز مخاطبًا نبيه بقوله: ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر:88]، وقال: ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:215]، وقال مُنوّهًا بعباده المؤمنين: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان:63]، وقال جل وعلا: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ﴿٣٧﴾ كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء:37-38]

أيها المسلمون: إن الإنسان إذا كسب شيئًا من حطام الدنيا الفانية، فزاده ذلك مرتبة عند الخلق، تشرئب نفسه إلى التعالي على الناس، وتسوّل له أنه خير منهم، وأعلى درجة منهم، فتتصف نفسه بداء الكبر، الذي هو أصل مادة الشرك والكفر، فهو داء إبليس اللعين، عندما أُمر بالسجود لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين.

فكل متكبر تلميذ لإبليس، يقوده إلى مهاوي الردى، بل إلى النار والعياذ بالله، ولذا نجد أن الكبر من أخلاق الكفار والفراعنة، والتواضع من أخلاق الأنبياء والصالحين، فقد وصف سبحانه الكفار بقوله: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات:35]، وقال سبحانه: ﴿ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ [العنكبوت:39].

وقد أخبر سبحانه أنه لا يحب من اتصف بصفة الكبر، واصفًا نفسه الكريمة: ﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ [النحل:23]، وجعل سبحانه النار مثوى للمتكبرين، فيقال لهم يوم القيامة: ﴿ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:72].

وقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60]، ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:60]، ولشناعة هذا الداء أخبر المصطفى أن اليسير من هذا الداء يمنع دخول صاحبه الجنة، فقال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»[1].

فكم يا ترى في قلوبنا لا نقول: من مثاقيل الذر، بل من مثاقيل الجبال ومكاييل البحار من الكبر؟! نسأل الله العفو والعافية، والسلامة والهداية.

معاشر المسلمين: لنحاسب أنفسنا، فكم من متكبر وهو بنفسه لا يشعر!! ولكي يتسنى لك -أخي المسلم- معرفة ما في قلبك من الكبر، لا بد من معرفة حقيقة الكبر، فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث ابن مسعود قال : «الكبر بطر الحق وغمط الناس»[2].

وبطر الحق: هو دفعه وردّه على قائله، وغمط الناس: احتقارهم وازدراؤهم.

فالكبر إذًا هو افتخارك على أخيك المسلم وبغيك عليه، وعدم قبول الحق منه، قال : «إن الله تعالى أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد»[3]، قال بعض السلف: (الكبر أن ترى نفسك أفضل من غيرك).

أيها المسلمون: إن التواضع هو صفة المؤمنين المخبتين لربهم، وعلى رأسهم أنبياؤه وأصفياؤه، والتواضع هو ضد الكبر، قال حمدون القصار رحمه الله: (التواضع أن لا ترى لأحد إلى نفسك حاجة، لا في الدين ولا في الدنيا)، وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: (التواضع أن يخضع للحق وينقاد له ويقبله ممن قاله ولو كان صبيًا أو جاهلًا)، وقال آخرون: (هو خفض الجناح ولين الجانب).

أيها الناس: إن المتواضعين بهذا المقياس قليل، بل أقل من القليل، والله المستعان، فمن منا يقبل الحق من الصبي، أو من الجاهل، أو من الفقير، قال يحيى بن أبي كثير رحمه الله مفصِّلًا أمر التواضع: (رأس التواضع ثلاث: أن ترضى بالدون من المجلس، وأن تبدأ من لقيته بالسلام، وأن تكره المدحة والسمعة والرياء بالبر).

قال ابن الجوزي رحمه الله: (عجبت لمن يعجب بصورته، ويختال في مشيته، وينسى مبدأ أمره، إنما أوله لقمة، ضمت إليها جرعة ماء، طُبخت فأُخرجت منه قطرات منيّ، فاستقر في الأنثيين فحركته الشهوة، فصُبّت في بطن الأم مدة، فكان علقة ثم مضغة... حتى تكاملت صورته فخرج طفلًا يتقلب في خرق البول، وآخره: يلقى في التراب فيأكله الدود، ويصير جيفة ورفاتًا).

قلت: وهو فيما بين ذلك يحمل في جوفه الأذى!

أيها المؤمنون: إن من صور الكبر -وهو شرُّها- أن تتكبر على الله بهجرك لعبادته واستنكافك عن ذكره ودعائه، فكيف تتكبر على مولاك وهو خلقك ورزقك وسترك، وهيَّأ لك أسباب العبادة والسعادة، وصرف عنك كل مكروه.

ومن التكبُّر: التكبُّر على العباد، وذلك بأن يستعظم الإنسان نفسه ويزدري الناس أو بعضهم، وذلك إما لما رزقه الله من العلم أو الجاه، أو المنصب أو المال أو الجمال، أو نحو ذلك من حطام الدنيا.

عباد الله: من أراد التواضع فعليه أن يعرف قدر نفسه، قال أبو سليمان الداراني: (لا يتواضع العبد حتى يعرف نفسه)، وقال أبو يزيد رحمه الله: (ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو متكبر، فقيل له: فمتى يكون متواضعًا؟! قال: إذا لم ير لنفسه مقامًا ولا حالًا)! وتواضع كل إنسان على قدر معرفته بربه ومعرفته بنفسه.

واعلم -يا عبد الله- أن للمتكبرين صفات فاحذرها: منها جرّ الثياب وإسبالها، أخرج أبو داود وغيره من حديث جابر بن سليم رضي الله عنه قال رسول الله : «إياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة»[4]. ومنها: أن يحب أن يمشي الناس حوله وخلفه، ومنها: أن لا يزور بعض الناس تكبرًا، ومنها: أن يستنكف من جلوس العمال والخدم أو أكلهم بجواره، حتى إن بعضهم ليستنكف من ذلك في الصلاة، ولو اعتذر باتّساخ ملابسهم، فالله أعلم بقلوب العباد أيها أطهر، ومنها: أن لا يتعاطى أعماله بيده، بل يأمر بها أمرًا، ومنها: ذكر مكانته أو منصبه أو أمواله وتجارته تكبرًا ومباهاة، وغيره كثير.

والناصح لنفسه هو من عرّفها قدرها، وألزمها طريق المصطفى إمام المتواضعين؛ وسيد الأولين والآخرين.

اللهم إنا نعوذ بك من الكبر والحسد، ومن سوء الأخلاق، إنك سميع الدعاء.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

وبعد:

عباد الله: إن من نعمة الله على الناس أن حفظ لهم سير سلفهم الصالحين من الأنبياء والأولياء والصحابة والتابعين، لينهلوا من أخلاقهم وآدابهم، علّهم أن يسيروا على نهجهم ويقتفوا أثرهم، وإنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.

ولعلنا نستعرض بعض آثار الصالحين في التواضع، لتفقه النفوس وتلين القلوب، فها هو المصطفى كان يمر بالصبيان فيسلم عليهم، وكان يركب الحمار، ويجيب الدعوة ولو كانت على يسير من الطعام.

أخرج البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي قال: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إليّ ذراع أو كراع لقبلت»[5]، وكان يخصف نعله ويرقع ثوبه ويحلب شاته، ويعلف البعير، ويأكل مع الخادم، ويجلس مع المساكين، وكان من دعوته: اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين.

وها هو أبو بكر الصديق الخليفة الأول رضي الله عنه يسقط الخطام من يده، فينيخ الناقة ويأخذه بكل تواضع، فيقال له: لو أمرتنا نناولكه، فيقول: «إن حِبّي أمرني أن لا أسأل الناس شيئًا».

وها هو عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، يقول عنه عروة بن الزبير: «رأيت عمر بن الخطاب وعلى عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين: لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود -أي: القبائل وساداتها وعظماءها- سامعين مطيعين دخلَت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها»، وقال أنس بن مالك: «كان بين كتفَي عمر أربع رقاع، وإزاره مرقوع بأدم». وخطب عمر على المنبر وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة.

وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما أبقاك الله فيهم، قال: «ويحك! لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما اتقوا ربهم».

وللمتكبرين المتفاخرين على الناس بالأنساب والأحساب تفاخرت قريش بأنسابها عند سلمان الفارسي يومًا، فقال: لكنني خلقت من نطفة قذرة، ثم أعود جيفة مُنتنة، ثم آتي الميزان؛ فإن ثقُل فأنا كريم، وإن خفَّ فأنا لئيم.

وسئل أحمد بن حنبل عن نسبه يومًا - وهو من بني شيبان- فقال رحمه الله كلمته المشهورة: (نحن قوم مساكين، لولا ستر الله لافتضحنا).

فتواضعوا تُرفعوا، واخفضوا الجناح لإخوانكم المؤمنين، وللأقربين، وقبل ذلك الوالدين، فقد قال الله: ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24]، فالله الله في خفض الصوت والجناح، والتواضع والبر. وليعلم المسلم أن حسن المظهر وجمال اللباس جائز شرعًا وليس من الكبر، فقد قال : «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»؛ فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة! قال: «إن الله جميل يحب الجمال؛ الكبر بطر الحق وغمط الناس»[6]..

إلا أن المبالغة في الملبس تؤدي إلى الكبر، خصوصًا إذا كانت الملابس والمراكب والمآكل هي الشغل الشاغل للمسلم، فقد أخرج أبو داود من حديث أبي أمامة بن ثعلبة قال: ذكر أصحاب النبي يومًا عنده الدنيا، فقال: «ألا تسمعون! ألا تسمعون! إن البذاذة من الإيمان»[7]، قال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبي عن البذاذة فقال: (التواضع في اللباس).

ولقد كان سلف الأمة لا تغيرهم المناصب ولا الدنيا، ولا يحتقرون أحدًا صغر عنهم أو كبر، قال بكر بن عبد الله المزني: (إذا رأيتَ من هو أكبر منك فقل: سبقني بالإيمان، والعمل الصالح، فهو خير مني، وإذا رأيت من هو أصغر منك، فقل: سبقته إلى الذنوب والمعاصي فهو خير مني، وإذا رأيت إخوانك يكرمونك ويعظمونك فقل: هذا فضل أخذوا به، وإذا رأيت منهم تقصيرًا فقل: هذا ذنب أحدثته).

أيها المؤمنون: من أراد التواضع، فليحتقر نفسه في جنب الله، وليذكر هفواته وخلواته، لا أن يذكر حسناته ومساوئ غيره، فإن ذلك يبعث الكبر في نفسه، قال مالك بن دينار: (لو أن مناديًا ينادي بباب المسجد ليخرج شركم رجلًا، والله ما كان أحد يسبقني إلى الباب إلا رجلًا بفضل قوة أو سعي)، فلما بلغ ابن المبارك قوله قال: (بهذا صار مالك مالكًا).

وقال علي بن ثابت: (ما رأيت سفيان الثوري في صدر المجلس قط، إنما كان يقعد إلى جانب الحائط ويستند إلى الحائط، ويجمع بين ركبتيه).

ولما قيل لأحمد بن حنبل: جزاك الله عن الإسلام خيرًا، قال: (ومن أنا حتى يجزيني الله عن الإسلام خيرًا؟! بل جزى الله الإسلام عني خيرًا). وكان يكثر أن يقول: (أسأل الله أن يجعلنا خيرًا مما يظنون، ويغفر لنا ما لا يعلمون).

قال سفيان الثوري: (إذا عرفت نفسك لم يضـرك ما قال الناس)، وقال ابن معين: (ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه)، وكان رحمه الله يقول: (نحن قوم مساكين).

وقال إسماعيل بن إسحاق: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل أول ما لقيته: يا أبا عبد الله: ائذن لي أن أقبّل رأسك، فقال: (لم أبلغ أنا ذاك)!

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إن العبد إذا تواضع لله رفع حَكَمته»، وقال: «انتعش رفعك الله، وإذا تكبر وعدا طوره وضعه الله على الأرض»، وقال: «اخسأ خسأك الله، فهو في نفسه كبير، وفي أعين الناس حقير».

أيها المؤمنون: لنجعل أمام أعيننا دائمًا حديث المصطفى : «ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه»[8].

اللهم اجعلنا من المتواضعين الهينين اللينين، اللهم استر عيوبنا، واغفر ذنوبنا، وتوفنا مع الأبرار.

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /خالد بن عبد الله الشايع

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة