الحمد لله الذي أكمل علينا الدين، وأتم علينا النعمة، وجعل أمتنا خير أمة، وبعث فينا رسولًا منا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة، أحمده على نعمه الجمَّة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تكون لمن اعتصم بها خير عصمة، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله أرسله ربه للعالمين رحمة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاةً تبقى، وسلامًا يترى إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون: اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضل مكتسب، وطاعته أعلى نسب: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
خرج عمر بن عبدالعزيز ذات ليلة إلى المسجد ومعه رجل من الحراس، فلما دخل عمر المسجد مرَّ في الظلام برجل نائم، فأخطأ عمر وداس عليه، فرفع الرجل رأسه إليه، وقال: أمجنون أنت؟ فقال: «لا»، فتضايق الحارس وهَمَّ أن يضرب الرجل النائم فمنعه عمر، وقال: «دعوه، إنما سألني فأجبته!».
| لا يحمل الحقد من تعلو به الرتبُ |
| ولا ينال العلى مَن طبعهُ الغضبُ |
أيها المسلمون: يتفاوت الناس في مكارم الأخلاق ومقامات الإحسان وجميل السجايا والخصال، وإن العفو عن المسيء في أمر المعاش، وعن المقصـر في أدب الصحبة وحقوق المخالطة، والإغضاء عن زلته، والتجافي عن هفوته، والتغافل عن عثرته، واحتمال سقطته من أجَلِّ الصفات وأنبل الخصال؛ يقول جل في علاه: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٣﴾ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران:133-134].
وقال جل في علاه: ﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ [الشورى:37]، وقال جل في علاه: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴿٣٩﴾ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿٤٠﴾ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ﴿٤١﴾ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٤٢﴾ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [الشورى:39-43].
فشَرَعَ العدل وهو القصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو؛ قال إبراهيم النخعي رحمه الله : (كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا). رواه البخاري.
والصفح أقرب للتقوى، والصفح أكرم في العقبى، والتجاوز أحسن في الذكرى؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحدُ لله إلا رفعه»[1].
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر: «ارحموا تُرحموا، واغفروا يغفر الله لكم»[2].
أيها المسلمون: الصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، مرتبةٌ عاليةٌ، وخصلةٌ شريفةٌ، لا يقدر عليها إلا الصابرون المهتدون الموفقون؛ يقول جل في علاه: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴿٣٤﴾ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [فصلت:34-35].
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال في صفة رسول الله ﷺ: «ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا صخَّابٍ في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح»[3]. فصلوات الله وسلامه عليه.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما ضَرَبَ رسول اللهِ ﷺ شيئا قَطُّ بيده ولا امْرَأَةً ولا خَادِمًا إلا أَنْ يُجَاهِدَ في سَبِيلِ اللهِ، وما نِيلَ منه شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ من صَاحِبِهِ إلا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ من مَحَارِمِ اللهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عز وجل »[4].
| لا يبلغ المجدَ أقوامٌ وإن كَرُمُوا |
| حتى يذلوا وإن عزُّوا لأقوام |
| ويُشْتَمُوا فترى الألوان مُسْفِرَةً |
| لا صفح ذُلٍّ ولكن صفح أحلام |
أيها المسلمون: لا عافية ولا راحة ولا سعادة إلا بسلامة القلب من وساوس الضغينة، وغواشي الغل، ونيران العداوة، وحسائك الحقد، ومن أمسك في قلبه عداوة، وتربص الفرصة للنقمة، وأضمر الشر لمن أساء إليه، تكدر عيشه، واضطربت نفسه، ووهن جسده، وأُكِلَ عِرْضُه، والعافية إنما هي في التغاضي والتغافل، وقد قيل: (في إغضائك راحة أعضائك)، وقيل: (الأديب العاقل هو الفطن المتغافل)، وقيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى: (العافية عشرة أجزاء، تسعة منها في التغافل، فقال: العافية عشرة أجزاء، كلها في التغافل).
ويقول الإمام الشافعي رحمه الله:
| لما عفوت ولم أحقد على أحد |
| أرحت نفسـي من هم العداوات |
يقول جل في علاه: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف:199].
فتعافوا بينكم، وتجاوزوا عمن أساء إليكم ابتغاءً لوجه الله تعالى، ورغبةً في ثواب العفو وجزاء الصفح، واخرجوا من ضيق المناقشة إلى فسحة المسامحة، ومن حزورة المعاسرة إلى سهولة المعاشرة، واطووا بساط التقاطع والوحشة، وصلوا حبل الأخوة، وروموا أسباب المودة واقبلوا المعذرة؛ فإن قبول المعذرة من محاسن الشيم، وإذا قدرتم على المسـيء فاجعلوا العفو عنه شكرًا لله للقدرة عليه.
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: كم نعفو عن الخادم؟! فصمت رسول الله ﷺ، ثم أعاد عليه الكلام فصمت، فلما كان في الثالثة قال: «اعفُ عنه كل يوم سبعين مرة»[5].
وعن مالك بن نضلة الجُشَمي قال: قلت: يا رسول الله: الرجل أمُرُّ به فلا يقريني ولا يضيفني فيمر بي، أفأجزيه؟! قال: «لا، أقره»[6].
﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾ [النساء:149].
جعلني الله وإياكم من أهل العفو والإحسان والصفح والغفران، وعفا عنا جميعًا بمنه وكرمه وهو العفو الغفور الكريم المنان.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه.
وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون: اتقوا الله وراقبوه، وأطيعوه ولا تعصوه، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة:119].
أيها المسلمون: كم رأينا بين الأزواج والإخوان والأقارب والجيران من المحن والإحن، والفتن والدخن، والدعاوى والخصومات، والمضادة والمحادة، والغضاضة والنفرة، والشـر والفتنة، حتى شاع الطلاق وكثرت القطيعة، وتصـرمت أواصر القربى؛ فاتقوا الله -أيها المسلمون-، وراعوا حق القربة والرحم والجوار، وكُفوا عن المنازعة والقطيعة، وعالجوا الأمور بما هو لشمل القرابة أجمع، ولطريق الفرقة أقطع، وكونوا كما قال الأول:
| وإن الذي بيني وبين بني أبي |
| وبين بني عمي لمختلف جدًّا |
| إذا قدحوا لي نار حرب بزندهم |
| قدحت لهم في كل مكرمة زندًا |
| وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم |
| وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدًا |
| ولا أحمل الحقد القديم عليهمُ |
| وليس رئيس القوم من يحمل الحقدَ |
والحلم من أرقى الأخلاق وأرفعها، حتى قيل: الحلم أرفع من العقل؛ لأن الله اتصف به فقال -جلّ ثناؤه-: ﴿ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإسراء:44]، قال أكثم بن صيفي: (دعامة العقل الحلم، وجماع الأمر الصبر).
والحلم يغلب الشجاعة بمقتضى قول النبي ﷺ: «ليس الشديد بالصّرعة؛ إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»[7]. وقال معاوية لعمرو بن الأهتم: (أي الرجال أشجع؟ قال: من رد جهله بحلمه). وقال: (والحليم نادر في الناس؛ لأن شهوة النفس تأبى إلا الانكسار لها)، حتى قال الأصمعي: (لا يكاد يجتمع عشرة إلا فيهم مُقاتل أو أكثر، ويجتمع ألف ليس فيهم حليم).
شتم رجل عمر بن ذر، فقال: (يا هذا لا تغرق في شتمنا ودع للصلح موضعًا، فإني أمَتُّ مشاتمة الرجال صغيرًا، ولن أحييها كبيرًا، وإني لا أكافئ من عصى الله فيّ بأكثر من أن أطيع الله فيه).
وكان الأحنف بن قيس التميمي رحمه اللهتعالى ممن يضرب به المثل في الحلم حتى يقال: (أحلم من الأحنف)، ويذكر أن رجلًا خاصمه فقال: لئن قلت واحدة لتسمعن عشرًا، فقال له الأحنف: (لكنك إن قلت عشرًا لم تسمع واحدة).
ومن أقواله رحمه الله: (من لم يصبر على كلمة سمع كلمات، ورب غيظ قد تجرعته مخافة ما هو أشد منه، وهذا يدل على أن العلماء يتحملون القليل من السفه والجهل بدءًا لما هو أكبر منه)، ولذا كان الأحنف إذا عجبوا من حلمه قال: (إني لأجد ما تجدون؛ ولكني صبور).
وما أجمل رد الإمام الشعبي على رجل غضب عليه فأسمعه كلامًا جارحًا، فقال له الشعبي رحمه الله: (إن كنت صادقًا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك). إن مثل هذا الرد يدحض الشيطان، ويزيل الخلاف، بل يحمل المخاصم على الندم والخجل، وهذا أبلغ في الردع، وأسلم في الدين من مقابلة الجهل بالجهل، والسفه بالسفه، ومن قدر على مكافأة من أساء إليه فذلك أعظم في ردعه وتأديبه.
سب رجل علي بن الحسين رحمه الله تعالى فرمى له بقميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم، قال بعضهم: (جمع له خمس خصال محمودة: الحلم، وإسقاط الأذى، وتخليص الرجل مما يبعده من الله عز وجل ، وحمله على الندم والتوبة ورجوعه إلى المدح بعد الذم، اشترى جميع ذلك بشيء من الدنيا، فاتقوا الله ربكم وتزينوا بالحلم، فإنه من صفات عباد الرحمن).
قال ابن الأثير متحدثًا عن صلاح الدين الأيوبي: (وكان رحمه الله حليمًا حسنَ الأخلاق، متواضعًا، صبورًا على ما يكره، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره، ولا يُعلمه بذلك، ولا يتغير عليه. وبلغني أنه كان جالسًا وعنده جماعة، فرمى بعض المماليك بعضًا بسـرموز فأخطأته، ووصلت إلى صلاح الدين فأخطأته، ووقعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى يكلم جليسه; ليتغافل عنها).
فقابِلُوا الإساءة بالإحسان تُنصَروا؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رجلًا قال: يا رسول الله: إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال عليه الصلاة والسلام: «لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملَّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك»[8]. ومعنى: فكأنما تسفهم المل؛ أي فكأنما تطعمهم الرماد الحار، قال الله تعالى﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور:22]، وقال جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التغابن:14].
أيها المسلمون: إن ثمرة الاستماع الاتباع، فكونوا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، جعلني الله وإياكم ممن علم فعمل وأخلص فثبت على الحق.
ثم اعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبحة بقدسه، وأيَّه بكم -أيها المؤمنون- من جنه وإنسه، فقال قولًا كريمًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب:56].