الحمد لله، الحمد لله أبدعَ ما أوجدَ، وأتقنَ ما صنَعَ، وكلُّ شيءٍ لجبروته ذلَّ ولعظمته خضَعَ، سبحانه وبحمده في رحمته الرجاء، وفي عفوِه الطمعُ، وأُثنِي عليه وأشكُره؛ فكم من خيرٍ أفاضَ ومكروهٍ دفَع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعالى في مجده وتقدَّس، وفي خلقِه تفرَّد وأبدَع، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله، أفضلُ مُقتدًى به وأكملُ مُتَّبَع، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه أهل الفضلِ والتّقَى والورَع، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ، ولنهجِ الحق لزِم واتَّبَع، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فيا عباد الله: أوصيكم ونفسي المقصـرة بتقوى الله وطاعته؛ استجابةً لقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الأنفال:29].
أيها الإخوة المسلمون: لقد بَعُد العهد بنا عن زمن النبي ﷺ، فنحن اليوم في حاجة إلى مراجعة كثير من عاداتنا الاجتماعية، وأنماط حياتنا المعيشية، لنرى مدى قربها أو بُعدها من منهجه العظيم، ولكي تتحول هذه العادات إلى عبادات؛ حين تصدق فيها نياتنا، وتسير وفق شرع الله المطهر، وسنة حبيبه ﷺ.
ومن تلك العادات التي هي سمة من سمات مجتمعنا الطيب: إكرام الضيف، هذا الإنسان الذي لا يخلو من إحدى حالتين؛ إما أن يكون غريبًا عن البلاد، ليس له بيت يأوي فيه، أو أن يكون من أهل البلد، ولكنه حل ضيفًا على صاحب دار، ولكل منهما حق الضيافة، الذي يراه الإمام المبجل أحمد بن حنبل رحمه الله حقًّا واجبًا له، يؤجر فاعله، ويأثم الممتنع عنه إذا كان قادرًا.
ففي الصحيحين وغيرهما عن أَبي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ..» الحديث[1].
إنها مكارم الأخلاق التي يدعو لها دينٌ جاء ليعزز شأنها، وينشرها في البشرية؛ لتسعد في حياتها الدنيا، ولتتوثق علائقها، ولتكون في مجموع أفرادها كالفرد الواحد، فأي غربة ستبقى للغريب حين يشعر وهو في طريقه إلى هذه البلاد أن له بيوتًا سوف يأوي إليها وكأنها ملك له، وأن له أهلًا سوف يأنس بهم وكأنهم أهله، فيشعر حينئذ بالأمن والاطمئنان، والراحة والحبور، ويفرغ لما جاء من أجله، أو يفرح بقدومه إذا كان لمحض الزيارة ورعاية الصلات.
وصور الكرم لم تتوقف عند حاتم، ولكنها ازدادت تألقًا ورفعة حين جاء رسول الإسلام والأخلاق بشريعته العظيمة، فكان أجود الناس بأبي هو وأمي، فما عرف عنه أن رد سائلًا، ولا عبس في وجه ضيف، بل كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. وإذا أعياه المال والطعام ولم يجد منهما شيئًا، التفت إلى أصحابه يطلب منهم أن يستضيفوا ضيفه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ، فَقُلْنَ مَا مَعَنَا إِلَّا الْـمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا»؟
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «ضَحِكَ الله اللَّيْلَةَ أَوْ عَجِبَ مِنْ فَعَالِكُمَا» فَأَنْزَلَ الله ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر:9][2].
إنها لوحة من لوحات الإنسانية الكريمة، التي تتضاءل أمامها كثير من لوحات الكرم الحاتمي، فماذا بعد أن يؤثر المرء ضيفه على نفسه وعلى أطفاله حتى يبيتوا جائعين ليشبع ضيفهم، بل يوهموه أنهم يأكلون معه، ويطفئون السـراج حتى لا يكتشف هذا النبل والكرم العظيم.
ولكن ذلك ليس غريبًا على جيل تربى في المحضن التربوي النبوي، أولم تفعل عائشة ما أعظم من ذلك، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا، فَسَأَلَتْ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ»[3].
وإذا رحنا نستنطق تلك النصوص لتروي لنا أخبار كرم سلفنا الصالح، فلسوف يطول بنا المقام، ولكن دعونا لنتعرف على بعض آداب هذا الكرم، ولنبدأ بصاحب الدار المضيف.
إن أول ما ينبغي أن يستقر في نفوس المؤمنين أن علاقة المضيف بضيفه هي علاقة عبادة، فليست استضافته تطبيقًا لعرف من الأعراف، ولا جريًا لعادة اجتماعية سائدة، وإنما ليستشعر أنها عبادة من العبادات العظيمة، يؤديها ليؤجر عليها. ولذلك فينبغي أن يرعى فيها حقوق الله تعالى.
ولعل أول اللقاء هو تلك التحية التي تُفَتِّحُ القلوب، وتملأ الوجوه بالبشـر، وإذا كان الضيف هو الذي يبدأ بها عادة، فلتكن تحية المضيف أجزل منها، يقول الله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ [النساء:86]، وهو شأن الصالحين من عباد الله، فهذا نبي الله إبراهيم حين دخل عليه أضيافه، وقالوا: ﴿ سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ ﴾ [هود:69]، قال علماء البيان: (هذا أحسن مما حيوه به؛ لأن الرفع يدل على الثبوت والدوام، فاختار خليل الله الأفضل والأكمل).
ويمكن أن تكون بأي عبارة حسنة أخرى متضمنة تحية الإسلام السلام.
ثم له بعد ذلك أن يجتهد في إكرام ضيفه قدر طاقته، ويتجمل معه، حسب استطاعته، فلا داعي أن يستدين ويرهق نفسه وأولاده من أجل أن يظهر أمام الضيف بغير حقيقته، أو من أجل ألا يعاب من عشيرته، فإن مثل هذا البلاء قد استشـرى، وإن جريرة الديون على المعسرين أعظم خطرًا من حديث الناس الوقتي الذي يذهب مع الزمن، وعلى الضيف أن يعذر صاحبه، وألا يحمله أكثر من طاقته، فلا يحقرن منه شيئًا مهما قل، ولو كان مذقة لبن، أو كأس عصير، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها وقد أحسن من قال:
| إذا الضيف جاءك فابسم له |
| وقرِّب إليه وَشِيك القِرَى |
| ولا تحقر المزدرى في العيون |
| فكم نفع الهين المزدرى |
وأما الأثرياء فلهم أن يقدموا ما يشاءون من أصناف الطعام القادرين عليها، ولهم في الخليل إبراهيم أسوة حسنة، فقد جاء ضيوفه بعجل سمين شواه لهم على الحجارة، وأقبل هو وامرأته يخدمانهم، بل إن من تمام إكرامه لهم أنه لم يُطل انتظارهم للطعام، ولم يذهب بهم إليه، بل كما قال تعالى: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴿٢٦﴾ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴾ [الذاريات:26-27].
ولكن ينبغي أن نتنبه إلى أن إكرام الضيف نفقة من النفقات، فينالها ما ينال غيرها من أحكام الإسراف والتقتير والاعتدال، فمن أسرف فقد وقع تحت طائلة قوله تعالى: ﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴿٢٦﴾ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴾ [الإسراء:26-27]، والآية في معرض الإنفاق على الآخرين.
وعليه بعد ذلك أن يحفظ نعمة الله التي تبقت، فيأكلها أو يُطعمها أهله أو المحتاجين.
ولعلنا نجد ذلك الإسراف الوبيل يتضاعف في الولائم العامة والأعراس، وربما انتقل إلى طبع دائم في البيوت، فيستأصل كالمرض الذي لا يجدون فكاكًا منه.
وإن من صور الإسراف عند بعض الفئات من مجتمعنا: تخصيص كل ضيف من الضيوف بذبيحة خاصة، مع تواجدهم في زمن واحد، بحجة أن لكل منهم حقًّا خاصًّا به، بل إن من أكبر أسباب الطلاق المنتشرة في بعض المناطق هو الضيافة العنجهية، التي يقسم فيها صاحب الدار أن ذبيحة الضيف ميتة، وأنه إذا لم يقبل ضيافته فزوجته طالقة، وربما أبى الضيف لأي سبب ربما كان خارجًا عن إرادته، فإذا بصاحب الدار يضيق به ذرعًا ويتحول إلى عدو من ألد أعدائه، أليس هو الآن - في نظره- سببًا من أسباب هدم بيته، وفراق زوجته، وإذا به بعد ذلك يناشد العلماء أن يجدوا له مخرجًا فيطوف الديار، ويطرح نفسه أمام هذا وذاك، فربما وجدوا له مخرجًا، وربما وجد المجتهد في مسألته أليس له إلا فراقها فإن الدنيا تضيق به، ويندم ساعة مندم.
فيا ليت شعري ما ذنب امرأة في دارها تخرج منه ذليلة حسيرة، تفارق حبيبها وأولادها، وتبقى ضحية كلمة مسعورة أطلقها مسكون بعادات لم ينزل بها الله من سلطان، قالها ليأمن عواقب العار الذي يخشى أن يلحق به، وما أخسـر من هدم داره استجابة لداع من دواعي القبلية أو الأعراف، فلتدع ضيفك بإصرار فإن رضي فله الإكرام التام، وإن أبى فلينصرف مرحومًا مغفورًا له بإذن الله دون تحرجه أو يحرجك، ولتأمن أنت على أهلك وبيتك.
وذكر رسول الله ﷺ عددًا من أصحاب الهيئات الذين تراعى منازلهم في الحديث الذي رواه أَبو مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْـمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْـجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْـمُقْسِطِ»[4]
أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ»[5] وهم أصحاب الوجاهات والمسئوليات.
وأقصى مدة للضيافة ثلاثة أيام، هي حق للضيف، عليه أن يرحل بعدها حتى لا يحرج مضيفه،[6] أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَمَا أُنْفِقَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ» وَمَعْنَى قَوْلِه: «لَا يَثْوِي عِنْدَهُ» يَعْنِي الضَّيْفَ لَا يُقِيمُ عِنْدَهُ حَتَّى يَشْتَدَّ عَلَى صَاحِبِ الْـمَنْزِلِ وَالْـحَرَجُ هُوَ الضِّيقُ، إِنَّمَا قَوْلُهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ يَقُولُ حَتَّى يُضَيِّقَ عَلَيْهِ.
وليست الضيافة بالطعام والشراب فقط، بل إن من أجمل القِرَى وأكمله الحديث مع الضيف والترحيب به، وإزالة الوحشة عنه:
| أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله |
| ويخصب عندي والمكان جديبُ |
| وما الخصب للأضياف كثرة القرى |
| ولكنما وجه الكريم خصيبُ |
إنه الكريم حقًّا ذاك الذي يتناسى كل همومه أمام ضيفه، ويشعره بالراحة معه وحب لقياه، مهما كانت ظروفه وعسرها؛ حتى لا بنكد عليه حلاوة اللقاء:
| انظر إلى حسن صبر الشمع يظهر للر |
| ائين نورًا، وفيه النار تستعرُ |
| كذا الكريم تراه ضاحكًا جذلًا |
| وقلبه بدخيل الهم منفطرُ |
حقًّا صدق رسول الله ﷺ حين قال: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» والحديث رواه أحمد وصححه الألباني.
عباد الله.. توبوا إلى واستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإن من حق المسلم على المسلم أن يجيب دعوته، ومن كرم الضيف أن يأتي في موعده الذي حدده له، وإذا لم يستطع أن يأتي أو نسي موعده -وكل ذلك من طبع البشر- فعليه أن يعتذر منه، ويحسن الاعتذار، وإذا استطاع عوضه زيارة أخرى دون إحراج له.
يقول الرسول ﷺ: «إذا دُعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليُصَلّ، وإن كان مفطرًا فليطعم»[7] فليُصَلّ: أي يدعو لمضيفه، على أنه إذا كان صائمًا صيام سُنّة فإن له أن يفطر إكرامًا لمضيفه، وجبرًا بخاطره، وهو إن شاء الله على أجره؛ لأنه العمل الصالح، بل وشرع فيه.
وعلى الضيف أن يراعي حق الضيافة من جانبه، فيغض بصره عن محارم المضيف، ولا يطلع إلا على ما أذن له فيه، ولا يفشي له سرًّا، ولا يتحدث بما حدثه إلا ما يعود بالخير عليه، فبئس الضيف اللئيم الذي يقابل كرم مضيفه بالكيد له أو الإساءة إليه، فإن المجالس بالأمانة.
وعليه ألا يتقدم على صاحب المنزل في دابته، ولا مكان جلوسه، ولا يتقدمه في صلاة إلا بإذنه، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن يَزِيدَ الْـخَطْمِيِّ وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَةِ قَالَ: أَتَيْنَا قَيْسَ بن سَعْدِ بن عُبَادَةَ فِي بَيْتِهِ، فَأَذَّنَ الْـمُؤَذِّنِ لِلصَّلَاةِ، وَقُلْنَا لِقَيْسٍ قُمْ فَصَلِّ لَنَا، فَقَالَ لَمْ أَكُنْ لِأُصَلِّيَ بِقَوْمٍ لَسْتُ عَلَيْهِمْ بِأَمِيرٍ، فَقَالَ رَجُلٌ لَيْسَ بِدُونِهِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بن حَنْظَلَةَ بن الْغَسِيلِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الرَّجُلُ أَحَقُّ بِصَدْرِ دَابَّتِهِ، وَصَدْرِ فِرَاشِهِ، وَأَنْ يَؤُمَّ فِي رَحْلِهِ» قَالَ قَيْسُ بن سَعْدٍ عِنْدَ ذَاكَ يَا فُلَانُ لِمَوْلًى لَهُ: قُمْ فَصَلِّ لَهُمْ.[8]
وللضيف أن يكون له دور الإصلاح إذا وقعت عينه على عيب دون قصد، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إذا رأى أن لذلك مكانًا، كما أن المضيف له أن يكرم ضيفه بعلم نافع يذكره له، أو يهدي له كتابًا نافعًا أو نحوه.
روى البخاري بسنده أن النَّبِيَّ ﷺ آخَى بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ نَمْ فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الْآنَ فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَ سَلْمَانُ».[9]
ومن كرم الضيف لمضيفه أن يدعو له، وتلك سنة من سنن الرسول ﷺ، فقد أخرج البخاري عن أَنَسٍ رضي الله عنه دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ قَالَ: «أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ، فَإِنِّي صَائِمٌ، ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْـمَكْتُوبَةِ، فَدَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ لِي خُوَيْصَّةً. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَتْ: خَادِمُكَ أَنَسٌ، فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلَا دُنْيَا إِلَّا دَعَا لِي بِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا وَوَلَدًا، وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ، فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الْأَنْصَارِ مَالًا وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ الْبَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ».[10]
وليس للضيف أن يُحضِر معه ضيفًا آخر إلا بإذن صاحب المنزل، فعنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُكْنَى أَبَا شُعَيْبٍ، فَقَالَ لِغُلَامٍ لَهُ قَصَّابٍ: اجْعَلْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةً، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْـجُوعَ، فَدَعَاهُمْ فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ هَذَا قَدْ تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ، فَأْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَ» فَقَالَ: لَا بَلْ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ[11]. وهذا لا ينافي أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام راغبًا في أن يأذن صاحب البيت لذاك الرجل، وإنما كان ذلك استئذانًا منه للرجل، ومراعاةً لصاحب البيت، في أن لا يدخل عليه من لا يأذن بدخوله.
أيها الناس: إن الإسلام قد نظم حياة المسلم الاجتماعية، ودلنا على ما يليق وما لا يليق، فمن الناس مستقل ومستكثر من تلك الآداب، تعلمًا أو عملًا، فلم هذا التهاون من الآباء والأمهات والمربين بغرس القيم والآداب؟ وتعويد الأبناء على مكارم الأخلاق؟ إن هذا الأمر ليس بنافلة مستحبة، بل هو فريضة واجبة، وضرورة مُلحّة، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته.
إنه لمما يجدر بالمربين أن يعلموا أولادهم وأهليهم ومن تحت أيديهم تلك الآداب الحسنة، والشمائل الرفيعة، والمكارم النبيلة، فإنه ما أعطى والدٌ ولدًا ولا معلمٌ تلميذًا أفضل من أدب حسن، وقد قيل: نحن إلى قليل من الأدب، أحوج منا إلى كثير من العلم.
أسأل الله تعالى أن يبصّرنا بديننا، وأن يعيننا على اقتفاء آثار رسوله الذي أمرنا بالصلاة والسلام عليه فقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب:56] اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطاهرين، وصحبه أجمعين، أخص منهم الخلفاء الراشدين المهديين من بعده؛ أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، وعنا معهم برحمتك وفضلك ومنك يا أكرم الأكرمين.
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /خالد بن سعود الحليبي