حجم الخط:

فضل العمل والتكسب

الخطبة الأولى:

الحمد الله ذي النعم والآلاء، رازق الطير في السماء، والسمك في الماء، والدود في الصخرة الصماء، تكفل بالأرزاق وكتب الآجال، أشهد أن لا إله إلا هو ذو العزة والجلال، ومصـرف الشئون والأحوال، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، نبي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آل محمد وعلى أزواج محمد وعلى أصحاب محمد، ما اتصلت عين بنظر، وأذنٌ بخبر، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المحشر.

أما بعد:

فيا عباد الله اتقوا الله كما أمركم في محكم كتابه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1].

أيها الإخوة: خلق اللهُ البشر في هذه الدنيا، وأنشأهم من الأرض واستعمرهم فيها، وتتعاقب على هذا الاستخلاف الأمم والأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ كل ذلك: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك:2].

والأحق بهذا الاستخلافِ، والأجدرُ به عباد الله الصالحون، قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴿١٠٥﴾ إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء:105-106].

ومن هنا فإن كلَ قصد من عمارة الأرض كما أمر الله تعالى فهو توجه محمود، وكلَ عمل في هذا السبيل من الأعمال الصالحات، وكلَ مجهود في سبيل الحق سعي مبرور.

إن هذا الدينَ يوجبُ على أهله أن يكونوا أجدر بالحياتين: الآخرة بالعمل الصالح، والدنيا بعمارةِ الأرض، واتخاذِ أسباب القوة بخوض المجالات المشروعة من تجارة، وصناعة وحرفة، وقد حث الله تعالى على السعي والتكسب، من ذلك قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾ [النبأ:11].

فذكره في معرض الامتنان، فقال: ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ [الأعراف:10].

فجعلها ربك نعمة وطلب الشكر عليها، بل جعل سبحانه السعي في الكسب والمعاش عذرًا لترك قيام الليل الطويل والاكتفاء بيسيره، فقال: ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [المزمل:20] أي مسافرون في الأرض يبتغون من فضل الله في المكاسب والمتاجر.

وقال: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة:10] أي: لطلب المكاسب والتجارات.

وعَنِ الْـمِقْدَامِ بن مَعْدِي كَرِبَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عليه السلام ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ»[1].

قال ابن حجر رحمه الله: (والحكمة من تخصيص داود عليه السلام بالذكر، أن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة؛ لأنه أوتي ملكًا عظيمًا وكان خليفة في الأرض كما قال الله -تعالى: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ﴾ [ص 26]).

وإنما ابتغى الأكل من طريق أفضل، ولهذا أورد النبي ﷺ قصته في مقام الاحتجاج بها على ما قدمه من أن خيرَ الكسبِ عملُ اليد.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن يحتطِبَ أحدكم حُزْمَةً على ظهرِهِ خيرٌ من أن يسألَ أحدًا فيُعْطيَهُ أو يمنعَهُ»[2].

هذا هو الخلق النبيل الذي تقتضيه المروءة، ويحث عليه الدين، أن لا يخضع الإنسان لأحد، ولا يذل لمخلوق، ولا يتكل على غير الله، بل يأكل من كسب يده، من عمله، وتجارته، وصناعته، وحرثه.

وقد رعى موسى الكليم لشعيب عشر حِجج كمهر لزوجته، بل إن جميع الأنبياء كانوا رُعاة أغنام، يقول النَّبِيُّ ﷺ: «مَا بَعَثَ الله نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ» فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ»[3].

(قراريط) جمع قيراط وهو جزء من النقد.

وكما أن كسب الحرام من أعظم الجرائر وأقبح الجرائم، فإن كسب الحلال من أعظم القربات وأجلّ الطاعات لمن احتسب أجر ذلك، والإنفاق على العيال أفضل الإنفاق على الإطلاق؛ فعَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ، دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ»[4] قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ راوي الحديث: وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا، مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ، يُعِفُّهُمْ أَوْ يَنْفَعُهُمُ اللهُ بِهِ، وَيُغْنِيهِمْ.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ»[5].

ويقول ﷺ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْـمِسْكِينِ، كَالْـمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ»[6]. والساعي: الكاسب لهما العامل لمؤنتهما، والأرملة من لا زوج لها، سواء كانت تزوجت قبل ذلك أم لا.

وإن من أعظم الآثام تضييع من تجب عليك نفقتهم، فـ «كَفَى بِالْـمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ»[7]. وكفى به خذلانًا ومهانة أن يقضـي وقته فيما لا ينفعه، يقول ابْنُ مَسْعُودٍ: «إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرَى الرَّجُلَ فَارِغًا، لَا فِي عَمَلِ الدُّنْيَا، وَلَا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ».

وكان زيد بن مسلمة يغرس في أرضه، فقال له عمر رضي الله عنه: «أصبت؛ استغن عن الناس يكن أصوَن لدينك، وأكرم لك عليهم». وقال عمر رضي الله عنه: «ما من موضع يأتيني الموت فيه أحبَ إليَّ من موطن أتسوَّق فيه لأهلي أبيع وأشتري». ذلك ليس لعظم الدنيا في أعينهم، أو دخولها إلى قلوبهم، وإنما لحرصهم على كسب الحلال، واحتسابهم أجر النفقة على العيال، وفرارهم من الحاجة إلى الناس.

وجاءت ريح عاصفة في البحر، فقال: أهل السفينة لإبراهيم بن أدهم رحمه الله -وكان معهم- فيها: أما ترى هذه الشدة؟ فقال: (ليست هذه الشدة، إنما الشدةُ الحاجة إلى الناس!).

وقال أيوب: قال لي أبو قلابة: (الزم السوق؛ فإن الغنى من العافية) يعني الغنى عن الناس.

وَقَالَ ابْنُ الْـجَوْزِيِّ: قِيلَ لِأَحْمَدَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ أَوْ مَسْجِدِهِ، وَقَالَ: لَا أَعْمَلُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِي رِزْقِي؟ فَقَالَ أَحْمَدُ رحمه الله: (هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ الْعِلْمَ، أَمَا سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: «جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي»؟)[8].

وَقَالَ حِينَ ذَكَرَ الطَّيْرَ: «تَغْدُوا خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا»[9].

فذكر أنها تغدوا في طلب الرزق، وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَّجِرُونَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَيَعْمَلُونَ فِي نَخْلِهِمْ، وَالْقُدْوَةُ بِهِمْ، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ رحمه الله: (لَيْسَ الْعِبَادَةُ عِنْدَنَا أَنْ تَصُفَّ قَدَمَيْك وَغَيْرُك يَقوتُ لَك، وَلَكِنْ ابْدَأْ بِرَغِيفِك فَاحْرُزْهُمَا ثُمَّ تَعَبَّدْ).

ورُوي أن الأوزعي لقي إبراهيمَ بن أدهم وعلى عنقه حُزمة حطب، فقال له: (يا أبا إسحاق إلى متى هذا؟ إخوانُك يكفونَك، فقال: دعني عن هذا يا أبا عمرو، فإنه بلغني أنه من وقف موقف مذلة في طلب الحلال، وجبت له الجنة).

أيها المؤمنون: إن الكسب بقدر الكفاية لنفسه وعياله، وقضاء دينه، ونفقةِ من يجبُ عليه نفقتُه؛ فرضٌ من الفروض. ولا يجوز للقوي القادر أن يجلس، أو يسأل الناس، قَالَ ﷺ: «كَفَى بِالْـمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ»[10].

لقد سمى فقهاؤنا ﭭ حاجاتِ الأمةِ من الأعمال والصنائع والحرف فروضَ كفايات، وهي صنوف متعددة لا يحسنها كلُ أحد، ولا يقوى عليها كلُ أحد، ولكن يحتاج إليها كلُ أحد، فإنما هي مواهب وقدرات، وهمم متفاوتة، قسمها الله بين خلقه، في تنوع واختلاف ليتخذ بعضُهم بعضًا سخريا، وليعمروا هذه الأرض التي استُخلفوا فيها، دون بطالة وتواكل، أو ملل وتكاسل.

فكان لا بد من ارتفاع الهممِ، ونفضِ غبارِ الكسل، وإنك لا تكاد ترى سببًا لأنواع البطالات المكشوفة والمقنعة إلا سقوطَ الهمة، وفتورَ العزيمة، فالرجل إنما يترك الجد في طلب العمل، ويتهاونُ في السعي من أجل الرزق، حين تنحطُ همته، وتصغرُ نفسه، أما من شمَّر عن الساعدِ وضرب في الأرضِ ابتغاء فضل الله، فطرق الأبواب، وسلك المسالكَ، واستسهل كلَ صعب من أجل معالي الأمور، فهو الجدير بالحياة الكريمة، تأسيًا بعظماء الرجال؛ الذين سعوا إلى غاية ما يمكنهم من التفوق والكمال.

قال ابن الجوزي رحمه الله: (فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان يُتصور للآدمي صعودُ السموات لرأيتُ من أقبح النقائص رضاه بالأرض، ولو كانت النبوة تحصلُ بالاجتهاد رأيتُ المقصرَ في تحصيلها في حضيض، غير أنه إذا لم يمكن ذلك فينبغي أن يطلب الممكن، والسيرة الجميلة عند الحكماء خروجُ النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل).

أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقَ شباب أمتنا للخير، وأن يجعلهم ممن يعمر الأرض حق العمارة؛ إنه جواد كريم؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ وبعد:

أيها الناس:

وإذا كان العمل يُلْبِسُ أهله لباس الاستغناء والكرامة، فإن البطالة ثوبُ حقارة فضفاض؛ يقول عمر رضي الله عنه: «أرى الفتى فيعجبني فإذا قيل لا حرفة له سقط من عيني».

ويقول أيضًا: «مَكْسَبَةٌ فيها دناءة خيرٌ من مسألة الناس».

ويأبى الرجال، أصحاب الهمم العالية، الرضا بالدون من العيش، حتى لو وجدوا ما يكفلُ لهم معاشهم؛ ها هو عبدُ الرحمن بن عوف رضي الله عنه لا يقبل عرض أخيه الأنصاري سعد بن الربيع، ليشاطره ماله، بل قال له حين عرض عليه نصف ما يملك: بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلوني على السوق! فعمل في التجارة، حتى أصبح من أثرياء الصحابة، بل صار ينفق على المحتاجين ويساهم في تجهيز الجيوش في سبيل الله، وتسيير القوافل لنصرة دين الله.

إن البطالة -أيها الأحبة-: تجعل صاحبَها مهيض الجناح، كلًّا على غيره، متطلعًا إلى ما عند الآخرين، لا يسلم من ذلة السؤال، يتنكرُ له العارفون ويستثقله حتى الأقربون، تنفكُ من حوله الأواصر، وتنقطعُ الصلات، وإنها والله مصيبة ماحقة، تحترق في سعيرها الفضائل والمصالح، وتذوب في مضاعفاتها الأفراد والجماعات، ولا يرضاها أولو الألباب وأصحاب المروءات.

أيها الإخوة: إن الجد والنشاط في العمل من أعظم الأعمال وأجلها إذا صلحت النية، واسمعوا -يا رعاكم الله- إلى هذا الموقف العجيب؛ فعن كعب بن عجرة قال: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَرَأَوْا مِنْ جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ -يعني في الجهاد- فَقَالَ ﷺ: «إنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ»[11].

أيها الإخوة: ليست هذه دعوة لتعظيم ما حقّره الله من أمر الدنيا، ولا لمزيد التكالب عليها وتأجيج الطمع والهلع في الاستكثار منها، إلى الحد الذي يُنسي الآخرة ويُجحف في حقها، فإن ذلك من سوء التدبير وضعف التقدير، إنما المقصود هو العلم بفضيلة طلب الحلال، واحتساب ما يقوم به الإنسان من ذلك، وما ينفقه على نفسه وأهله ومن يعول، ولا يجعلها عادة من العادات فحسب أو سبيلًا للمباهاة والغرور بما أعطاه الله.. إنما يجعلها وسيلة لحفظ ماء الوجه عن مذلة السؤال والحاجة إلى الناس، وإغناء النفس عن الدخول في مداخل الرِيَب، والتجرؤ على مواطن الشُّبَه، وتعدي الحدود وانتهاك الحقوق، ونحو ذلك مما قد توجبه الحاجة الناتجة عن البطالة،

وإن على الآباء والمربين، والقادة والمصلحين، أن يرشدوا الشباب إلى العمل ويحثوهم على علو الهمة وعزة النفس، وسلوك سبل الرزق الحلال، وأن يبينوا لهم طرق السعي في الخير، وأن يغرسوا فيهم حب العمل واحتساب ثوابه، وأن الكسب يحتاج إلى صبر ومثابرة، وحسن تدبير.

وإن من أهم أسباب البركة في الرزق: التزام الآداب والأخلاق، والصدق والأمانة، والعفة والصيانة، مع كثرة الاستغفار والدعاء، والابتهال إلى رب الأرض والسماء، فذلك كله مجلبةٌ للرزق مدعاةٌ للبركة.

ومن ذلك غرس اليقين في القلب، وقوة التوكل على الرب، لأن مفاتيح الرزق بيده، ومقاليد الأمور كلها بيده، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، وعليه رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها، كلٌ في كتاب مبين.

واعلموا أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، وذلك كله بيد الله وحده، فهل يملك أحد أن ينقص من رزق مخلوق شيئًا؟ وهل يملك أحد أن ينقص من أجل مخلوق يومًا؟ كلا. ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات:58]، ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكَ ﴾ [طه:132]، ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ [الذاريات:22]، وذلك لا ينافي العمل، بل ما أجمل أن يجتمع بذل الأسباب وحسن التدبير مع صدق التوكل على العلي القدير، ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ [الحجر:21]، ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ﴾ [فاطر:2]. وقد قيل: الجوارح تعمل بالأسباب، والقلب يتوكل على رب الأرباب.

توكَّل على الرَّحمن في كلِّ حاجةٍ

ولا تؤثرنّ العجز يومًا على الطّلبْ

ألم تر أن الله قال لمريمٍ

إليك فهزِّي الجذع يسَّاقط الرُّطب

اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، واغننا بفضلك عمن سواك، واجعل ذلك عونًا لنا على طاعتك، وبلاغًا لنا إلى مرضاتك، وارزقنا شكر نعمك..

هذا وصلوا وسلموا...

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /عبد الله بن علي الطريف

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة