من هو الحسن البصري؟
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي لم يزل واحدًا أحدا، ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا، أحمده سبحانه وأشكره، لا نحصي لنعمه عددا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنجي من الردى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله أشرف متبوع وأفضل مقتدى، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه نجوم الدجى، ومصابيح الهدى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان صلاة وسلامًا على مر الزمان أبدا.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله ما استطعتم، وتداركوا بالتوبة النصوح ما فرطتم، ازجروا النفوس عن هفواتها، واغتنموا أعماركم بالأعمال الصالحة قبل فواتها.
أيها المسلمون: إن النفوس البشرية يصيبها الملل والسآمة والفتور، فكلَلٌ عن العمل، وفتور عن الطاعة، لكنها ما أن يحدوها الحادي، ويقودها الساعي، ويذكِّرها الذاكر سِيَرَ أولئك الأفذاذ، وأخبار الأتقياء، وإخبات الصالحين، وخشوع الناسكين، إلا وتنشط ويبدأ عملها من جديد، فإذا الفتور يصبح حماسًا، والكلل صار عملًا، ولذلك قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: (سِيَر الصالحين أحب إلينا من كثير من الفقه). ذلك لأن الفقه ودراسة العلوم وحدها لا تكفي، دون مواعظ تلِين لها القلوب، أو تذكرة ترقّ لها الأسماع، فتصبح القلوب أوعية للعلم ولا عمل، وقد تصبح قاسية كالحجارة أو أشد قسوة، فما أحوجنا -أيها الأحبة- لسِيَر الصالحين وآدابهم، واتباع سيرهم، والاقتداء بسمتهم ودلّهم.
إن النظر في سير العظماء يثير في النفس كوامن محبة التشبه بهم، والاقتداء بسيرتهم، ولقد ذكر الله لنا في كتابه سير من سبقنا منهم؛ لنهتدي بهديهم، فكم ذكر الله في كتابه من سيرة نبي كريم، وقوم صالحين، تسليةً لنبيه وللمؤمنين، وتربية لنا جميعًا، لنتشبه بالقوم، ونخطو إثر خُطاهم.
وهذه الأمة -عباد الله- تملك من رجالها ونسائها رصيدًا ضخمًا قد امتلأت به كتب السير، ولكن أين الذين يقرؤون؟! وإذا وجدنا الذين يقرؤون فأين الذين يقتدون ويعملون بما يقرؤون ويسمعون؟!
أيها الأحبة.. سنتحدث اليوم عن سيد من سادات التابعين، وكلهم سادة.
| مَن تلقَ منهم تقُل لاقيت سيدهم |
| مثل النجوم التي يسـري بها الساري |
نقف اليوم مع رجل منهم قال عنه الإمام الذهبي رحمه الله: (كان سيد أهل زمانه علمًا وعملًا). حقًّا إنه علم من أعلام الصالحين، وإمام من أئمتهم، ورجل من رجالتهم، ما أن يُذكر اسمه إلا ويذكر الزهد، وما أن يذكر الزهد إلا ويذكر اسمه، رجل هو الزهد، والزهد هو. فمن هو هذا الجبل يا ترى؟! إنه الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى.
كان أبوه عبدًا من سبي ميسان بالعراق، وكان مولى لزيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، فأبوه عبد من العبيد، والابن سيد من سادات التابعين، إنه دين الله، كتاب الله، ذلك الذي يرفع الله به مكانة الرجل أو يضعها، وتلك هي المعايير التي كان يقاس بها الرجال، لا النسب ولا الحسب ولا المال ولا الجاه، إنه الدين: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة:11].
لقد كانت حياته تطبيقًا عمليًّا لما يقول وينصح به الناس، إن الذي رفع قدر الحسن هو عمله بعلمه وليس علمه فقط، كان على درجة من الفطنة والذكاء، والخشية والإنابة، والعقل والورع، والزهد والتقوى، ما جعله يشبه الصحابة الكرام، بل قال عنه علي بن زيد: (لو أدرك أصحاب رسول الله ﷺ وله مثل أسنانهم ما تقدّموه).
كان رحمه الله عالمًا عاليًا رفيعًا، فقيهًا ثقة مأمونًا، عابدًا ناسكًا، كبير العلم فصيحًا، جميلًا وسيمًا، قال عنه أحد الصحابة: «لو أدرك أصحاب رسول الله ﷺ لاحتاجوا إلى رأيه».
كانت أمه (خيرة) مولاة لأم سلمة زوج النبي ﷺ، وكان مولده قبل نهاية خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بسنتين، وكانت أمه تخرج إلى السوق أحيانًا، فتدعه عند أم سلمة، فيصيح جوعًا، فتلقمه أم سلمة ثديها لتعلله به، إلى أن تجيء أمه، وإذا برحمة الله تنزل على الثدي، فيدر لبنًا، فيرضع الطفل حتى يرتوي، فإذا هو يرتوي حكمة وفصاحة وتقى، فما أن شب إلا وينابيع الحكمة تنبع من لسانه، وجمال الأسلوب ورصانة العبارة وفصاحة اللسان تتحدر من كلامه.
نشأ الحسن البصري في المدينة النبوية، وحفظ القرآن في خلافة عثمان، وكانت أمه -وهو صغير- تخرجه إلى الصحابة فيدعون له، وكان في جملة من دعا له عمر بن الخطاب، فقال: «اللهم فقهه في الدين، وحببه إلى الناس». فكان الحسن بعدها فقيهًا، وأعطاه الله فهمًا ثابتًا لكتابه، وجعله محبوبًا إلى الناس.
لازم أبا هريرة وأنس بن مالك، وحفظ عنهما أحاديث النبي ﷺ، فكان كلما سمع حديثًا عن المصطفى ﷺ ازداد إيمانًا وخوفًا من الله، إلى أن أصبح من نُسّاك التابعين ومن أئمتهم، ومن وُعّاظهم ودعاتهم، وصار يُرجع إليه في مشكلات المسائل، وفيما اختلف فيه العلماء؛ فهذا أنس بن مالك رضي الله عنه، سُئل عن مسألة فقال: «سلوا مولانا الحسن»، قالوا: يا أبا حمزة: نسألك وتقول: سلوا الحسن؟! قال: «سلوا مولانا الحسن، فإنه سمع وسمعنا، فحفظ ونسينا».
وقال أنس بن مالك أيضًا: (إني لأغبط أهل البصرة بهذين الشيخين: الحسن البصـري، ومحمد بن سيرين). وقال قتادة: (وما جالست رجلًا فقيهًا إلا رأيت فضل الحسن عليه). وكان الحسن مهيبًا يهابه العلماء قبل العامة؛ قال أيوب السختياني: (كان الرجل يجالس الحسن ثلاث سنين ما يسأله عن مسألة؛ هيبة منه).
وكان الحسن البصري إلى الطول أقرب، قوي الجسم، حسن المنظر، جميل الطلعة. قال عاصم الأحول: قلت للشعبي -وهو من علماء التابعين -: (ألك حاجة؟! قال: نعم، إذا أتيت البصرة فأقرئ الحسن مني السلام، قلت: ما أعرفه، قال: إذا دخلت البصـرة فانظر إلى أجمل رجل تراه في عينيك، وأهيبه في صدرك، فأقرئه مني السلام). قال: فما عدا أن دخل المسجد فرأى الحسن والناس حوله جلوس، فأتاه وسلّم عليه. وكان الحسن صاحب خشوع وإخبات ووجل من الله، قال إبراهيم اليشكري: (ما رأيت أحدًا أطول حزنًا من الحسن، وما رأيته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة). وقال علقمة بن مرثد: (انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين، فأما الحسن البصري فما رأينا أحدًا من الناس كان أطول حزنًا منه).
وكان يقول -أي الحسن-: (نضحك ولا ندري لعل الله قد اطّلع على بعض أعمالنا فقال: لا أقبل منكم شيئًا، ويحك يا ابن آدم، هل لك بمحاربة الله طاقة؟! إن من عصـى الله فقد حاربه، والله لقد أدركت سبعين بدريًّا، لو رأيتموهم قلتم: مجانين، ولو رأوا خياركم لقالوا: ما لهؤلاء من خلاق، ولو رأوا شراركم لقالوا: ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب)! قال مطر الوراق: (الحسن كأنه رجل كان في الآخرة ثم جاء يتكلم عنها وعن أهوالها، فهو يخبر عما رأى وعاين).
وقال حمزة الأعمى: (وكنت أدخل على الحسن منزله وهو يبكي، وربما جئت إليه وهو يصلي، فأسمع بكاءه ونحيبه، فقلت له يومًا: إنك تكثر البكاء، فقال: يا بني: ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبكِ؟! يا بني: إن البكاء داعٍ إلى الرحمة، فإن استطعت أن تكون عمرك باكيًا فافعل، لعله تعالى أن يرحمك. ثم نادى الحسن: بلغنا أن الباكي من خشية الله لا تقطر دموعه قطرة حتى تعتق رقبته من النار).
وقال حكيم بن جعفر: (قال لي من رأى الحسن: لو رأيت الحسن لقلت: قد بُث عليه حزن الخلائق، من طول تلك الدمعة، وكثرة ذلك النشيج). قال يزيد بن حوشب: (ما رأيت أخوَف من الحسن وعمر بن عبد العزيز، كأن النار لم تُخلق إلا لهما). وقد أرسل عمر بن عبد العزيز مرةً إلى الحسن: «أما بعد؛ عِظني وأوجِز؟» فكتب إليه الحسن: (أما بعد؛ اعصِ هواك، والسلام!)، وعن حفص بن عمر قال: (بكى الحسن، فقيل له: ما يبكيك؟! فقال: أخاف أن يطرحني غدًا في النار ولا يبالي).
لله ما أطهر هذه القلوب، وما أزكى هذه النفوس، بالله عليك قل لي: هل أرواحهم خلقت من نور؟! أم اطَّلعوا على الجنة وما فيها من الحور؟ أم عايشوا النار وما فيها من الثبور؟! أم أنه الإيمان يُكسى صاحبه فيكون كالنور؟! ﴿ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ [النور:35].
سبحان الله، ما الذي تغيّر؟! هل لهم كتاب غير كتابنا؟! أم نبي غير نبينا؟! أم أرواح غير أرواحنا؟! أم لهم أرض غير أرضنا؟! لا والله، لكن لهم بصائر غير بصائرنا، وغايات غير غاياتنا، وهمم غير هممنا، قلوبنا تغيرت، ونفوسنا أمِنَتْ، وأجسادنا تنعّمت، غيرتها الذنوب المعاصي، وقيدتها الأهواء والشهوات فكأنها آخذة بالنواصي، فأصبحنا لا نرى هذه الصور الإيمانية، ولا النفوس القرآنية، وصرنا نذكرها كفقير يذكر غناه! أين إخبات الصالحين؟! أين خشوع المؤمنين؟! أين دموع التائبين؟! أين أنين الخائفين؟!
أيها المسلمون: لقد كان الحسن البصري صاحب مواعظ وتذكير، ولكلامه أثر في النفوس وتحريك للقلوب. قال الأعمش: (ما زال الحسن يعي الحكمة حتى نطق بها). وكان أبو جعفر الباقي إذا ذكره يقول: (ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء).
ومن كلامه رحمه الله قوله: (إن قومًا ألهَتهُم أماني المغفرة، رجاء الرحمة، حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم أعمال صالحة). وجاء شاب إلى الحسن فقال: أعياني قيام الليل -أي: حاولت قيام الليل فلم أستطعه- فقال له: (قيّدتك خطاياك).
وجاءه آخر فقال له: إني أعصي الله وأُذنب، وأرى الله يعطيني ويفتح عليّ من الدنيا، ولا أجد أني محروم من شيء، فقال له الحسن: (هل تقوم الليل؟!) فقال: لا، فقال: (كفاك أن حرمك الله مناجاته).
وكان يقول: (من علامات المسلم قوة دين، وجزم في العمل، وإيمان في يقين، وحكم في علم، وحسن في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتحمل في فاقة، وإحسان في قدرة، وطاعة معها نصيحة، وتورع في رغبة، وتعفف وصبر في شدة، لا ترديه رغبته، ولا يبدره لسانه، ولا يسبقه بصره، ولا يغلبه فرجه، ولا يميل به هواه، ولا يفضحه لسانه، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نيته). الله أكبر ما أجمعها من نصيحة! لو وعاها المسلم لكانت له خطبة كافية وموعظة شافية.
وقال رجل للحسن: إن قومًا يجالسونك ليجدوا بذلك إلى الوقيعة فيك سبيلًا -أي يتصيدون الأخطاء- فقال: (هوّن عليك يا هذا، فإني أطمعت نفسـي في الجنان فطمعت، وأطمعتها في النجاة من النار فطمعت، وأطمعتها في السلامة من الناس فلم أجد إلى ذلك سبيلًا، فإن الناس لم يرضوا عن خالقهم ورازقهم، فكيف يرضون عن مخلوق مثلهم؟!) هذه -يا عباد الله- بعض أقواله، وذاك الذي سبق ذكره عنه حاله وعمله، فانظروا -رحمني الله وإياكم- كيف تطابق القول والعمل.
أما حاله مع المال فكان يقول: (والله ما أعَزّ أحدٌ الدرهم إلا أذلّه الله).
وقال بعض السلف: سمعت الحسن يقول: (بئس الرفيقان: الدينار والدرهم، لا ينفعانك حتى يفارقانك).
هذا هو الفقه والفطنة والعقل والنظر السليم، فالمال لا ينفع الإنسان إلا إذا فارقه، فذهب في حاجة الأهل، أو صلة للرحم، أو وقع في يد فقير محتاج لا يجد ما يسد به رمقه ورمق عياله، أو ذهب ليد مدين معسر، قد أثقلت الديون كاهله، لا يستطيع سداد ما عليه؛ فلا يدري أين يذهب، أو لبناء بيت من بيوت الله، أو كفالة طالب علم يطلب علم الشريعة ليصبح من علماء الأمة، فينفع الله به الكثير، ويهدي على يديه الجم الغفير، أو لكفالة حلقة تعليم للقرآن، أو داعية إلى الله يسيح في بلاد الله الواسعة، يدعو إلى الله ويبلغ دينه، فذلك المال -أيها المؤمنون- هو الذي ينفع صاحبه.
أيها المسلمون: توفي الإمام الحسن البصري وعمره 88 سنة، ولما مات رحمه الله جاء رجل إلى محمد ابن سيرين فقال: مات الحسن، فترحم عليه محمد، وتغير لونه وتوقف عن الكلام، فما تكلم حتى غربت الشمس. قال الذهبي: (وما عاش ابن سيرين بعد الحسن إلا مائة يوم).
وقد وكانت جنازته مشهودة، صلوا عليه عقيب الجمعة، في غُرة رجب، فشيّعه الخلق، وازدحموا عليه، حتى إن صلاة العصر لم تُقَم في الجامع.
رحمه الله رحمة واسعة، وأدخله فسيح جنانه، وجمعنا وإياه في دار كرامته.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين؛ أما بعد:
أيها المسلمون: هذه سيرة رجل من رجالات هذه الأمة، وما أكثرهم، وإمام من أئمتها، وما أعظمهم، جبل من جبالها، ومنارة من مناراتها، أضاءت به الدنيا حينًا، وارتوت من معين علمه وخلقه ودينه، فلله كم لهذه الأمة من قمم شامخة، فأين المقتدون؟! ولله كم لهذه الأمة من منارات هدى فأين المهتدون؟!
لكن البلاء -معاشر المؤمنين- أننا ما عدنا نعرف القدوة الصالحة من القدوة السيئة، وما عدنا نفرق بين البطولة والبطالة، وبين أهل الرفعة وأهل السفالة، إننا اليوم -عباد الله- نعيش أزمة قدوات، لكنها والله أزمة مفتعلة، ننظر إلى قدوات ما هي إلا سراب بقيعة، يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، أما القدوات الحقيقية التي تستحق النظر والتأسي فهي حبيسة التعتيم والتجهيل، حتى إننا نرى أبناء الجيل يجهلون الكثير من رجالات هذه الأمة من الأئمة الصالحين، بل ومن الصحابة والتابعين، لا يعرفون سيرتهم وبطولاتهم، وما قدموه لهذا الدين من تضحيات، بل إنهم لا يعرفون عن سيرة نبيهم إلا القليل، ويجهلون كثيرًا مما يجب عليهم معرفته من أحكام دينهم؟!
يدخل مدرّس السيرة النبوية في المرحلة الثانوية يومًا على طلابه، فيسألهم عن أسماء أمهات المؤمنين زوجات النبي ﷺ؟ فيجيب أحدهم: خديجة، وآخر يقول: عائشة، فيقول: أحسنتم، ثم من؟ فيسكت الطلاب، وحين يرون الحزن والاستنكار بادٍ على أستاذهم يبادر أحدهم لينقذ الموقف قائلا: آمنة! فيجيبه أستاذه: هذه أمه وليست زوجه عليه الصلاة والسلام. فيقول آخر: فاطمة يا أستاذ! فيقول: وهذه ابنته.. ثم يغير السؤال فيسألهم عن أسماء لاعبي أحد فرق كرة القدم، فيقوم أحد الطلاب ليسرد عليه أسماء جميع اللاعبين، مع الاحتياط! وليته كان فريق كرة وطني، بل أجنبي، وأسماء لاعبيه أعجمية غريبة، ومع ذلك فقد سردها دون أي خطأ أو تلعثُم، حتى إنه كان يسخر من الأستاذ حين ينطق بعض الأسماء بطريقة غير صحيحة! والمشكلة أن هذا هو أسوأ أنواع التقليد والتبعية، حين تُحفظ أسماء لاعبي تلك الفرق، وتُعلق صورهم، ثم تشب نار العصبية بين الشباب، وتثور المشكلات والخلافات، والجدل والخصومات، إلى درجة كيل السباب والشتائم، كلٌ مع فريقه المفضل، وهذا فقط ما جنوه من هذه الرياضة، فلا هم الذين تفوقوا فيها، ولا هم الذين تركوا التعصب لأصحابها!
إن هذا الفصام النكد الذي تعيشه الأمة بين ماضيها وحاضرها، وبين رجال الأمس ورجال اليوم، سبب كبير -ضمن أسباب أخرى- أدت إلى ضعف الأمة الإسلامية، وضياع مجدها وعزها السابق.
وأما تلك القدوات السيئة فإنها تُفرض على هذه الأمة في وسائل إعلامها على أنها القدوة التي تستحق التقدير والإجلال، من فنان ماجن، أو ممثل مهرّج، أو لاعب جاهل، وهكذا من قائمة الموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، ممن لا يملكون رصيدًا من النبوغ والعظمة، ولا ينتفع بهم الجيل في دين أو دنيا، إنما غاية ما أتوا به هو اللهو واللغو، وضياع الأوقات فيما لا يفيد، وزيادة الغفلات عن الحميد المجيد، سبحانه وتعالى.
وليت الأمر وقف عند هذا، بل لقد تعدى ذلك لتصبح القدوة من بلاد الكفرة أعداء الدين.
لماذا -أيها المسلمون- يعرف اليوم شبابنا الكثير عن سيرة المهرجين والمهرجات، والممثلين والممثلات، والمغنين والمغنيات، الأحياء منهم والأموات، والمصيبة أنك حين تتأمل سيرة كثير منهم، وما حفلت به مسيرة حياتهم من العطاءات الجبارة، التي يسمى أحدهم بسببها: الفنان الكبير، أو الممثل القدير، أو البطل النحرير، تجد كثيرًا منهم إنما كانت أعمالهم تصب في هدم منظومة القيم والأخلاق في الأمة، وتهييج الشهوات والنزوات، وإشاعة الفواحش والمنكرات، والتأصيل للتمرد على الأحكام الشرعية والآداب المرعية. وهل يقال غير ذلك فيما ينشرونه من مشاهد فاضحة، ومسلسلات مُنحلّة، وألبومات ماجنة، وحفلات راقصة؟ إنه ليُخشى عليهم وعلى من يروج لهم من قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النور:19].
كم نتمنى لو أن هذه الأموال الطائلة التي تُصرف على توافه الإعلام ومساوئ القنوات والمهرجانات والمسلسلات صُرفت للعلوم أو التقنية أو الهندسة، لينتفع بها الناس، لكن لا يستغرب الأمر إذا علم أن من غير المسلمين من يديرون كثيرًا من تلك القنوات ويُبرزون كثيرا من نجوم الفن والمسلسلات، لغزو الجيل وتمييع أبناء الأمة وحرفهم عن مجد أسلافهم من أهل القيادة والسيادة والريادة.
ومن هنا وجب على الآباء والأمهات، والمعلمين والمعلمات، إبراز أفضل القدوات، من الصالحين والصالحات، وغرس محبتهم في قلوب الأبناء والبنات، لترتقي هممهُم لعلهم أن ينهلوا من شمائل أهل الفضل والمروءات، وينبغوا في مختلف المجالات، ويحفظوا الساعات والأوقات، ويعمروها بالعلم والعمل، والعزم والحزم.. فإن النفوس مجبولة على تقليد من تحب، والتشبه بمن تهوى، وللناس فيما يشتهون مذاهبُ.
نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يأخذ بنواصينا للبر والتقوى..
هذا وصلوا وسلموا على البشير النذير، والسراج المنير...
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /ناصر الأحمد