الحمد لله وسعت رحمته ذنوب المسرفين، وأعجزت آلاؤه عد العادين، أحمده سبحانه لا تحجب عنه دعوة، ولا تخيب لديه طلبة، ولا يضل عنده سعي، وأشكره وأثني عليه، رضي من عظيم النعم بقليل الشكر، وغفر بالندم كبير الذنب، ومحا بتوبة ساعة خطايا سنين.. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تبلغ الآمال، وتهدي من الضلال، وتحفظ النعم من الزوال. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله ربه هدىً ورحمة، وسراجًا منيرًا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، وعلى أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم وأعد لهم مغفرة وأجرًا كبيرًا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فتقوى الله أكرم زاد، وأوثق عماد، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة:119].
عباد الله: إننا في هذه الأيام نتقلب في نعمة من نعم الله وافرة، فسماؤنا تمطر، وأشجارنا تثمر، وأرضنا تخضرّ، وما هذا إلا نعمة ورحمة من المنعم الرحمن المنان.
﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ﴿٦٨﴾ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ﴿٦٩﴾ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ﴾ [الواقعة:68-70]، أجاج أي: شديد الملوحة.
اللهم لك الشكر على آلائك التي لا تعد ولا تحصى، اللهم لو شئت لجعلت ماءنا أجاجًا، ولكن رحمتك أدركتنا فجعلته عذبًا زلالًا، فلك الشكر لا نحصي ثناءً عليك، فما بنا من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك.
عباد الله: وكيف لا نشكر الله وقد كنا بالأمس القريب فقط نشكو الجدب والقحط وقلة المياه، وكانت مشكلة نقص المياه تُعد من أكبر أزمات البلاد، فنزلت رحمة الله الواسعة، فرويت الأرض، وجرت الوديان، وامتلأت الآبار، وسالت العيون، وفاضت السدود برحمة من الله وفضله.
أيها الإخوة المسلمون: إن رحمة الله بنا عظيمة، ونعمه علينا كثيرة، فالواجب علينا أن نشكر الله على هذه النعمة، وأن ننسب الفضل له، فما مطرنا إلا بفضل الله ورحمته.
جاء في صحيح البخاري ومسلم عن زيد الجهني أنه قال: صلى بنا رسولُ الله ﷺ الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت بليل، أي: بعد ليلة ممطرة، فلما انصرف النبيّ ﷺ - أي: سلّم من صلاة الفجر - أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي و كافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا أو كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب»[1]. لقد كان أهل الجاهلية يظنون أنّ نزول الغيث بواسطة كوكب من الكواكب اسمه النَّوء، فلا ينزل المطر إلا بظهور ذلك النجم، فبدل أن يجعلوه علامةً كانوا يعتقدون أنّه هو الموجد والفاعل المحدث للمطر، يجيء المطر بمجيئه وظهوره، فأنكر الله عليهم ذلك وأبطل قولهم، وجعله كفرا.
فالشاهد من الحديث أن على كل المسلم أن ينسب نزول المطر لله وحده لا شريك له، وأن يشكره تعالى ويقول بعد نزول المطر: (مُطرنا بفضل الله ورحمته)، وأن لا يعلق نزول المطر بشيء من المخلوقات كوكب كان أو نجم أو طبيعة كما يزعم البعض، وما الطبيعة؟ بل رب الطبيعة وحده لا شريك الله.
أيها المسلمون: إن المؤمن المستبصر دومًا وأبدا يتأمل ويتدبر في مخلوقات الله، ويتخذ من كل حركة وسكون في هذا الكون آية تدل على عظمته سبحانه وتعالى وقوّته وقدرته وكرمه وفضله.
| فيا عجبًا كيف يُعصـى الإله |
| أم كيف يجحده الجاحدُ |
| وفي كل شيء له آيةٌ |
| تدل على أنه الواحدُ |
قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة:164].
وفي نزول المطر عبر وآيات عظيمة ذكرها الله في كتابه العزيز فينبغي أن نعتبر بها حق الاعتبار.
ومن هذه العبر والآيات ما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف:57].
نعم ففي إنزال المطر دليل ومثال على قدرة الله العظيمة، ويتجلى ذلك في إنشائه سبحانه للسحب بعدما كانت ماءً يتبخر، فتتراكم وتتجمع على أشكال مختلفة، ثم تأتي الرياح بأمره فتسوقها إلى بلد محدّد دون بلد آخر، وإلى مكان محدد دون مكان آخر، فينزل المطر بقدر معلوم وفي أوقات معلومة، ذلك تقدير العزيز العليم، ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ﴿١٢﴾ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾ [الرعد:12-13]، أي: شديد القوة سبحانه، إنها قوةٌ لا حدود لها، فما يعجزه شيء سبحانه.
ومن آيات الله إنزال المطر وإحياؤه للأرض بعد موتها: ﴿ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [فصلت:39]. خاشعة أي: يابسة. نرى الأرضَ جرداءَ قاحلة قد تشققت، ونال منها القحطُ وجفت، وعجز في إصلاحها الناس، ويئس منها المزارع، فبينما هي كذلك إذا بها تهتز خضـراء رابية، قال الله تعالى:
وفي إحيائه للأرض بعد موتها العبرة ومثال لقدرته في إحيائه للموتى يوم القيامة، ولذا نجد أن الله كثيرا ما يربط بين إحياء الأرض بعد موتها وبين إحياء الموتى من قبورهم، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ [الزخرف:11]، أي: كذلك خروجكم من قبوركم بعد موتكم، فالذي أحيى الأرض بعد موتها قادر على بعثكم بعد موتكم.
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعني وإياكم بما في من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه كان غفارا.
الحمد لله الذي استوى على عرشه فوقَ السماوات، وأحاط بعلمِه مكنونَ الضمائر والخفِيَّات، له الأيامُ يُداوِلها، وبيدِه الأحوالُ يُقلِّبها، وفي الكون آياته الظاهراتُ وسُنَنُه الباهرات، وفي أحوالِ الأرضِ والأمَم عِبَرٌ وعِظات، فتِلكَ أرضٌ ترتَجُّ وتتزَلزَل ويطغَى عليها البحر ويعلوها الموجُ فتُصبِحُ آيةً وخبرًا، وتلك دولٌ تدُول تتغيَّر وجوهها وأحوالُها، والله هوَ المُعِزُّ وهو المُذِلُّ، وهو الحكيم في تَصاريفِ القدَر، وإنَّ في ذلك لمُدَّكرًا، ﴿ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [يس:83].
الحمد لله المحمود بكلِّ حال، الحمد لله المُؤمَّل لكلِّ عطاءٍ ونَوال، الحمد لله حمدَ الشاكرِ في النعماء، وحمدَ الصابر في البلاء، أحمده تعالى وأشكره، وأُثني عليه وأستَغفِره.
أشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، عزَّ جاره، وجلَّ ثناؤه، وتقدَّست أسماؤه، لا يُخلَف وعدُه، ولا يُهزَمُ جندُه، سبحانه وبحمده. اللّهمّ لك الحمد كلُّه، ولك الشكر كلُّه، وبيدك الخير كلُّه، وإليكَ يرجع الأمر كلُّه، لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطِيَ لما منعتَ، ولا هاديَ لمن أضلَلتَ، ولا مُضِلَّ لمن هديتَ، ولا قابضَ لما بَسطتَ، ولا باسِطَ لما قبضتَ، اللّهمّ ابسط علينا من بركاتِك ورحمتك وفضلِك ورزقك.
وأشهد أنَّ محمَّدًا عبد الله ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله الطيِّبين الطاهرين، وصحابته والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.
أمَّا بعد:
فاتَّقوا الله تعالى أيها المسلمون: فتقواه مفتاح الأغلاق وباب الأرزاق، ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴿٢﴾ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق:2، 3]، ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف:96].
أيها الإخوة المسلمون: لا بد أن نقف على حقيقة قد يغفل عنها الكثيرُ من الناس، وتتمثل هذه الحقيقة في طرحنا لسؤال على أنفسنا: ما هي أسباب تنزل الرحمات من رب البريات؟ وهل نستحق هذه الأمطارَ حقيقة؟ وهل يظن الواحدُ منا أن هذا المطرَ الذي نزل هو جزاءٌ نستحقه لما قدمناه من أعمال؟ وهل نحن من أهل الاستقامة ليصدق فينا قولُه تعالى: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾ [الجن:16]، أي: لو استقاموا على طريقة الهدى وملةِ الإسلام قولا وعملا واعتقادا لأسقيناهم ماءً كثيرا، فهل تشملنا هذه الآيةُ الكريمة؟ إن لم نكن كذلك فهل نحن ممن يكثر الاستغفار ليصدق علينا قول الله على لسان نوح لقومه: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴿١٠﴾ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴾ [نوح:10-11]؟ وخاصة بالنظر إلى حالنا وحال المسلمين اليوم من كثرة الذنوب والعصيان والفسوق والطغيان والظلم والعدوان والتقصيرِ في حق الله والبعدِ عن دينه. فهل تشملنا هذه الآيةُ الكريمة؟ كلا، ولكنها رحمة الله الواسعة التي أدركتنا، بل هي رحمة الله التي غلبت غضبه، فوالله لولا رحمةُ الله وحلمُه ما رأينا هذا الخيرَ كلَه.
ولذا ينبغي التنبه إلى الحذر مما يمنع نزول الأمطار ويمحق بركة الأرزاق، يقول ﷺ: «لم ينقص قومٌ المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم ما أمطروا»[2].
اسمعوا جيدا أيها الإخوة المسلمون إلى قوله: «ولولا البهائم ما أمطروا»، نعم هذه هي الحقيقة، لولا هذه البهائمُ والحيوانات، ولولا رحمة الله ما رأينا هذا الخيرَ كله.
وبهذا معشـر المسلمين ندرك مدى رحمة الله الواسعة، ومدى حلمه الكبير مع تقصيرنا في حقه.
فتوجهوا إلى الكريم الرحيم، وأقبلوا عليه، وتقربوا بصالح العمل لديه، ابتهلوا وتضرعوا وادعوا واستغفروا، فقد ربط سبحانه في كتابه بين الاستغفار وحصول الغيث المدرار، اقرؤوا وصية نبي الله نوح عليه السلام لقومه: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴿١٠﴾ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴿١١﴾ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ [نوح:10-12] ووصية هود عليه السلام لقومه: ﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ﴾ [هود:52].
راجعوا أنفسكم رحمكم الله بالاعتراف بتقصيركم وعيوبكم، وتوبوا إلى ربكم من جميع ذنوبكم، وجهوا قلوبكم إلى من بيده خزائن الرحمة والأرزاق، وأمِّلوا الفرج من الرحيم الخلاق، توبوا إلى ربكم من ذنوبٍ تمنع نزول الغيث، وأقلعوا من مظالم تحجب أبواب البركات.
تعطّفوا على فقرائكم بالرحمة والإحسان، أدوا الحقوق إلى أصحابها، وردوا المظالم إلى أهلها، قوموا بمسؤولياتكم على وجهها، أحسنوا إلى من تحت أيديكم، أدوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، وأصلحوا ذات بينكم، وأحسنوا تربية بناتكم وأبنائكم، وبروا والديكم، وصلوا أرحامكم، أدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم، وتصدقوا من فضول أموالكم، واتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن الصدقة تطفئ الخطيئة، وتطفئ غضب الرب سبحانه.
أيها الإخوة المسلمون: لقد علّمنا رسول الله ﷺ أدعية وأذكارا تقال آناء الليل وأطراف النهار، ومنها ما هو مخصوص بحسب الحال والمكان، وما ذلك إلا ليبقى المسلم دائما متصلا ومتعلقا بربه جل وعلا ، ذاكرا وداعيا إياه مستغيثا ومناجيا.
روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: «اللهم صيّبًا نافعا»[3]. وعندما يتوقف كما تقدم يقول: «مطرنا بفضل الله ورحمته»[4].. وكان إذا نزل المطر خشي منه الضرر دعا وقال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر»[5]. وإذا هبت الريحُ نهانا عن سبّها لأنها مأمورة، وكان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني نسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به»[6].
وجاء في الأثر بسند صحيح عن عبد الله بن الزبير ȋ أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: «سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته»[7].
فلا ينبغي للمسلم أن تفوته مثل هذه الأدعية و الأذكار.
والدعاء عند نزول الغيث مستجاب، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «اطلبوا إجابة الدعاء عند التقاء الجيوش وإقامة الصلاة ونزول المطر»[8]. فهذا من فضائل نزول الغيث، فما لنا لا نغتنمها؟! الدعاء الدعاء عباد الله، هو سلاح المؤمن، وملجأ الملهوف والمهموم، والمكروب والمحزون، ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر:60]، لم يأمر الكريم بالدعاء إلا ليستجيب ويعطي.
ولا بأس أن نُذَكّر إخواننا ببعض الرخص الصحيحة التي تؤدّى عند نزول الغيث، فقد ثبت عن النبي ﷺ الجمع بين الصلاتين في المسجد، وذلك لرفع المشقة عن أمته، وكما رخص للمسلم أن يصلّي في رحله أو بيته، فإذا صلى الناس الظهر ونزل المطر، أو كانت هناك ريح شديدة، أو سيول ومخاضات في الطين والماء في طرقات المصلين، حتى تشق عليهم العودة إلى الصلاة، فحينئذ يجمعون بين الظهر والعصر، وهكذا يقال في الجمع بين المغرب والعشاء، فالجمع تقرره المشقة، من مطر، أو ريح، أو نحو ذلك، والمشقة تجلب التيسير، والله أعلم.
اللهم اغفر لنا إنك كنت غفارا، اللهم أنزل علينا من بركات السماء، وأخرج لنا من بركات الأرض، واكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك..
عباد الله: صلوا وسلموا على البشير النذير، والسراج المنير..
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /يزيد بن خضر بن قاسي