الصورة الثانية: تساوي المصالح والمفاسد:
وهذه صورةٌ شائكةٌ اختلفت مواقف العلماء في وجودها على النحو الآتي[1]:
الموقف الأول: أن هذه الصورة موجودةٌ وواقعةٌ، ويمكن فرض تحققها في تعارض الواجبات والمحرمات، أو المندوبات والمكروهات، بحيث تتساوى مصلحة الواجب مع مفسدة المحرم، ومصلحة المندوب مع مفسدة المكروه.
وقد اختلفت وجهات نظر أصحاب هذا الموقف في الحكم هنا على قولين:
القول الأول: أن درء المفسدة مقدمٌ على جلب المصلحة، فإذا تعارض فعل واجبٍ وترك محرمٍ قُدِّم ترك المحرم على فعل الواجب، وإذا تعارض مستحبٌّ ومكروهٌ قُدِّم ترك المكروه على فعل المستحب.
وممن صرَّح بالأخذ بهذا الرأي المقري[2]، وابن السبكي[3].
ويمكن أن يُستدل لهذا القول بالأدلة التي تقدمت في الاستدلال للصورة التي تمثلها القاعدة وهي صورة غلبة المفاسد على المصالح؛ فهي تدل بعمومها على أن النظر إلى جانب درء المفاسد هو الأولى في حال اجتماعها مع المصالح ما دام أن المصالح غير غالبةٍ، ومن أظهر تلك الأدلة ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم»[4]، وقد تقدم وجه الاستدلال منه، فيشمل بعمومه جانب تساوي المفسدة مع المصلحة.
القول الثاني: أن جلب المصلحة مقدمٌ على درء المفسدة، ويُفهم هذا القول من تصريح الزركشي بأنه إذا تعارض الواجب والمحظور فإنه يُقدم الواجب[5]، كما ذكر أن قول الأصوليين: (إذا اختلط الحلال بالحرام وجب اجتناب الحلال) موضعه في الحلال المباح، أما إذا اختلط الواجب بالمحرم روعي مصلحة الواجب[6].
وكلام الزركشي هنا مطلقٌ يشمل حال التساوي وغيرها.
واستدل الزركشي لهذا بأن النبي ﷺ مرَّ بمجلسٍ فيه أخلاطٌ من المشركين والمسلمين فسلَّم عليهم[7].
ووجه الاستدلال منه: أن فعل النبي ﷺ محتملٌ لتحقيق المصلحة وهي السلام على المسلمين، ومحتملٌ لتحقق المفسدة وهي ابتداء الكفار بالسلام، وهما أمران متساويان، ومع ذلك قدَّم النبي ﷺ تحصيل المصلحة على دفع المفسدة.
القول الثالث: أن الأمر يختلف بحسب الأحوال، فتارةً قد يقع ترجيح المصلحة، وتارةً قد يقع ترجيح المفسدة، وتارةً قد يُقال بالتخيير بينهما، وتارةً قد يُقال بالتوقف.
وهذا القول مال إليه العز بن عبد السلام[8]، والعلائي[9]، وتابعه الحصني[10]، وهو الذي يظهر في اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية[11].
وهذا القول الثالث هو الأقرب إلى الصواب، بحيث يختلف الحكم باختلاف الوقائع والأشخاص والأحوال، ومن أمثلة هذا: أن المعروف والمنكر المتلازمين قد يتكافآن، وحينئذٍ قد يقال بصلاحية الأمر، وقد يُقال بصلاحية النهي، وقد يُقال بعدم صلاحيتهما.
الموقف الثاني: أن تساوي المصالح والمفاسد من كل وجهٍ غير موجودٍ ولا واقعٍ، بل إما أن تترجح المفسدة وإما أن تترجح المصلحة.
وهذا الموقف اختاره ابن القيم وتبناه ولم ينسبه لأحدٍ[12].
ومما استدل به ابن القيم هنا: أن المصلحة والمفسدة إذا تقابلتا فهما مؤثران يتدافعان ويتصادمان، وحينئذٍ لا يخلو أمرهما من ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن يقع أثر كلٍّ من المؤثرين، وهذا محالٌ، لأن الأثرين سيتصادمان في محلٍّ واحدٍ.
الاحتمال الثاني: أن يمتنع وجود كل واحدٍ من الأثرين، وهذا ممتنعٌ؛ لأن هذا ترجيحٌ لأحد الأمرين الجائزين بدون مرجحٍ.
الاحتمال الثالث: أن يقهر أحدهما الآخر، وحينئذٍ يصير الحكم للغالب، وهذا الاحتمال هو المتعين، فينبغي المصير إليه.
وقد اعتُرض على هذا القول بالوقوع، ومن المعلوم أن الوقوع دليل الجواز؛ فإن من الناس من تتساوى حسناته وسيئاته، فيبقى على الأعراف بين الجنة والنار؛ لتقابل مقتضى الثواب والعقاب في حقه، فإن حسناته قصرت به عن دخول النار، وسيئاته قصرت به عن دخول الجنة.
وقد أطال ابن القيم في الجواب عن هذا الاعتراض بجوابين إجماليٍّ وتفصيليٍّ راجعه إن شئت[13].
والذي يظهر رجحانه هو أن الخلاف هنا قد يؤول إلى اللفظ، وذلك أن ابن القيم الذي تبنى القول الثاني يقول بأن المصلحة أو المفسدة لا بد أن تغلب إحداهما الأخرى يظهر أن قصده بذلك أنه لا يمكن أن تُبطل إحداهما الأخرى في الواقع، ولا يقول بأنه لا يمكن تساويهما في نظر المجتهد.
وأصحاب الموقف الأول وإن قالوا بالتساوي بين المصلحة والمفسدة فالتساوي عندهم يعني التعارض والتضاد في نظر العالم بحيث لا يتبين له رجحان إحداهما على الأخرى، ولا يقولون بأن كلّاً من المصلحة والمفسدة تبطل الأخرى في الواقع.
فحصل الاتفاق - فيما يظهر - على أنه لا يمكن تساوي المصلحة والمفسدة في الواقع بحيث تبطل كلٌّ منهما الأخرى، وأن التساوي قد يقع في نظر العالم المجتهد، فعليه أن يطلب الترجيح بزيادة النظر والتأمل والتحري والتثبت حتى يصل إلى ما يرى أنه الصواب.