العلاقة بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي:
إذا أردنا أن نُدرك العلاقة بين هذين المصطلحين بما تتضمنه من وجه الجمع ووجه الفرق فإنه ينبغي لنا أن نتعرف على حقيقة الضابط الفقهي أولاً، ولمعرفة هذه الحقيقة يجب علينا مراجعة تعريفات العلماء لهذا المصطلح وإطلاقاتهم له، وقد انحصرت هذه التعريفات والإطلاقات - في الغالب - فيما يأتي[1]:
أولاً: إطلاق الضابط على القضية الكلية الفقهية التي تتكون جزئياتها من قضايا كليةٍ فقهيةٍ.
وعلى هذا لا فرق بينه وبين القاعدة الفقهية، وهذا مما يُفهم من تعريفات بعض العلماء كالفيومي، والكمال بن الهمام، وغيرهما[2].
ثانياً: إطلاق الضابط على القضية الكلية الفقهية التي تتكون جزئياتها من قضايا كليةٍ فقهيةٍ من بابٍ فقهيٍّ واحدٍ.
وهذا ما يُفهم من كلام ابن السبكي، والزركشي، والسيوطي، وابن نجيم، وغيرهم[3].
وهم يذكرون هذا المعنى للضابط في مقابلة معنى القاعدة الفقهية التي يُفهم من كلامهم تعريفها بهذا المعنى دون أن تكون جزئياتها مقيَّدةً ببابٍ واحدٍ أو نحوه.
فالذي يُفهم من هذا الاستعمال للضابط أنه يفترق عن القاعدة الفقهية من وجهين:
الوجه الأول: أن القاعدة الفقهية تجمع فروعاً من أبوابٍ شتَّى، وأما الضابط فإنه يجمع فروعاً من بابٍ واحدٍ، فمثلاً (الأمور بمقاصدها) قاعدةٌ؛ لأنها تجمع فروعاً من أبواب مختلفةٍ، أما قولنا: (كل ميتةٍ نجسةٌ إلا السمك والجراد) فيعد ضابطاً فقهيّاً؛ لتعلقه بباب واحدٍ أو بابين؛ إذ هو قد يتعلق بباب النجاسات، وبباب الذبائح والصيد.
الوجه الثاني: أن القاعدة الفقهية متفقٌ عليها - في الغالب - بين مجموع المذاهب أو أغلبها، أما الضابط الفقهي فالغالب فيه أن يختص بمذهبٍ معيَّنٍ، بل إن من الضوابط ما يكون وجهة نظرٍ فقهيةٍ خاصةٍ في مذهبٍ معيَّنٍ قد يُخالفها فقهاء آخرون من المذهب نفسه.
فمثلاً قولهم: (ما غيَّر الفرض في أوله غيَّره في آخره) يعد ضابطاً، حيث ذكره بعض علماء الحنفية واستنبطوه من فتاوى أبي حنيفة، وخالفه في حكم هذا الضابط صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن[4].
والتأمل في واقع كتب القواعد الفقهية واستعمالات العلماء لمصطلح الضابط يؤيد هذا التفريق، ولكن يبقى أنه هو (الغالب) فحسب في إطلاق الضابط.
وإذا أطلنا التأمل في واقع كتب القواعد الفقهية فإننا نجد أن العلماء قد يُطلقون الضابط على معانٍ أخرى يمكن إضافتها إلى ما تقدم وإلحاقها به، وهي على النحو الآتي:
ثالثاً: إطلاق الضابط على تعريف الشيء. ومثاله قول ابن السبكي: «وراء هذه القواعد ضوابط يذكرها الفقهاء... وهي مثل قولنا: العصبة: كل ذكرٍ ليس بينه وبين الميت أنثى»[5].
رابعاً: إطلاق الضابط على المقياس الذي يكون علامةً على تحقق معنىً من المعاني. ومثاله قول الزركشي: «ضابط: ما كان تمليكاً محضاً لا يدخل التعليق فيه قطعاً كالبيع... وما كان حلاً محضاً يدخله التعليق قطعاً كالعتق»[6].
خامساً: إطلاق الضابط على تقاسيم الشيء. ومثاله قول السيوطي: «ضابط: الناس في الإمامة أقسام، الأول: من لا تجوز إمامته بحالٍ...»[7].
سادساً: إطلاق الضابط على أحكامٍ فقهيةٍ جزئيةٍ. ومثاله قول السيوطي: «تعتبر مسافة القصر في غير الصلاة في الجُمَع، والفطر، والمسح...»[8].
ولذلك فإن الذي يظهر من هذه الإطلاقات جميعاً أنه يمكن أن نجمع بينها، فنقول في تعريف الضابط: إنه (ما انتظم صوراً متشابهةً في موضوعٍ واحدٍ، غيرَ ملتفَتٍ فيها إلى معنًى جامعٍ مؤثِّرٍ)[9].
وإنما قلنا بهذا ليشمل هذا المعنى جميع استعمالات العلماء لمصطلح (الضابط) في كتب القواعد الفقهية.
وبذلك يكون الفرق الرئيس بين الضابط وبين القاعدة هو ما ذكرناه فيما تقدم من أن القاعدة تشمل صوراً أو فروعاً متشابهةً في موضوعاتٍ متعددةٍ، أما الضابط فيشمل صوراً أو فروعاً في موضوعٍ واحدٍ.