العلاقة بين القواعد الفقهية والنظريات الفقهية:
إن مصطلح (النظريات) من المصطلحات المستحدثة التي اقتضتها حاجة الدارسين للفقه في كليات الحقوق والقانون الآخذة في مناهجها بطريق دراسات الغرب، ولذلك نجد أن الذين درَّسوا موضوعات الفقه في هذه الكليات قد تأثروا بذلك، وهم وإنْ كانوا قد ألَّفوا في (النظريات الفقهية) كنظرية الحق، ونظرية العقد، ونظرية التعسف في استعمال الحق، وغيرها، إلا أنهم لم يعتنوا بتحديد معنى النظرية، بل إن بعض العلماء والباحثين قد عدُّوا النظريات الفقهية من قبيل القواعد الفقهية[1]، ولذلك فإننا نحتاج إلى بيان المراد بها حتى يسهل علينا بيان علاقتها بالقواعد الفقهية.
ولكي يتضح لنا المراد بالنظريات لا بد من النظر في واقع الكتب المؤلفة فيها، مع تأمل ما ذكره بعض العلماء والباحثين المعاصرين في هذا الأمر.
وبناءً على هذا يمكن القول إن المراد بالنظريات الفقهية: هي موضوعٌ كليٌّ فقهيٌّ يدخل تحته موضوعاتٌ فقهيةٌ عامةٌ متشابهةٌ في الأركان والشروط والأحكام العامة مع اختصاص كل موضوعٍ بأركانه وشروطه الخاصة.
وبهذا يكون فيها نوعٌ من التشابه مع القواعد الفقهية من جهة اشتراكهما في أنهما يجمعان أحكاماً فقهيةً من أبوابٍ مختلفةٍ.
ولكن لا يعني هذا أن القواعد الفقهية يمكن أن نطلق عليها أنها نظرياتٌ فقهيةٌ؛ وذلك لوجود الفرق بينهما، ومن أوجه الفروق المعتبرة هنا ما يأتي[2]:
الوجه الأول: أن القاعدة الفقهية تتضمن حكماً فقهيّاً في ذاتها، وهذا الحكم الذي تضمنته القاعدة ينتقل إلى الفروع المندرجة تحتها، فقاعدة (اليقين لا يزول بالشك) مثلاً تضمنت حكماً فقهيّاً في كل مسألةٍ اجتمع فيها يقينٌ وشكٌّ.
وهذا بخلاف النظرية الفقهية فإنها تمثل معنًى عامّاً ليس فيه حكمٌ فقهيٌّ، وذلك مثل (نظرية الضمان) و(نظرية الفسخ والبطلان) ونحوها.
الوجه الثاني: أن بينهما عموماً وخصوصاً وجهيّاً، وذلك أن النظريات الفقهية تعد أعم وأوسع من القواعد الفقهية من جهة أن القواعد الفقهية يمكن أن تدخل تحت النظرية وتخدمها، والقواعد الفقهية تعد أعم من النظرية من جهة أن القاعدة لا تتقيد بموضوعٍ ولا بابٍ معيَّنٍ، أما النظرية فلا بد فيها أن تكون متعلِّقةً بموضوعٍ معيَّنٍ، كالعقد، أو الملكية، فلا تدخل حينئذٍ في العبادات مثلاً.