المسألة الثامنة: شروط اعتبار العادة والعرف[1]:
يُشترط لاعتبار العرف وإمكان تحكيم العادة أربعة شروطٍ:
الشرط الأول: أن يكون العرف مطرداً أو غالباً، ومعناه: أن يكون العمل بالعادة والعرف مستمرّاً في جميع الحوادث لا يتخلف، أو مستمرّاً في أكثر الحوادث، بحيث لا يتخلف العمل به إلا قليلاً، وهذا الشرط يُعبَّر عنه بقاعدةٍ سيأتي بيانها، وهي قاعدة (إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت).
الشرط الثاني: أن يكون العرف المراد تحكيمه قائماً وموجوداً عند إنشاء التصرف، ويُعبَّر عن هذا الشرط بقاعدةٍ نصها: (العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق دون المتأخر)، وينبني على هذا أن الألفاظ لا تفسر بالأعراف السابقة عليها أو المتأخرة عنها، فمثلاً: لو أقر شخصٌ في بلادنا بأن في ذمته لفلانٍ ديناً قدره مائة ريالٍ، فإن الريال يفسّر بالريال السعودي الورقي، لأن تفسيره بذلك هو العرف المقارن، ولو أنه أقر له بذلك ولكن من دينٍ كان قبل سبعين سنةً فإن الريال لا يصح أن يُفسّر بالريال الورقي؛ لأن تفسيره بالريال الورقي يعد عرفاً متأخراً.
الشرط الثالث: أن لا يُعارض العرف تصريحٌ بخلافه، فلو عارضه تصريحٌ بخلافه فإن العرف يُهمل ويؤخذ بالتصريح، ويعد العرف هنا من قبيل الدلالة، وقد تقدم نحو هذا في قاعدة (لا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح).
ومن أمثلة هذا ما لو صرَّح مؤجر السيارة التي جرى العرف باستعمالها في حمل الأمتعة بمنع المستأجر من استعمالها في ذلك، فإنه لا يجوز للمستأجر استعمالها في الحمل استناداً إلى العرف؛ وذلك لوجود التصريح بخلافه.
الشرط الرابع: أن لا يعارض العرفَ نصٌّ شرعيٌّ خاصٌّ، بحيث يؤدي العمل بالعرف إلى تعطيل النص، فإذا عارض العرفَ نصٌّ شرعيٌّ خاصٌّ بالحادثة التي يراد تطبيق العرف عليها فإنه لا اعتبار بالعرف، فيُهمل العرف ويؤخذ بالنص الشرعي.
مثال لذلك: لو جرى التعامل في بلدٍ ما بتجارة الخمر، أو الربا، فإنه لا اعتبار لهذا العرف، لأنه يصادم نصوصاً خاصةً بتحريم الخمر والربا.
وهذا يعني أنه لو عارض العرفَ نصٌّ عامٌّ فإن العرف لا يُهمل بشرط أن يكون العرف عامّاً وقائماً عند ورود النص، فيعمل به وبالنص، وذلك بحمل النص على ما أفاده العرف.
ومثاله: أنه ورد النص العام بالنهي عن أن يبيع الإنسان ما ليس عنده، والعمل بالاستصناع كان عرفاً عامّاً وقائماً عند ورود هذا النص، وهو من قبيل بيع الإنسان ما ليس عنده، وقد جوَّز الفقهاء العمل به تخصيصاً للنص العام بهذا العرف العام.