حجم الخط:

Adobe Systemsالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة:

دل على هذه القاعدة أدلةٌ منها:

1- قوله تعالى: ﴿ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النِّسَاء: 95].

ووجه الدلالة منها أن الآية الكريمة قد نصت على نفي المساواة في الأجر والثواب والدرجة والمكانة بين المتخلفين عن الجهاد في سبيل الله من أهل الإيمان بالله وبرسوله، والمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وهذا يعني تفضيل المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وهو عملٌ متعدي النفع، على القاعدين عن الجهاد وهم من أهل الإيمان، وعملهم قاصر النفع عليهم.

2- ما ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والقيام؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هى الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين»[1].

فقد دل الحديث على تفضيل إصلاح ذات البين، وهو عملٌ متعدي النفع، على التنفل بالصيام والقيام، وهما عملان قاصران على إصلاح النفس، حيث يتعدى أثر إصلاح ذات البين إلى الغير، فيؤدي إلى حصول الاجتماع ونبذ التفرق.

3- ما ورد أن رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ مرَّ بشعبٍ فيه عُيينةٌ من ماءٍ عذبةٌ فأعجبته لطيبها، فقال: لو اعتزلتُ الناس، فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله ﷺ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: «لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاماً، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة...»[2].

فقد دل الحديث على النهي عن التفريط في المصالح المتعدية التي تحصل من الجهاد في سبيل الله من أجل إدراك بعض المصالح التي يقتصر نفعها على الفاعل وحده بالانقطاع للعبادة واعتزال الناس، وهذا دليلٌ على أن العمل الذي يتعدى نفعه أفضل من العمل القاصر.

4- ما ورد أن رسول الله ﷺ قال: «رباط يومٍ وليلةٍ خيرٌ من صيام شهرٍ وقيامه...»[3].

فقد دل الحديث على تفضيل الرباط في سبيل الله على الصيام والقيام معاً، وذلك أن الرباط يتعدى نفعه، فيحصل به حماية الثغور والحدود، ومنع العدوان على المسلمين، فأما الصيام والقيام فنفعهما قاصرٌ على فاعلهما، وذلك دليلٌ على أن العمل المتعدي نفعه أفضل من العمل القاصر نفعه على الفاعل وحده.

5- ما ورد أن رسول الله ﷺ قال: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب»[4].

فقد دل الحديث على تفضيل العلم على العبادة، وذلك تفضيلٌ في الجملة، فالعلم نفعه يتعدى إلى من سوى المتعلم، فينتفع منه جمهور الناس، حين يُعلِّم الجاهل، ويُرشد الضال، ويصلح الفاسد، ويُصوِّب المخطئ، وتقام حدود الله وشريعته، وأما العبادة فيقتصر نفعها على العابد وحده، فدل هذا على أن العمل المتعدي النفع أفضل من العمل الذي يقصر نفعه على صاحبه.

6- اتفاق العلماء على أن النفع المتعدي أفضل من النفع القاصر على المرء نفسه، وقد نقل ابن الحاج هذا الاتفاق، فقال: (ولا خلاف بين الأئمة في أن الخير المتعدي أفضل من الخير القاصر على المرء نفسه)[5]، وقال أيضاً: (ولا يُختلف أن النفع المتعدي أفضل من القاصر على المرء نفسه بشرط السلامة من الآفات التي تَعْتَوِرُهُ في ذلك)[6].

7- أن تفضيل العمل الذي يتعدى نفعه على العمل الذي يقتصر نفعه على صاحبه هو الملائم عقلاً؛ فإن العمل الذي يتعدى نفعه تتحقق منه مصالح أعم وأكثر أثراً، وأما العمل القاصر فمصلحته خاصةٌ، ولا شك أن تحصيل المصالح العامة أولى من طلب وتحصيل المصالح الخاصة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة