المسألة الثانية: الأدلة على هذه القاعدة:
دل على هذه القاعدة أدلةٌ من النقل والعقل:
- فأما أدلة النقل فمنها:
1- قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [الأنعَام: 152].
ووجه الاستدلال منه: أن الله تعالى قد أباح لولي اليتيم التصرف في ماله بما فيه صلاحه ونماؤه، ومفهومه عدم جواز التصرف في مال اليتيم بما يؤدي إلى إفساده، مما يدل على أن تصرف الوالي بما تحت ولايته ينبغي أن يكون محققاً للمصلحة.
2- أنه قد وردت جملةٌ من الأحاديث التي تفيد التحذير من الغش للرعية وعدم النصح لهم والخيانة في أداء حقوقهم، ومنها قوله ﷺ: «ما من عبدٍ يسترعيه الله عز وجل رعيةً يموت وهو غاشٌّ لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجنة»[1]، وقوله ﷺ: «ما من أميرٍ يلي أمور المسلمين ثم لم يجهد لهم وينصح لهم كنصحه وجهده لنفسه إلا لم يدخل الجنة»[2]، وهذا يعني وجوب العمل على ما يحقق مصالحهم.
وورد في الحديث ما يدل على أن طاعة الرعية لهم مقيَّدةٌ بعملهم بطاعة الله تعالى كما في قوله ﷺ: «لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق»[3]، فلا تجوز طاعتهم في حال مخالفتهم لطاعة الله، مما يدل على أن عملهم بخلاف ما يحقق المصلحة للرعية يعد معصيةً لله تعالى، فلا يلزم الرعية ما ينتج من هذا التصرف.
ويُضاف إلى هذا ما أثر عن عمر رضي الله عنه من قوله: «إني أنزلتُ نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرتُ رددتُه، وإن استغنيتُ استعففتُ»[4]. وهذا من عمر رضي الله عنه بيانٌ للمنهج الذي ينبغي أن يكون عليه تصرف الإمام في المال، بحيث يكون تصرفه بحسب المصلحة التي دل عليها ما تقدم في الآية السابقة.
وقد أخذ الإمام الشافعي نصّاً للقاعدة من قول عمر رضي الله عنه هذا فقال: (منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم)[5].
- وأما دليل العقل فحاصله: أن الوالي ناظرٌ، والنظر يقتضي أن يكون مبنيّاً على تحقيق المصلحة، فإذا لم يكن تصرفه محققاً للمصلحة فلا يخلو إما أن يكون تصرفه ضرراً وإما أن يكون عبثاً، وكلاهما ليس من النظر في شيءٍ، فلا يُلتفت إلى هذا التصرف في هذه الحال بل يُلغى لعدم الفائدة فيه.