المسألة الخامسة: أسباب المشقة الجالبة للتيسير:
المراد بأسباب المشقة: الطرق التي يكون سلوكها مؤدياً إلى التلبس بالمشقة. وقد اجتهد بعض العلماء في حصر هذه الأسباب أو الطرق، فحصرها في سبعة أسبابٍ[1]:
السبب الأول: السفر، ومن تخفيفاته: جواز الفطر في حال الصوم في السفر، وجواز القصر والجمع بين الصلاتين في هذه الحال.
السبب الثاني: المرض، ومن تخفيفاته: جواز التيمم في حال المرض الذي يضر معه الاغتسال بالماء، وجواز الفطر في حال الصيام، وجواز التخلف عن صلاة الجمعة والجماعة في المسجد، وغير ذلك.
السبب الثالث: النسيان، ومن تخفيفاته: عدم الإثم، وعدم وجوب القضاء على من أكل أو شرب ناسياً وهو صائمٌ. وغير ذلك.
السبب الرابع: الإكراه، ومن تخفيفاته: أن من أُكره على البيع أو الشراء فإنه لا يلزمه موجب تصرفه، بل يُخيَّر بين الإمضاء والفسخ، ومن أُكره على الطلاق لا يقع طلاقه، ومن أُكره على إتلاف مال غيره فإنه لا يضمنه بل يكون الضمان على من أكرهه، ومن أُكره على التلفظ بكلمة الكفر لم يؤاخذ بموجب تلفظه بلسانه فقط.
السبب الخامس: الجهل، ومن تخفيفاته: عدم سقوط حق الشُّفعة إذا كان الشفيع جاهلاً بحقه فيها، وعدم سقوط الحق في الرد إذا اكتشف المشتري أن في السلعة عيباً وجهل أنه يجب رد السلعة بمجرد اكتشاف العيب.
السبب السادس: العسر وعموم البلوى، ولو عُبِّر عنه بـ(عموم البلوى) لكان كافياً؛ لأن العسر بمعنييه - عسر الاحتراز وعسر الاستغناء - يُمثِّل جزءاً من حقيقة عموم البلوى عند الفقهاء، فعموم البلوى هنا هو: شمول وقوع الحادثة للمكلفين أو للمكلف، بحيث يعسر الاحتراز منها أو الاستغناء عن العمل بها.
فحقيقة عموم البلوى عند الفقهاء تشمل صورتين:
الصورة الأولى: عسر الاحتراز، وهذه في الغالب مختصةٌ بما يقع بغير اختيارٍ من المكلف، وتكون الحادثة في هذه الصورة مطلوبٌ دفعها.
وذلك مثل النجاسة اليسيرة التي تكون بسبب نجاسةٍ يعسر الاحتراز منها كسلس البول، والدم الذي لا يرقأ، والدم الذي يكون بسبب القروح والدمامل، فإنه تجوز الصلاة معه، لعموم البلوى المتمثل في عسر الاحتراز عن تلك النجاسات.
الصورة الثانية: عسر الاستغناء، وهذه في الغالب مختصةٌ بما يقع باختيارٍ من المكلف، وتكون الحادثة في هذه الصورة مطلوبٌ جلبها والعمل بها.
وذلك مثل مس الصبيان للمصحف عند التعلم مع عدم طهارتهم، فإن ذلك يجوز ولا يؤمرون بالطهارة، ولا يُكلَّف الأولياء بأمرهم بالطهارة؛ وذلك لعموم البلوى المتمثل في عسر الاستغناء عن مسهم المصحف في هذه الحالة.
وعلى كل حالٍ فهذا السبب يعد أهم أسباب المشقة، وأوسعها تطبيقاً، وأكثرها ملامسةً للقضايا الفقهية المستجدة[2].
السبب السابع: النقص، هذا السبب له نوعان:
النوع الأول: النقص الحقيقي، وهو الذي يعود إلى نقصٍ في البدن أو أحد أعضائه، وهذا منه ما هو نقصٌ عقلي، فيشمل الصغر، والجنون، والعته، والنوم، والإغماء، والسُّكْر، ومنه ما هو عضويٌّ غير العقل، وهذا منه ما هو خلقيٌّ طبيعيٌّ وهو الأنوثة، ومنه ما هو غير طبيعيٍّ، فيدخل فيه أنواع العاهات، كالعمى، والخرس، والعرج، ونحوها مما يترتب عليه نقص القوى البدنية.
النوع الثاني: النقص الحُكْمي، وهو الذي لا يعود إلى نقصٍ في البدن، أو أحد أعضائه، وهذا مختصٌّ بالرق.
ونظراً لأن ذا النقص أضعف من ذي الكمال فإنا نجد أن الشارع قد خفف عنه إما بالإسقاط وإما بالتنقيص وإما بالإبدال وإما بالترخيص، أو غير ذلك.
فمثلاً الصغير غير مكلَّفٍ بالعبادات البدنية، وكذا المجنون، والمرأة غير مكلفة بالجمعة والجماعة، وكذا العبد، والأعمى والأعرج غير مكلفين بالجهاد، إلى غير ذلك من التخفيفات التي بُنيت على هذا السبب.
والذي نراه في هذا الحصر في هذه الأسباب السبعة أنه حصرٌ غير سديدٍ في الظاهر؛ لأنا نجد أن هناك أسباباً أخرى للمشقة غير ما ذُكر، كالخطأ، والخوف، والضرورة، والحاجة، والحيض والنفاس، والاستحاضة، وكبر السن أو الشيخوخة، والريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة، وحال نزول الثلج، أو البَرَد، وغيرها.
على أنه يُمكن أن يُعتذر لمن حصر أسباب المشقة في هذه الأسباب السبعة بأنه نظر إلى جانب الأغلبية، أي أن الغالب أن تخفيفات الشرع ترجع إلى هذه الأسباب السبعة، أو أن ما عدا هذه الأسباب السبعة يُمكن إرجاعها إليها بنوعٍ من التأويل، كإرجاع الإغماء إلى النقص أو إلى المرض، وإرجاع الخطأ والحيض والنفاس والضرورة والحاجة إلى عموم البلوى، وهكذا.