المسألة الخامسة: الأدلة على القاعدة:
دل على هذه القاعدة أدلةٌ من القرآن والسنة، ولعل أصرح دليلٍ على القاعدة على سبيل الإجمال ما ورد في حديث أبي سعيدٍ الخدري وابن عباسٍ وعائشة M أن رسول الله ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار»[1].
ووجه الاستدلال منه: أن هذا الحديث قد ورد بنفي الضرر مطلقاً، وهذا يوجب إزالته إما بدفعه قبل وقوعه بطرق الوقاية الممكنة وإما برفعه بعد وقوعه بما يمكن من التدابير التي تزيل آثاره وتمنع من تكراره.
يُضاف إلى هذا أن القرآن والسنة قد دلا على النهي عن إيقاع الضرر بالغير بغير وجهِ حقٍّ، وبيَّنا كيفية رفعه بعد وقوعه، وذلك في صورٍ كثيرةٍ، ومنها:
1- النهي عن المضارة بالمطلقات كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ۚ ﴾ [البَقَرَة: 231]، وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ۚ ﴾ [الطّلَاق: 6].
فهذا نهيٌ صريحٌ عن المضارَّة بالمطلقة إما بمراجعتها قبل انتهاء عدتها وتطليقها مرةً أخرى لتطول عليها العدة أو لتعطيه شيئاً مما آتاها، وإما بالتضييق عليها حتى تفتدي منه بمالها أو تخرج من مسكنه.
2- النهي للوالدة والوالد عن الإضرار بولدهما كما في قوله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ۚ ﴾ [البَقَرَة: 233].
وهذا نهيٌ للوالدة عن الإضرار بولدها بأن تابى أن ترضع ولدها إضراراً بوالده، ونهيٌ للوالد عن أن ينتزع الولد من والدته ويمنعها من إرضاعه لمجرد الإضرار بها.
3- النهي عن مضارة الكاتب والشاهد كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ ﴾ [البَقَرَة: 282].
فهذا نهيٌ إما عن المضارة من الكاتب والشاهد وذلك بأن يكتب الكاتب بخلاف ما يُملى عليه أو يمتنع من الكتابة أصلاً، ويشهد الشاهد بخلاف ما سمع أو يكتم الشهادة بالكلية، وإما نهيٌ عن المضارة بالكاتب والشاهد وذلك بأن يُدعيا إلى الكتابة أو الشهادة وهما مشغولان فإذا اعتذرا بعذرهما أوقع بهما صاحب الحق الأذى.
4- النهي عن المضارة في الوصية كما في قوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ ﴾ [ النِّسَاء: 12].
وهذا نهيٌ للمورِّث عن إدخال الضرر على الورثة في الوصية والدين بأن يوصي بأكثر من الثلث أو يوصي لوارثٍ، أو أن يُقرَّ بدينٍ ليس عليه.
5- النهي عن المضارة في استعمال الحق كما في حديث سمرة بن جندبٍ رضي الله عنه أنه كانت له عضدٌ[2] من نخلٍ في حائط رجلٍ من الأنصار، وكان مع الرجل أهله، فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به الأنصاري ويشق عليه، فطلب الأنصاري من سمرة أن يبيعه، فأبى، فطلب منه أن يُناقله فأبى، فأتى الأنصاريُّ النبيَّ ﷺ فذكر له ذلك، فطلب النبي ﷺ من سمرة أن يبيعه، فأبى، فطلب منه أن يُناقله، فأبى، وقال لسمرة: «فهبه له ولك كذا وكذا»[3]، فأبى، فقال النبي ﷺ لسمرة: «أنت مضارٌ»، ثم قال رسول الله ﷺ للأنصاري: «اذهب فاقلع نخله»[4].
فقد عد النبي ﷺ استعمال الحق على وجهٍ يلحق به الأذى بالغير من قبيل المضارَّة، وسعى إلى إزالة ما تضمنه من ضررٍ، وذلك بارتكاب أدنى المفسدتين دفعاً لأعلاهما.
ومن قبيل هذه الصورة ما ورد في حديث أبي قلابة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تُضارُّوا في الحُفَر»[5]. فقد نهى النبي ﷺ عن إلحاق الأذى بالغير عن طريق استعمال الحق، وذلك بأن يحفر الرجل بئراً في ملكه المجاور لبئر الغير فيذهب بذلك ماء بئر الجار[6]، وعدَّ هذا الفعل من قبيل المضارَّة.