حجم الخط:


المسألة الخامسة: الأدلة على القاعدة:

ذكر بعض العلماء لهذه القاعدة جملةً من الأدلة، ومنها:

أولاً: قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ۚ ﴾ [النِّسَاء: 29].

ووجه الاستدلال من الآية: أن الله تعالى حرَّم أكل أموال الناس بالباطل إلا إذا كان عن علمٍ وتراضٍ بين المتعاقدين، ولا شك أن التغرير من أكل أموال الناس بدون رضاهم، وقد جعل الله الرضا أساس الحل والحرمة، فمن خدع غيره أو غرر به في التجارة وغيرها يكون بتغريره قد أحدث خللاً في إرادة المغرَّر به، وأعدم رضاه في هذه الحالة، وأخذ ما لا يحل له.

ثانياً: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ مرَّ على صُبْرَةِ طعامٍ فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟»، فقال: أصابته السماء يا رسول الله. فقال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني»[1].

ثالثاً: حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً فيه عيب إلا بيَّنه له»[2].

ووجه الاستدلال من الحديثين: ثبوت حرمة التغرير والتدليس وكتمان العيوب، وتوعد من فعل مثل ذلك بالعقاب، ولذا فإن ما ترتب على هذا الأمر المحرم مضمونٌ.

وهناك أدلة على أن التغرير سبب للضمان، إما بضمان الغارِّ ابتداءً، أو برجوع المغرَّر على الغارِّ ما غرم، أو تحمل المسئولية، فالحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة يتفقون على أن التغرير سبب الضمان، وإن اختلفوا في بعض صوره وشروطه وأساس مشروعية الضمان بالغرور، ويستدلون على ذلك بأدلة:

أولاً: قوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»[3].

ووجه الاستدلال من الحديث: أنه لو أتلف إنسانٌ مال إنسانٍ أو أصابته غرامة بسبب تغرير الغارِّ له كان ذلك ضرراً لحق به من غير جنايته، ولا بد من رفع الضرر عنه، ورفعه يكون برجوعه على من غرَّه بضمان ما غرَّ به، أو ما تلف من ماله؛ لأن ذلك كان بسبب تغريره.

ثانياً: ما أُثر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (أيما رجل تزوج امرأة فدخل بها فوجدها برصاء أو مجنونةً أو مجذومةً فلها الصداق بمسيسه إياها، وهو له على من غره منها)[4].

ووجه الاستدلال من الأثر: أن عمر رضي الله عنه أوجب الصداق للمرأة، وجعل للرجل المغرَّر به حق الرجوع على من غرَّه بها، على مشروعية رجوع المغرَّر به على الغارِّ فيما غرمه أو تلف تحت يده، سواء أكان ذلك في النكاح أم في غيره.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة