حجم الخط:


المسألة الخامسة: تنبیهان متعلقان بهذه القاعدة:

التنبيه الأول: افترق مذهب الحنفية عن الشافعية هنا بأن الحنفية يقولون: إن اليمين تنعقد من الحالف بأي لفظٍ وقعت به، يستوي في ذلك ما إذا حلف ذاكراً أو ناسياً، عالماً أو جاهلاً، وكذا يحنث الحالف بفعل أو ترك المحلوف عليه، ذاكراً أو ناسياً، عالماً أو جاهلاً.

وأما الشافعية فيقولون: لا بد من وجود القصد إلى الحلف ومن وجود القصد إلى المحلوف عليه، حتى يمكن بناء الحكم على لفظ اليمين.

مثالٌ على التفريق: لو أراد شخصٌ أن يحلف أن لا يلبس ثوباً أبيضَ مثلاً، ولكنه قال: والله لا ألبس عباءةً. فعند الحنفية يحنث بلبس العباءة؛ لأنها لفظه، وعند الشافعية لا يحنث بلبس العباءة؛ لأنه لم يقصدها بلفظه.

التنبيه الثاني: مذهب المالكية والحنابلة يطَّرد في جانب تغليب النية على لفظ اليمين سواءٌ في تخصيص العام أو تعميم الخاص أو في بناء الحكم في اليمين على نية الحالف دون لفظه.

أما الحنفية فإنهم في الأيمان يُغلِّبون جانب اللفظ على جانب النية، سواءٌ في مجال عدم تعميم اللفظ الخاص بالنية، أو في بناء الحكم على لفظ اليمين عند اختلافه مع النية، إلا أن بعضهم يغلِّب جانب النية على جانب اللفظ في اليمين في تخصيص العام.

والشافعية في الجملة يتفقون مع الحنفية فيما تقدم في الجملة.

والذي يظهر أن السبب الذي دعا علماء الشافعية إلى القول بتأثير النية في تخصيص اللفظ العام يرجع إلى أن دلالة العام عندهم ظنيةٌ، وحينئذٍ فإنها تقبل التخصيص بالنية، ثم إنهم اختلفوا في التخصيص بالنية مطلقاً أو ديانةً لا قضاءً بسبب أنهم نظروا إلى تفاوت ألفاظ العموم في القوة والضعف، فما كان منها قويّاً في دلالته لم يقبل فيه التخصيص بالنية قضاءً بل ديانةً فقط، وما كان منها ضعيفاً في دلالته فإنه يُقبل فيه التخصيص بالنية قضاءً وديانةً.

أما الحنفية فقد اختلفوا في نوع دلالة العام أهي ظنيةٌ أم قطعية؟ لذلك اختلفوا في الحكم بتأثير النية في تخصيصه، فمن ذهب منهم إلى أن دلالته ظنيةٌ قال بإمكان تأثير النية في تخصيص العام ديانةً وقضاءً، ومن قال منهم: إن دلالة العام قطعيةٌ منع تخصيص العام بالنية قضاءً وأجازه ديانةً فقط؛ لعدم توافر القوة في المخصِّص حتى يُعارض به العام القطعي.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة