المسألة الرابعة: الأدلة على القاعدة[1]:
دلَّ على القاعدة أدلةٌ كثيرةٌ من القرآن والسنة تفيد بمجموعها تسويغ الاحتجاج بالعادة، والرجوع إليها في بناء الأحكام، ومنها:
1- قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ ﴾ [البَقَرَة: 233].
ووجه الاستدلال منه: أن الله تعالى علَّق أمر النفقة على الزوجة على المقدار المتعارف عليه، فتعطى الزوجة من النفقة ما تُعطاه مثلها في العرف، وينبغي للزوج أن لا يُقصِّر عن إعطائها مقدار نفقة مثلها في العرف والعادة، وهذا دليلٌ على إعمال العادة والالتفات إليها في بناء الأحكام.
2- قوله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ ﴾ [المَائدة: 89].
ووجه الاستدلال منه: أن الله تعالى علَّق أمر كفارة اليمين إذا كانت إطعاماً بكونه من أوسط طعام الأهل، وفي هذا إحالةٌ على العادة، فإن الوسط هنا غير مقدَّرٍ تحديداً، وإنما مرجعه إلى ما يكون وسطاً في العادة، وهذا دليلٌ على إعمال العادة والالتفات إليها في بناء الأحكام.
3- ما ورد من أن هنداً بنت عتبة J قالت: يا رسول الله: إن أبا سفيان رجلٌ شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذته منه وهو لا يعلم؟. فقال الرسول ﷺ: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»[2].
ووجه الاستدلال منه: أن الرسول ﷺ أباح لها أن تأخذ من مال زوجها كفايتها من النفقة، وقيَّد ذلك بأنه على ضوء العرف، أي على مستوى عادتها وعادة زوجها، وهذا دليلٌ على إعمال العادة والالتفات إليها في بناء الأحكام.
4- قوله ﷺ: «المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة»[3].
ووجه الاستدلال منه: أن أهل المدينة لما كانوا أهل زراعة اعتُبرت عادتهم في مقدار الكيل، وأهل مكة لما كانوا أهل متاجر اعتُبرت عادتهم في مقدار الوزن، والمراد بذلك فيما يُطلب تقديره شرعاً، كنُصُب الزكوات، ومقدار الديات، وزكاة الفطر، والكفارات، ونحو ذلك، وهذا دليلٌ على إعمال العادة والالتفات إليها في بناء الأحكام.
5- ما ورد أن ناقةً للبراء بن عازب رضي الله عنه دخلت حائطاً فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وعلى أهل المواشي حفظها بالليل[4].
ووجه الاستدلال منه: أن النبي ﷺ قد قضى في التضمين على ما جرت به عادة الناس، فإن عادتهم إرسال مواشيهم بالنهار للرعي، وحبسها بالليل للمبيت، وعادة أهل المزارع أن يكونوا في مزارعهم بالنهار دون الليل، وقضاء النبي ﷺ بموجب ذلك دليلٌ على اعتبار العادة وبناء الأحكام عليها.