حجم الخط:

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: مجال إعمال القاعدة[1]:

هذه القاعدة أساسٌ في منع الفعل الضار وتلافي نتائجه، وهي كما تقدم سندٌ لمبدأ الاستصلاح المتعلق بجلب المصالح ودرء المفاسد، ولذلك فإن كثيراً من أبواب الفقه تنبني على هذه القاعدة، ومن ذلك:

- مشروعية الخيار بأنواعه، فإنه شُرع لرفع الضرر الذي يلحق بأحد المتعاقدين.

- ومشروعية الحجر بأنواعه؛ فحجر الفلس شُرع لرفع الضرر عن الغرماء، وحجر السفه شُرع لدفع ضرر السفيه المحجور عليه.

- ومشروعية الشُّفعة؛ فإنها شُرعت لدفع ضرر الشريك أو الجار الذي لا يريده الإنسان.

- ومشروعية القصاص؛ فإنه شُرع لرفع ضرر المعتدى عليه أو وليِّه، ولدفع ضرر متوقعٍ، وهو الاعتداء على الناس في المستقبل.

- ومشروعية نصب الأئمة والقضاة، فإنه شُرع لرفع الضرر عن المظلومين، ودفعٌ للضرار المحتمل من قيام المعتدى عليه بأخذ حقه بنفسه.

- ومشروعية الحدود، فإنها شُرعت لدفع الضرر ورفعه عن الناس في أنفسهم وأعراضهم وأموالهم.

- ومشروعية قتال المشركين والبغاة، فإنه شُرع لدفع الضرر ورفعه عن الدين والأنفس والأموال.

ففي كل بابٍ من هذه الأبواب دفعٌ أو رفعٌ لأضرارٍ كثيرةٍ معلومةٍ.

وإذا تقرر هذا فإن هذه القاعدة وإنْ وردت مطلقةً في لفظها فهي مقيَّدةٌ في واقعها، فهي من قبيل العموم المخصوص؛ فليس كل ضررٍ محرماً شرعاً، وذلك أنه يخرج من هذه القاعدة ثلاثة أنواعٍ من الضرر:

أولها: الضرر الذي أذن الشرع في إيقاع العمل المشتمل عليه: وهو الضرر الواقع بوجه حقٍّ، ومنه ضرر العقوبات من الحدود والقصاص، فإنه وإنْ كان ضرراً على من يُقام عليه إلا أنه ضررٌ بحقٍّ، وقد أذن فيه الشارع، بل أوجبه في حالاتٍ كثيرةٍ[2].

ثانيها: الضرر الذي تعم به البلوى: أي يعسر الاحتراز منه أو يعسر الاستغناء عن العمل إلا معه، وهذا النوع من الضرر في غالب وقوعه ضررٌ يسيرٌ يمكن احتماله، ومن قبيل هذا النوع: الضرر الذي يكون في بعض المعاملات إما بسبب الغبن أو الغرر، فإنه وإنْ كان ضرراً إلا أنه إذا عمت به البلوى فإنه يُغتفر.

وثالثها: ما رضي به المكلف مما كان متعلقاً بحقه لا بحق الله تعالى: فمتى اشتمل العمل على ضررٍ للمكلف وكان متعلقاً بحقه هو ورضي به فإنه يُغتفر هذا الضرر، ومن هذا القبيل: أن في تزويج الولي موليته بغير كفءٍ - نسباً أو تديناً- ضرراً عليها، فلو أنها رضيت بذلك فإن العقد يصح؛ لأن الضرر الذي اشتمل عليه العقد وهو عدم الكفاءة في هذا الأمر ضررٌ متعلقٌ بالمرأة في حقٍّ من حقوقها، وقد رضيت به.

وكذا فإن في القذف بالزنا ونحوه ضرراً يلحق بالمقذوف، فلو أن المقذوف سكت في هذه الحال ولم يطالب بالحد، فإنه لا يُقام الحد على القاذف؛ لأن الضرر الذي اشتمل عليه القذف ضررٌ بحق المكلف المقذوف، وقد رضي به؛ لسكوته.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة