المسألة الرابعة: موقف العلماء من هذه القاعدة ومجال إعمالها:
تفاوتت مواقف العلماء من هذه القاعدة على النحو الآتي:
الموقف الأول: من يرى أن هذه القاعدة أغلبية، وليست مطردةً، وإلى هذا ذهب الزركشي، والهيتمي، حيث قال الزركشي: (وأما الشبهة التي استند إليها هذا القائل فمبنيةٌ على أن العمل المتعدي أفضل من القاصر، وليست بقاعدةٍ مطردةٍ)[1]، وقال الهيتمي: (قاعدة أن العمل المتعدي أفضل من القاصر... أغلبية؛ لأن القاصر قد يكون أفضل، كالإيمان أفضل من الجهاد)[2]، وقال أيضاً: (الغالب أن العمل المتعدي أفضل من العمل القاصر)[3].
ووجه هذا القول: أن قاعدة (العمل المتعدي أفضل من القاصر) يَرِدُ عليها بعض الاستثناءات التي تخرج من حكمها، ووجود الاستثناء دليلٌ على أن القاعدة لا تنطبق على كل جزئياتها بل على أكثرها، فتكون بهذا قاعدةً أغلبيةً لا كليةً.
الموقف الثاني: من يرى التفصيل بحسب أحوال التعدي والقصور، وأن القاعدة ليست على إطلاقها، وأنها لو أُخذت بهذا الإطلاق فإنها لا تصح، وإلى هذا ذهب العز بن عبد السلام، والقرافي، والمقري.
ففي حالٍ قد يكون العمل القاصر أفضل من المتعدي، وذلك كالتوحيد والإيمان والإسلام، وأركان الإسلام عدا الزكاة، فقد قال ﷺ: «خير أعمالكم الصلاة»[4]، وسُئل ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ فقال: «إيمانٌ بالله ورسوله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهادٌ في سبيل الله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «حجٌّ مبرورٌ»[5].
فقد فضَّل النبي ﷺ الإيمان على الجهاد، والإيمان عملٌ قاصر النفع على صاحبه.
وفضَّل النبي ﷺ الذِّكر والتسبيح عقب الصلاة على التصدق بفضول الأموال[6]، ومعلومٌ أن الذِّكر التسبيح عملٌ قاصر النفع، بخلاف التصدق بفضول الأموال، فهو عملٌ متعدٍّ.
وفي حالٍ أخرى قد يكون العمل المتعدي أفضل من العمل القاصر، كما مرَّ في تفضيل الجهاد في سبيل الله، وهو عملٌ متعدٍّ، على الحج المبرور، وهو عملٌ قاصرٌ.
وقد مرَّ بنا أن إنقاذ الغريق في حال القدرة على إنقاذه، أفضل من الاشتغال بالصلاة، ولو كانت فرضاً، ولو ضاق وقتها؛ لأن إنقاذ الغريق يتعدى نفعه إلى الغير، بخلاف الصلاة فنفعها قاصرٌ على فاعلها وحده.
ثم إن أصحاب هذا الموقف قد جعلوا ضابط التفضيل هنا مرتبطاً بأمرين:
أولهما: رجحان مصلحة العمل، فالعمل الذي تكون مصلحته أرجح يكون أفضل سواءٌ أكان عملاً متعدياً أم قاصراً.
ثانيهما: ورود النص بتفضيل العمل، فما ورد نصٌّ بتفضيله يكون أفضل وإنْ لم يُدرك سبب رجحانه.
ويقرب من هذا الموقف موقف من يرى أن هذه القاعدة مقيدةٌ في واقعها بشرطٍ، وهو أن تكون المصلحة الناتجة عن العمل المتعدي أرجح من المصلحة الناتجة من العمل القاصر[7]، فكأن نص القاعدة: (المتعدي الذي رجحت مصلحته أفضل من القاصر).
وبناءً عليه يصح إطلاق القاعدة بهذه العبارة، إلا أن لها شرطاً يجب تحققه لإعمالها، ولا يجب التصريح به في نصها، ولا يرد عليها الاستثناء كما قال أصحاب الموقف الأول، لأن ما قيل إنه مستثنى من القاعدة فهو غير داخلٍ في القاعدة من الأصل؛ إذ لم ينطبق عليه شرط القاعدة، فكأن نص القاعدة: (المتعدي الذي رجحت مصلحته أفضل من القاصر).
والذي يظهر أن العمل المتعدي أفضل من العمل القاصر مطلقاً في حال تعارضهما، وعدم إمكان الجمع بينهما، وهو المناسب شرعاً، والملائم عقلاً، إذ الشرع والعقل قد دلا على أن العمل الذي رجحت مصلحته وتعدى نفعه أفضل من العمل الذي تكون مصلحته مرجوحةً أو يكون أثره قاصراً على صاحبه في حال التعارض وعدم إمكان الجمع.
وأما تفضيل العمل القاصر على المتعدي بناءً على بعض النصوص الواردة فيها، فتحمل على التفضيل المطلق الذي لا يكون في حال التعارض، كتفضيل الإيمان على الجهاد في سبيل الله، أو تفضيله في حالٍ أو وقتٍ أو لشخصٍ دون ما عدا ذلك، وذلك كتفضيل الذكر بعد الصلاة على الصدقة بالمال؛ حيث إن هذا التفضيل إنما هو لأولئك الذين سألوا النبي ﷺ ومن كان مثلهم ممن لا يملك المال للتصدق به، وأما من يملك المال ولا يمكنه التصدق به وإيصاله لمستحقيه إلا إذا ترك الذِّكر، لضيق وقته وخوف فوات تحصيل المستحق، فإن الذي يظهر أن تحصيل بذل الصدقة أفضل من الذكر في حقه.
وهذا مثل تفضيل بعض الأعمال المتعدية على بعض، فقد يحصل أن يفضَّل عملٌ متعدٍّ على غيره، وفي موضعٍ آخر يُفضَّل عملٌ متعدٍّ آخر، ويكون ذلك بحسب الأحوال أو الأشخاص أو المناسبات، كما ورد في تفضيل بر الوالدين والجهاد في سبيل الله[8]، وورد تفضيل إدخال السرور على المؤمن وقضاء الدين عنه وإطعامه[9]، وورد تفضيل التودد إلى الناس على غيره[10].
وبناءً على ما تقدم فإن الذي يظهر أنه لا يُحتاج إلى تقييد إطلاق القاعدة بمضمون الشرط المذكور - وهو رجحان مصلحة العمل المتعدي - لأن تعدي النفع من طبيعة العمل المتعدي، وصاحب العقل السليم والنظر المستقيم يرجِّح العمل ذا النفع المتعدي على العمل ذي النفع القاصر.