المسألة الثالثة: الأدلة على القاعدة:
دل على هذه القاعدة أدلةٌ منها:
1- ما ورد في قصة رجم ماعزٍ رضي الله عنه لما زنا وهو محصنٌ[1].
فقد أمر النبي ﷺ برجمه ولم يأمر بتعزيره مع الرجم، مع أن فعل الزنا يقع معه ملامسةٌ وغيرها مما يستوجب التعزير، وقد اجتمع هنا سبب الحد وسبب التعزير فاكتفى النبي ﷺ بموجِبٍ واحدٍ، فدخل موجِب التعزير في موجِب الحد.
2- ما ورد في قصة سهو النبي ﷺ في صلاته عندما صلى بالصحابة صلاة العصر ثم سلَّم بهم في ركعتين، وما حصل من ذي اليدين، وتنبيهه للنبي ﷺ إلى ما حصل منه، فكان أنْ أتم النبي ﷺ ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين وهو جالسٌ بعد التسليم[2].
فقد دل فعل النبي ﷺ هذا على أن الواجبات إذا كانت من جنسٍ واحدٍ تداخلت؛ حيث ترك النبي ﷺ الواجب الفعلي، وهو الجلوس، وترك الواجب القولي، وهو قراءة التشهد، ومع هذا سجد لهما سجدتين فقط، فدل هذا على أن المتوافقين يتداخلان.
3- أن تداخل الأحكام عند اجتماع الأسباب التي من جنسٍ واحدٍ محل اتفاقٍ بين العلماء في الجملة، وقد نقل الونشريسي الإجماع على ذلك، فقال: (اجتمعت الأمة على التداخل في الجملة رفقاً بالعباد)[3].
4- أن في إعمال قاعدة التداخل بين الأحكام عند اجتماع أسبابها التي هي من جنسٍ واحدٍ - تحقيقاً لقاعدة التيسير ورفع الحرج، وهو أمرٌ مطلوبٌ شرعاً، وما أدى إلى مطلوبٍ فهو مطلوبٌ.
5- أن مقصود الشارع يتحقق بفعل أحد موجَبات الأسباب المتساوية، فإذا تحقق مقصود الشارع بهذا الموجَب ارتفع مقتضى الأسباب الأخرى[4].