وسأشير في كتابي هذا إلى أسماء أبرز الوفود التي قدمت على الرسول ﷺ، دون الدخول في تفاصيل أخبارها، لأن ذلك مما يطول الكلام فيه، وقد أفرد لها أبو تراب الظاهري كتابًا مفيدًا. [نفسه]. وهاكها:
1- وفد مُزَينة: قدموا على الرسول ﷺ في رجب سنة خمس [ابن سعد] وكان عددهم أربعمائة. وانظر خبرهم في المسند [حسن]. ففيه معجزة تكثير التمر.
2- وفد بني تميم: ذكر البخاري قدوم هذا الوفد، كما حكت سورة الحجرات عنهم من تصرفات مجافية لآداب الاستئذان والمخاطبة، حيث آذوا الرسول ﷺ بصياحهم له من وراء حجراته، طالبين منه أن يخرج إليهم ليفاخروه، ولم يستأذنوا عليه. [البخاري].
وكان قدومهم على الرسول ﷺ في أول السنة التاسعة الهجرية [الدياربكري].
3- وفد عبد القيس: ممن ذكر خبرهم البخاري ومسلم وغيرهما. وفيه خبر أشج عبد القيس وثناء الرسول ﷺ على حلمه.
4- وفد بني حنيفة: روى البخاري من حديث ابن عباس أن مسيلمة الكذاب قدم على النبي ﷺ في بشر كثير من قومه بني حنيفة، فجعل يقول: «إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته»، فأقبل إليه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس وفي يد رسول الله ﷺ قطعة جريد حتى وقف على مُسَيْلِمَة في أصحابه، فقال: «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريت في ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني»، ثم انصرف عنه.
وقد سأل ابن عباس أبا هريرة عن قوله ﷺ: «وإني لأراك الذي أُرِيْتَ في ما أريت»، فأخبره أن رسول الله ﷺ قال: «بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما، فأوحي إليَّ في المنام، أن أنفخهما فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان بعدي، أحدهما العنسي، والآخر مسيلمة».
واسم العنسي عَبْهَلَة أو عَيهَلَة بن كعب، والعَنْسِيّ نسبة إلى قبيلة عنس - بطن من مذحج - ادعى النبوة في عهد النبي ﷺ، باليمن، وحاربه الذين ثبتوا على الإسلام باليمن وقتلوه هو وزوجته، وقضوا على فتنته قبل وصول جيوش الخليفة أبي بكر رضي الله عنه. وقد فصلنا القول في فتنته بكتابنا: (الثابتون على الإسلام).
5- وفد نجران: ثبت في الصحيح أن العاقب والسيد صاحبي نجران جاءا إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه - أي يباهلانه -، فقال أحدهما لصاحبه: «لا تفعل، فوالله لئن كان نبيًا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا». وقالا: «إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلًا أمينًا ولا تبعث معنا إلا أمينًا». فقال: «لأبعثن رجلًا أمينًا حق أمين»، فاستشرف له أصحاب رسول الله ﷺ، فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح». فلما قام قال رسول الله ﷺ: «هذا أمين هذه الأمة». [متفق عليه]، فخرج معهم أبو عبيدة ليقضي بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه. [ابن إسحاق].
6- وفد الأشعريين: ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري أنه عندما بلغهم مخرج النبي ﷺ وهم باليمن خرجوا مهاجرين إليه ومعهم أخوان له، هو أصغرهم، أحدهما أبو بُردة والآخر أبو رِهم، وهم في بضعة أو في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلًا من قومه، فركبوا سفينة، فألقتهم إلى النجاشي بالحبشة، ووافقوا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده، فطلب منهم جعفر أن يقيموا معهم لأن رسول الله ﷺ بعثهم إلى هاهنا وأمرهم بالإِقامة، فأقاموا معه، حتى قدموا جميعًا، فوافقوا النبي ﷺ حين افتتح خيبر، فأسهم لهم. [متفق عليه].
7- وفد الحِمْيَريين من أهل اليمن: وهؤلاء الحميريون هم الذين جاء ذكرهم في الصحيح، وذلك عندما جاءت بنو تميم إلى الرسول ﷺ فقال: «أبشروا يا بني تميم»، فقالوا: «أما إذا بشرتنا فأعطنا». فتغير وجه رسول الله ﷺ، فجاء ناس من أهل اليمن، فقال النبي ﷺ: «اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم»، قالوا: «قد قبلنا يا رسول الله». [البخاري].
وكان ذلك في العام التاسع، عام الوفود. [ابن حجر: الفتح].
8- وفد طيِّء: قدموا على رسول الله ﷺ، وفيهم زيد الخيل، الذي سمَّاه الرسول ﷺ زيد الخير، وهو سيدهم، فأسلموا وحسن إسلامهم، وأقطع الرسول ﷺ زيدًا أرضًا، وكتب له كتابًا بذلك، ومات بالحمى في طريق عودته. ولما مات أحرقت زوجته ما كان معه من كتب لجهلها. [ابن إسحاق، ابن سعد].
9- وفد بني عامر: ثبت في الصحيح أن عامر بن الطفيل أتى النبي ﷺ فقال: أخيِّرك بين خصال ثلاث: «يكون لك أَهْلُ السَّهْلِ وَلِيَ أهل المَدَرِ، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان، بألف أشقر وألف شقراء»، فَطُعِنَ في بيت امرأة، فقال: «أَغُدَّةٌ كغدة البعير، في بيت امرأة من آل بني فلان، ائتوني بفرسي»، فركب، فمات على فرسه. [البخاري].
وروى الطبراني في الكبير [كما في تاريخ وتفسير ابن كثير] تآمر ابن الطفيل وإِرْبِد على قتل النبي ﷺ، وكانت خطتهما أن يشغل ابن الطفيل الرسول ﷺ بالحديث فيضـربه إربد فيقتله، فلا تكون إلا الدية، لأن الناس ستكره الحرب، ولكن الله عز وجل عصمه منهما، إذ لم يستطع إربد أن يفعل شيئًا، وأهلك الله عامرًا بالغدة وإربدًا بالصاعقة، فأنزل الله فيهما: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ ﴾[الرعد:8] - إلى قوله - ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ يعني محمدًا، و﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ ﴾[الرعد:13].
10- وفد جُذَام: قدم رفاعة بن زيد الجذامي في عشرة من قومه على رسول الله ﷺ في زمن هدنة الحديبية وقبل خيبر، فأسلم وحسن إسلامه، وأهدى لرسول الله ﷺ غلامًا، وكتب له رسول الله ﷺ كتابًا وبعثه إلى قومه، فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا. [ابن إسحاق، يتقوى بغيره].
11- وافد دوس -الطفيل بن عمرو- وقصته: روى ابن إسحاق من حديث الطفيل بن عمرو الدوسي أنه قدم مكة ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش، لأنه كان رجلًا شريفًا شاعرًا لبيبًا، وأرادوا أن يصرفوه عن الاستماع إلى الرسول ﷺ وحاولوا إقناعه بشتى الحجج حتى أجمع ألا يسمع من الرسول ﷺ، وحشا أذنيه قطنًا ثم أتى المسجد، وأقام قريبًا من الرسول ﷺ وأبى الله إلا أن يسمع منه بعض قوله، فسمع كلامًا حسنًا ثم قال في نفسه إنه ما دام رجلًا لبيبًا شاعرًا ما يخفى عليه الحسن من القبيح فلماذا لا يسمع من الرسول ﷺ. فمكث حتى انصـرف الرسول ﷺ إلى بيته فجاءه وحكى له ما حدث من قريش، وسمع منه، فأعجبه ما قال فأسلم، وطلب أن يدعو الرسول ﷺ الله ليجعل له آية تكون عونًا له على دعوة قومه. فكان أن جعل الله له نورًا في رأس سوطه. وعندما عاد كان أول من أسلم على يديه والده وأمه، وأبطأت عليه دوس، فعاد إلى الرسول ﷺ وطلب منه أن يدعو الله عليهم، ولكن الرسول ﷺ قال: «اللهم اهد دوسًا، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم». فرجع وأخذ يدعو إلى الإسلام إلى ما بعد غزوة الخندق، ثم قدم بمن أسلم من قومه على رسول الله ﷺ وهو بخيبر، وهم نحو سبعين أو ثمانين بيتًا من دوس، ثم لحقوا برسول الله ﷺ بخيبر فأسهم لهم مع المسلمين [سبق ذكر القصة]، فلم يزل مع الرسول ﷺ حتى إذا فتح مكة طلب أن يبعثه إلى ذي الكفين، صنم عمرو بن حممة، فأحرقه. [سبق ذكرها].
أما حديث الرسول ﷺ: «اللهم اهد دوسًا...» فأصله في الصحيح من رواية البخاري ومسلم. ومما يثبت أن الطفيل قد قدم على الرسول ﷺ وهو بمكة ما رواه مسلم من حديث جابر أن الطفيل أتى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله! هل لك في حصن حصين ومنعة؟ حصن كان لدوس في الجاهلية - فأبى ذلك النبي ﷺ للذي ذخر الله للأنصار. فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، هاجر إليه الطفيل وهاجر معه رجل من قومه...» الحديث.
12- قدوم جَرِير بن عبد الله البَجَليِّ: كان رسول الله ﷺ يخطب في المسجد عندما دخل جرير المدينة، وذكره الرسول ﷺ في خطبته قبل أن يدخل عليهم المسجد، فقال: «يدخل عليكم من هذا الباب - أو من هذا الفج - من خير ذي يمن، إلا أن على وجهه مسحة ملك». [أحمد والطبراني برجال ثقات؛ الطيالسي، صحيح]. فأسلم على يدي الرسول ﷺ وبايعه [متفق عليه]. وأكرمه الرسول ﷺ بأن ألبسه حلته، وقال: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه». [البيهقي، الدلائل].
والظاهر أن إسلامه كان متأخرًا عن الفتح، فإن الإِمام أحمد روى عنه قوله: «أسلمت بعدما أنزلت المائدة، وأنا رأيت رسول الله ﷺ يمسح بعدما أسلمت». [البداية، من رواية أحمد].
وذكر ابن سعد أن إسلامه وإسلام من كان معه في الوفد وعددهم مائة وخمسون رجلًا [البخاري]، كان في العام العاشر، في رمضان.
13- وفد ثقيف: أرسلت ثقيف وفدًا إلى رسول الله ﷺ في رمضان من العام التاسع بعد عودة الرسول ﷺ من تبوك، برئاسة عَبْد يَالَيل بن عمرو ومعه ثلاثة من بني مالك واثنان من الأحلاف، فأعلنوا إسلامهم وإسلام قومهم، وطلبوا من الرسول ﷺ تأخير هدم صنمهم اللَّات لمدة ثلاث سنين، مخافة غضب قومهم، فرفض ذلك الطلب، وما زالوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم، حتى سألوا شهرًا واحدًا، فأبى أن يدعها شيئًا مسمى كما يروي ابن إسحاق، ولكنه أعفاهم من القيام بذلك، وأوكل أمر ذلك إلى أبي سفيان والمغيرة بن شعبة، وطلبوا إعفاءهم من الصلاة بحجة عدم استساغتهم الركوع والسجود، فأبى عليهم ذلك قائلًا: «لا خير في دين لا صلاة فيه». [ابن إسحاق]، واشترطوا إعفاءهم من الزكاة والجهاد، فوافقهم على ذلك، وهو يقول: «سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا» [أبو داود، حسن]. وسألوه أن يعفيهم من الوضوء بحجة أن بلادهم باردة، وأن ينتبذوا في القرع، وأن يعيد إليهم أبا بكرة الثقفي، فأبى عليهم هذا كله. [أحمد، صحيح].
وأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص، وكان أصغرهم، لكنه كان أحرصهم على تعلم القرآن والتفقه في الدين. [مسلم؛ أحمد؛ ابن ماجه].
14- وافد فَرْوة بن عمرو الجُذَامي - صاحب بلاد مُعَان: قدم على رسول الله ﷺ مسعود بن سعد وافدًا من قبل فروة بن عمرو الجذامي، عامل الروم على معان. وبعث معه فروة هدايا، منها بغلة بيضاء وفرس وحمار، وكتب إليه الرسول ﷺ يبلغه وصول رسوله بخبر إسلامه، وأهدى إليه هدايا. وعندما بلغ ملك الروم خبر إسلام فروة أرسل إليه وأمره بالرجوع عن الإِسلام، فرفض فروة، فحبسه ثم صلبه وضرب عنقه. [ابن إسحاق، ابن سعد].
15- وفد بني أسد: ذكر ابن سعد أنهم قدموا في أول السنة التاسعة، وكانوا عشرة، منهم ضِرَار بن الأزور، ووابِصَة بن معبد، وطُلَيحة بن خويلد الأسدي. وقال رئيسهم - حَضْرَمِيَ بن عامر -: «يا رسول الله! أتيناك نتدرع الليل البهيم في سنة شهباء، ولم تبعث إلينا بعثًا»، فنزل فيهم قوله تعالى: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٧﴾ ﴾[الحجرات:17].
وروى البزار [ابن كثير: التفسير، صحيح] بإسناده إلى ابن عباس، قال: «جاءت بنو أسد إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، أسلمنا وقاتلتك العرب ولم نقاتلك». فقال رسول الله ﷺ: «إن فقههم قليل، وإن الشيطان ينطلق على ألسنتهم»، ونزلت هذه الآية: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ ﴾ الآية.