حجم الخط:

[الاستعداد لحنين]

فلما سمع بهم رسول الله بعث عبد الله بن أبي حَدْرَد الأسلمي ليأتيهم ويدخل فيهم ويعلمه خبرهم، فجاءهم ومكث فيهم يومًا أو اثنين، ونقل خبرهم إلى الرسول [مغازي الذهبي، حسن؛ الحاكم، صحيح].

ولعل هذا الخبر الذي نقله ابن أبي حدرد إلى الرسول هو الذي تبسم له الرسول وعلق عليه بقوله: «تلك غنيمة المسلمين غدًا - إن شاء الله». وذلك عندما اقتربوا من العدو. [أبو داود، حسن].

وبعد جمع المعلومات العسكرية المطلوبة استعد الرسول لمواجهتهم، فاستعار من يَعْلى بن أمية ثلاثين بعيرًا وثلاثين درعًا واستعار مائة درع من صَفْوَان بن أمية وأعادها إليه بعد غزوة حنين، وشكره على ذلك [الذهبي: المغازي، حسن؛ الحاكم، صحيح]. ويروى أنه استقرض من حُوَيْطِبَ عبد العُزَّى أربعين ألف درهم [الاستيعاب]، وتقبل معونة قدرها ثلاثة آلاف رمح من نَوْفَل بن الحارث بن عبد المطلب [نفسه].

وبعد أن أقام الرسول بمكة تسعة عشر يومًا [البخاري]، خرج إلى حنين لستٍّ خلت من شوال، وقيل لليلتين بقيتا من رمضان، وجمع بعضهم بأنه بدأ بالخروج في أواخر رمضان وسار سادس شوال وكان وصوله إليها في عاشره [البيهقي السنن الكبرى، النسائي، ابن حجر: الفتح] واستعمل عَتَّاب بن أَسِيْد بن أبي العِيْص أميرًا على مكة. [البخاري: التاريخ الكبير، حسب؛ ابن هشام، يعتضد؛ الإصابة].

وقد ثبت في الصحيحين أن الطلقاء قد خرجوا معه إلى حنين، دون تحديد لعددهم، وقال أهل المغازي إنه خرج معه ألفان من أهل مكة - الطلقاء - مع عشـرة آلاف، من أصحابه الذين خرجوا معه لفتح مكة، فأصبحوا اثني عشـر ألفًا [الذهبي: المغازي، حسن]، وهو أكبر جيش إسلامي يخرج في حياة الرسول إلى ذلك الحين، ولهذا ساد شعور عند بعض الناس أنهم لن يغلبوا من قلة، وعبر أحدهم [الواقدي، ابن إسحاق؛ دلائل البيهقي] عن هذا الشعور جهرة، وشق ذلك على رسول ، فعاتبهم القرآن وذكرهم بعدم الاتكال إلا على الله وحده، وإلا وكلهم إلى أنفسهم، ولقنهم درسًا بليغًا في هذا الشأن، فقال تعالى: ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴿٢٥﴾ [التوبة:25] [دلائل البيهقي؛ له أصل] وحكى لهم الرسول قصة نبي أعجبته كثرة أمته، فسلَّط الله عليهم الموت. [الدارمي؛ أحمد , صحيح].

وعندما اقترب الرسول من حُنين وحضرتهم صلاة العشاء، أمر أحد الصحابة بمراقبة العدو من فوق أحد الجبال المطلة على وادي حنين، فأدى الصحابي المهمة، ونقل إلى الرسول خبرهم، وأنهم قد خرجوا بظعنهم ونعمهم وشائهم واجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله وقال: «تلك غنيمة المسلمين غدًا - إن شاء الله تعالى»، وعندما حانت ساعة النوم تطوع أنس بن أبي مَرْثَد الغَنَوي بحراستهم إلى الفجر، فأثنى عليه النبي ووعده بالجنة. [أبو داود، صحيح].

وفي الطريق إلى حنين رأى بعض الطلقاء شجرة يعلق عليها المشـركون أسلحتهم تعرف بذات أَنْوَاط، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ فقال: «سبحان الله، هذا كما قال قوم موسى: ﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ [الأعراف:138]، والذي نفسي بيده لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم» [ابن إسحاق، حسن؛ أحمد، ابن حبان] وفي هذا دليل على أن قلوب هؤلاء لم تشرب الإِسلام بعد، لحداثة عهدهم به، بل روي أن ثمانين من الطلقاء قد خرجوا وهم على الكفر [مواهب القسطلاني، وشرحه للزرقاني]، وإذا كان الحال كذلك فلا غرابة من أن يعبر كَلَدة بن الحَنْبَل، أخو صفوان بن أمية لأمه، وهو أحد الطلقاء، عن فرحته بإدبار المسلمين في الجولة الأولى، قائلًا: ألا بطل السحر اليوم!! فقال له أخوه صفوان - وهو على شركه آنذاك - اسكت، فض الله فاك، فوالله لأن يَرُبَّني [أي: ربًا لي أو ملكًا] رجل من قريش أحب إليَّ من أن يَرُبَّني رجل من هوازن [أبو يعلى، حسن؛ ابن حبان]!!، وكان يقف زعماء مكة خلف الجيش ينظرون لمن تكون الدائرة، منهم: أبو سفيان وصفوان بن أمية وحكيم بن حزام [البداية، من حديث ابن عطية وعروة]. وكان صفوان في المؤخرة، ويرسل غلامًا له ليأتيه بالأخبار من المقدمة. [نفسه، من حديث عروة].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة