وعندما انهزم المسلمون في الجولة الأولى، كان أبو سفيان ينظر إليهم، وهو يحمل الأزلام، ويقول: «لا تنتهي هزيمتهم دون البحر». [ابن إسحاق، الواقدي].
بادرت هوازن إلى حنين، فأدخلوا جيشهم بالليل في الوادي، وفرقوا كُمَنَاءَهم في الطرق والمداخل والشعاب والأخباء والمضايق، وأصدر إليهم قائدهم أمره بأن يرشقوا المسلمين بالسهام عند دخولهم وادي حنين المنحدر، ثم يشدوا عليهم شدة رجل واحد [ابن إسحاق، حسن]، وشجعهم زاعمًا بأن المسلمين لم يلقوا من قبل مثلهم في الشجاعة والعدة والعدد والدراية بالحرب. [الواقدي].
وعبأ رسول الله ﷺ جيشه بالسحر، وعقد الألوية والرايات، ورتب الجند في هيئة صفوف منتظمة [الواقدي]، واستقبل بجيشه وادي حنين في عَمَايَةِ الصبح، أو غَلَسِهِ، وانحدروا فيه [ابن إسحاق، حسن]، تتقدمهم على المجنبة الخيالة بقيادة خالد بن الوليد [مسلم] وفي طليعتها بنو سليم منذ خروجه من مكة. [الواقدي].
وعند دخول المسلمين الوادي حملوا على هَوَازِن فانكشفوا، فأكب المسلمون على ما تركوه من غنائم، وبينما هم على هذه الحال، استقبلتهم هوازن وأمطرتهم بوابل من السهام التي لا تكاد تخطئُ أحدًا. [متفق عليه].
ولم يكن المسلمون يتوقعون هذا، فضاقت عليهم الأرض بما رَحُبَتْ، فولوا مدبرين، لا يلوي أحد على أحد [متفق عليه، ابن إسحاق، حسن]، وانحاز الرسول ﷺ ذات اليمين وهو يقول: «أين الناس؟ هلموا إليَّ، أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله» [ابن إسحاق، حسن]. ومما يدل على عدم توقع المسلمين لمثل هذه الخدعة، أن بعضهم قد خرجوا خِفَافًا عَجِلِين دون استعداد حربي كامل، لا سيما بعض الشباب الذين خرجوا حاسري الرؤوس، وليس معهم السلاح الكافي. [متفق عليه].
وكان أول من أدبر خيالة المسلمين، ثم المشاة، وفر معهم الطلقاء والأعراب، ثم بقية الجيش، حتى أنه لم يثبت مع الرسول ﷺ أحد سوى أبي سفيان بن الحارث [متفق عليه] وجماعة قليلة. [ابن إسحاق، حسن].
ومما يدل على الدور الكبير للطلقاء في هذه الهزيمة أن أم سُلَيم بنت مِلْحَان طلبت من الرسول ﷺ أن يقتلهم بحجة، أنهم انهزموا عنه، فقال لها رسول الله ﷺ: «يا أم سليم. إن الله قد كفى وأحسن». [مسلم].