وقد جمعت قريش جموعًا من قبائل شتى ومن أتباعها لحرب المسلمين، وقالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا. فأمر رسول الله ﷺ بقتالهم، وسارت جيوشه حتى انتهت إلى الصفا، ما يعرض لهم أحد إلا قتلوه [مسلم]. وقاد هذا الجمع صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، واختاروا الخَنْدَمَة ليقاتلوا فيها [ابن إسحاق، مرسلًا حسنًا؛ والخندمة: اسم جبل بمكة].
ودخل الرسول ﷺ مكة من أعلاها من جهة كَدَاءٍ [البخاري] خاشعًا شاكرًا يقرأ سورة الفتح ويرجع في قراءتها وهو على راحلته [البخاري]، ودخل ابن الوليد من أسفلها [الفتح]. والتحم خالد عند الخَنْدَمَة مع بعض المشـركين فاستشهد اثنان من فرسان المسلمين [البخاري]، وقيل: ثلاثة [ابن إسحاق، مرسلًا حسنًا]، وقيل: قتل من المشركين اثنا عشر رجلًا أو ثلاثة عشـر رجلًا - بالشك [مسلم]، وقيل قريب من عشرين رجلًا، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة [البيهقي: السنن الكبرى، من مرسل ابن عقبة]، وقيل أربعة وعشرون من قريش وأربعة من هذيل [الواقدي؛ ابن سعد]، وقيل سبعون قتيلًا [الطبراني، حسن لغيره]. ومن القرائن التي ترجح رواية موسى بن عقبة - باعتبار أنه من رجال الجماعة وأوثق من ابن إسحاق وابن سعد والواقدي - قول أبي سفيان: «يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم». [مسلم].
والظاهر من الأحاديث أن هذا القتل الذي حدث لم يكن ليحدث لو احترم كل المشركين الأمان الذي أعلنه الرسول ﷺ لأهل مكة، ذلك الأمان الذي فسـره بعض الأنصار، بأنه رغبة النبي ﷺ في قريته ورأفة بعشيرته، فأخبره الوحي بما قالوا، فخاطبهم قائلًا: «كلَّا، إني عبد الله ورسوله. هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم والممات مماتكم»، فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله! ما قلنا الذي قلنا إلا الظَنَّ بالله وبرسوله، فقال لهم: «إن اللهَ ورسولَه يُصَدِّقَانِكُم ويَعْذِرَانِكُم»، فأقبل بعض الناس إلى دار أبي سفيان والبعض الآخر أغلقوا عليهم أبوابهم. [مسلم].
لقد استثنى الرسول ﷺ من ذلك الإِعلان أربعة رجال وامرأتين إذ أعلن إهدار دمائهم ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة، والرجال هم: عكرمة بن أبي جهل [الواقدي]، وعبد الله بن خَطَل، [كان مسلمًا، فأرسله الرسول ﷺ مع أحد الأنصار مصدقًا، وكان معهما مولى له مسلم يخدمه، فعدا على مولاه فقتله؛ لأنه لم يصنع له طعامًا، ثم ارتد مشركًا، ابن إسحاق، معلقًا، وكان يهجو رسول الله ﷺ بالشعر، ابن حجر: الفتح)] ومِقْيَس بن صُبَابَة [قَتَلَ أنصاريٌ أخاه خطأ يوم المريسيع، فأُعْطِيَ الدية، ثم عدا على الأنصاري فقتله وهرب إلى مكة مرتدًا، ابن إسحاق، معلقًا، والبزار في الكشف، والطبراني في الأوسط، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة في المصنف؛ والنسائي والحديث حسن لغيره]، وعبد الله بن سعد بن أبي سَرْح [كان قد أسلم وكتب الوحي، ثم ارتد: ابن سعد، والطبراني في الأوسط، وعبد الرزاق في المصنف والنسائي: انظر: الحاشية السابقة، وفيها بقية المعلومات، وابن إسحاق، معلقًا، وأبو داود، والحديث حسنًا لغيره.]، وقد قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة [متفق عليه]، وقتل مقيس في سوق مكة، واختفى عكرمة وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، حتى ضمنا الأمان من الرسول ﷺ، فجاءا مسلمين وحقنا دمهما [النسائي؛ حسن لغيره]. والمرأتان هما: فَرْتَنَى وسارة وقيل فَرْتَنَى وأخرى كانتا جارتين لابن خطل [ابن إسحاق، حسن لغيره]، وأن سارة كانت لعكرمة بن أبي جهل [ابن إسحاق]. وأما قينتا ابن خطل فقتلت إحداهما وهربت الأخرى حتى استؤمن لها، فأمَّنها رسول الله ﷺ. وأما سارة فكذلك هربت حتى استؤمن لها، وعاشت إلى زمان عمر فوطئها رجل بفرس فقتلها. [الفتح؛ ابن إسحاق، ابن هشام].
ويذكر ابن حجر أن عدد الذين أهدر الرسول ﷺ دماءهم تسعة من الرجال وست أو ثمانٍ من النساء، وذلك للاختلاف في القينتين، إذ يحتمل أن تكون أرنب وأم سعد هما القينتان. وممن ذكرهم من غير ما ذكرنا: الحُويْرِث بن نُقَيْذ، نخس بعير ابنتي رسول الله ﷺ فاطمة وأم كلثوم، يوم هجرتهما، فرمى بهما إلى الأرض فقتله علي، وهَبَّار بن الأسود الذي عَرَضَ لزينب بنت رسول الله ﷺ حين هاجرت، فنخس بعيرها حتى سقطت على صخرة، وأسقطت جنينها، ففر يوم فتح مكة، ثم أسلم وحسن إسلامه، والحارث ابن طَلاطِل الخزاعي، فقتله علي، وكعب بن زهير، وقد جاء بعد ذلك وأسلم، ووحشي ابن حرب، قاتل حمزة، هرب إلى الطائف، ثم جاء في وفد ثقيف، وأسلم وحسن إسلامه، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان، وقد أسلمت.
وذكر الواقدي أن الرسول ﷺ أمر بقتل ستة نفر وأربع نسوة: عكرمة وهبار وابن سعد ومقيس والحويرث وابن خطل وهند بنت عتبة وسارة مولاة عمرو بن هشام وقينتين لابن خطل.
وسبب إهدار النبي ﷺ دم هؤلاء كما هو واضح من سيرتهم، ما ألحقوه من أذى شديد وتنكيل بالمسلمين، وكان في إهدار دمهم عبرة للطغاة والمستهزئين بأرواح الأبرياء في كل زمان ومكان.