عندما علم المشركون بما تم بين الرسول ﷺ والأنصار في بيعة العقبة الثانية، وعندما رأوا المسلمين يهاجرون إلى المدينة زرافات ووحدانًا، خشوا من تجمع المسلمين بالمدينة، وخروج الرسول ﷺ إليهم ليقودهم نحو تحقيق ما يريد، ولذا قرروا التخلص منه ﷺ.فعقد زعماؤهم اجتماعًا خطيرًا في دار الندوة، ليتشاوروا في أنجع الوسائل للتخلص من الرسول ﷺ.
وقد ذكر القرآن الكريم مضمون الآراء التي طرحت في ذلك الاجتماع. قال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال:30] [أحمد: المسند، وحسن ابن كثير في البداية إسناده. [ليثبتوك: ليسجنوك].
وجاءت الأحاديث والآثار مفصلة ما أجملته هذه الآية. فإضافة على ما جاء في رواية ابن عباس عند أحمد في سبب نزول الآية ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ﴾[الأنفال:30] هناك رواية أخرى عن ابن عباس عند ابن إسحاق [في السيرة] فيها تفصيل أكثر عن هذه المؤامرة [ورواه الطبري في تاريخه موصولًا من حديث ابن إسحاق، بسند حسن].
ففي هذه الرواية أنهم عندما اجتمعوا في دار الندوة للتشاور في أمر رسول الله ﷺ جاءهم إبليس في صورة رجل شيخ، مدعيًا أنه من أهل نجد، قال إنه سمع بالذي اجتمعوا له وأراد أن يشاركهم الرأي والنصيحة فأذنوا له... [يذكر السهيلي في الروض (2/229) أنه ادعى ذلك، لأنهم قالوا لا يدخلن معكم في المشاورة أحد من أهل تهامة، لأن هواهم مع محمد].
وعندما دارت المناقشة واقترح أحمد المؤتمرين أن يحبسوا الرسول ﷺ، قال الشيخ النجدي: «لا والله، ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب هذا الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم...».
ثم اقترح أحدهم أن ينفوه، فدحض النجدي الاقتراح مبينًا أن حسن حديث الرسول ﷺ ومنطقه الذي يأسره القلوب سيجذب الناس إليه ويغلب بهم قريشًا. وأخيرًا اقترح أبو جهل أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شابًا نسيبًا وسيطًا فيهم، ويعطى كل واحد منهم سيفًا صارمًا، فيضربون جميعًا بأسيافهم محمدًا ضربة رجل واحد، ليتفرق دمه بين القبائل، ولا يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فيرضوا بالدية.
أيد النجدي هذا الاقتراح، ووافق عليه الجميع، وتفرقوا على ذلك ولم يبق إلا التنفيذ. [لم تحدد الرواية الساعة التي اجتمعوا فيها، هل كانت ليلًا أم نهارًا، ولم نقف على المدة الزمنية بين اتخاذ قرار القتل وبين الشروع في التنفيذ].