حجم الخط:

أ- المؤاخاة:

لما قدم المهاجرون من مكة إلى المدينة لم يكن بأيدي معظمهم شيء، لأنهم تركوا أموالهم خلفهم، ولهذا، وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا أهل زراعة، والأنصار أهل زراعة، فقد أعطتهم الأنصار كل ما يستطيعونه من فضل، أعطتهم النخل والأرض ليعملوا فيها بنصف ثمارها، ومنهم من أعطيت له مَنِيْحَة محضة، واستغنوا عنها عندما فتح الله عليهم خيبر [مسلم]. وقد رد النبي نفسه ما أعطوه من نخل عندما فتحت عليهم قريظة والنضير [مسلم].

وكان ذلك الفعل من الأنصار دليلًا على مدى حبهم وإيثارهم المهاجرين. وقد شهد الله تعالى لهم بذلك في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ [الحشر:9] [البخاري].

ووصل بهم الإيثار إلى أن قالوا للرسول : «إن شئت فخذ منا منازلنا»، فقال لهم خيرًا، وابتنى لأصحابه في أرض وهبتها لهم الأنصار، وفي أراضٍ ليست ملكًا لأحد. [البخاري؛ البلاذري].

وقالت الأنصار للرسول : «اقسم بيننا وبينهم النخل»، قال: «لا. قال: يكفونكم المؤونة ويشركونكم في الثمر، قالوا: سمعنا وأطعنا». [البخاري].

وقال الرسول للأنصار: «إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم»، فقالوا: أموالنا بيننا قطائع، فقال رسول الله : «أو غير ذلك؟» قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «هم قوم لا يعرفون العمل، فتكلفونهم وتقاسمونهم الثمر» قالوا: نعم. [ابن كثير: البداية].

وروى البخاري عن أنس، قال: «دعا النبي الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين، فقالوا: لا، إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها، قال: إما لا، فاصبروا حتى تلقوني، إنه سيصيبكم بعدي أَثَرَةٌ».

ولم يتوانوا في استضافة ضيف رسول الله . فقد روى البخاري أن رجلًا جاء إلى النبي جائعًا، فلم يجد له رسول الله شيئًا عند زوجاته، فطلب من أصحابه استضافته، فاستضافه أنصاري لم يكن عنده إلا عشاء أهله وصبيانه، فأنام صبيانه، وقدم طعام أهله إلى ضيفه، وجلس معه، فأطفأت المرأة السراج، وجعلا يريانه كأنهما يأكلان، ولكنهما باتا جائعين، وفيهما نزل قوله تعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ [الحشر:9].

ومع هذا الإيثار، فقد أراد الرسول أن يوجد تشـريعًا يعالج للمهاجرين أوضاعهم الاقتصادية، ويشعرهم بأنهم ليسوا عالة على إخوانهم الأنصار، فكان أن شرع نظام المؤاخاة في السنة الأولى من الهجرة. [ابن حجر: الفتح].

وروى البعض أن إعلان المؤاخاة كان في دار أنس بن مالك [متفق عليه]. وذكر البعض أن المؤاخاة كانت في المسجد. [ابن حجر في الفتح عن شرف المصطفى] وقيل إن المؤاخاة كانت مرتين: مرة بين المهاجرين خاصة، وذلك بمكة، ومرة بين المهاجرين والأنصار، وهي المقصودة هنا [ابن عبد البر: الدرر].

ذكر ابن سعد بأسانيد شيخه الواقدي إلى جماعة من التابعين، أنه لما قدم رسول الله المدينة آخى بين المهاجرين بعضهم لبعض، وآخى بين المهاجرين والأنصار، آخى بينهم على الحق والمواساة، ويتوارثون بعد الممات، دون ذوي الأرحام. وكانوا تسعين رجلًا، خمسة وأربعين من المهاجرين، وخمسة وأربعين من الأنصار، ويقال: كانوا مائة، خمسين من كل فريق.

وروى البخاري عن ابن عباس: «كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي الرحم؛ للأخوة التي آخى النبي بينهم».

وذكر ابن حجر [في الفتح] أن من أغراض المؤاخاة أن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة والقوى، فآخى بين الأعلى والأدنى ليرتفق الأدنى بالأعلى، ويستعين الأعلى بالأدنى، وبهذا تظهر مؤاخاته لعلي، لأنه هو الذي كان يقوم به من عهد الصبا، من قبل البعثة، واستمر إلى ما بعدها، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة؛ لأن زيدًا مولاهم، فقد ثبتت أخوتهما، وهما من المهاجرين. [ابن إسحاق: السيرة].

لقد آخى الرسول بينه وبين علي بن أبي طالب - كما ذكرنا - [الحاكم، بسند يعتضد]، وبين الزبير وابن مسعود [نفسه، وابن حجر في الفتح وحسن سناده]، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع [البخاري]، وبين سلمان الفارسي وأبي الدرداء [نفسه]، وبين أبي عبيدة وأبي طلحة [مسلم]، وبين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك [ابن إسحاق في السيرة]، وبين أبي بكر وخارجة بن زيد [ابن إسحاق في السيرة].

وقد ذكر ابن إسحاق [في السيرة] عددًا كبيرًا ممن آخى الرسول بينهم. ونقل عنه ذلك ابن حجر [في الفتح]، وأجاب عن ما يمكن أن يكون فيه إشكال [الشامي: السبل].

ومما روي في أمر التطبيقات العملية لهذه المؤاخاة، قصة عبد الرحمن بن عوف وسعد ابن الربيع، حين قال سعد لعبد الرحمن: «إني أكثر الأنصار مالًا، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زَوْجَتَيَّ هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجتها، فقال له عبد الرحمن: «لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟» وفي رواية أخرى عند البخاري أيضًا زيادة في قول عبد الرحمن: «... بارك الله لك في أهلك ومالك...» فَدُلَّ على سوق بني قينقاع؛ فما انقلب إلا ومعه فضل من أَقْطٍ وسمن، ثم أخذ يتردد على السوق، يبيع ويشتري حتى استغنى بماله عن مال أخيه سعد، وتزوج امرأة من الأنصار، أمهرها بنواة من ذهب، وطلب منه الرسول أن يولم ولو بشاة بهذه المناسبة. [البخاري].

آخى الرسول بين أصحابه ليذهب عنهم وحشة الغربة، ويستأنسوا من مفارقة الأهل والعشيرة، ويشد بعضهم أزر بعض، فلما عز الإسلام، واجتمع الشمل، وذهبت الوحشة، وانخرطوا في الحياة، وعرفوا وسائل اكتساب الرزق، أبطل الله عز وجل التوارث بالمؤاخاة، وأبقى أخوة المؤمنين، وأنزل في ذلك: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال:57] ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [الأحزاب:6] [ابن كثير: التفسير، بسند صحيح]. وكان ذلك حين وقعة بدر [ابن سعد]. وروي أنه كان بعد أحد. [ابن سعد؛ الحاكم، بسند صحيح].

وذكر ابن عباس [البخاري] أن ما أُلغي من نظام المؤاخاة هو الإرث، أما النصـر والرفادة والنصيحة فباقية، ويمكن أن يوصى ببعض الميراث بين المتآخين، وإلى هذا المعنى ذهب النووي. [مسلم].

ومما يدل على بقاء واستمرارية المؤاخاة دون الإرث، مؤاخاة الرسول بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء؛ لأن سلمان أسلم بين أحد والخندق [الإصابة والاستيعاب]، ومؤاخاة معاوية بن أبي سفيان والحُتَات التميمي؛ لأن معاوية من مسلمي الفتح [الإصابة]، والحتات أسلم عندما جاء في وفد بني تميم في أوائل السنة التاسعة الهجرية - عام الوفود [الإصابة]، ومؤاخاة جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل؛ لأن جعفرًا قدم من الحبشة والرسول قد فرغ من خيبر لتوه، في أول سنة سبع من الهجرة [يأتي في غزوة خيبر].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة