كانت هجرة المسلمين إلى الحبشة، فرارًا بدينهم من بلاد الفتنة إلى بلاد الأمان [البخاري].
روى ابن إسحاق[في السير، بسند حسن]، من حديث أم سلمة، قالت: «لما ضاقت علينا مكة، وأوذي أصحاب رسول الله ﷺ وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله ﷺ لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله ﷺ في منعة من قومه وعمه لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله ﷺ إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أتنم فيه، فخرجنا إليها حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمنا على ديننا، ولم نخش منه ظلمًا...».
روى ابن سعد أنهم خرجوا متسللين سرًا، وكانوا أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، حتى انتهوا إلى الشعيبة، منهم الراكب والماشي، ووفق الله تعالى للمسلمين ساعةَ جاؤوا سفينَتين للتجار حملوهم فيها إلى أرض الحبشة بنصف دينار. وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من حين نبئ رسول الله ﷺ، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر حيث ركبوا، فلم يدركوا منهم أحدًا.
وذكر ابن سعد في رواية ثانية أسماء اثني عشر رجلًا وأربع نسوة،ووافقه في ذلك ابن سيد الناس، وزاد عليه امرأة خامسة، وهي أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو، زوجة أبي سبرة. وروى ابن إسحاق [في السيرة والسير] أنهم كانوا عشـرة من الرجال وأربع نسوة. إذ إنه لم يذكر فيهم ابن مسعود، وذكر حاطبًا بالشك: (ويقال...).
ووافق الذهبي [في السيرة]، ابن إسحاق في عدد الرجال والنساء ولكنه ذكر أبا سبرة ولم يذكر أبا حاطب أو حاطبًا، ولم يذكر ابن مسعود. وذكر عروة [في مغازيه]، أنهم كانوا أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، وذكر فيهم ابن مسعود ولم يذكر حاطبًا.
وكان ضمن هؤلاء المهاجرين: أبو سلمة بن عبد الأسد، وزوجه أم سملة بنت أبي أمية، أم المؤمنين فيما بعد، وراوية الحديث الطويل في قصة الهجرة، وعثمان بن مظعون، ومصعب بن عمير، وعثمان بن عفان، وامرأته رقية بنت رسول الله ﷺ.
وقد قال الرسول ﷺ في عثمان ورقية رضي الله عنهما: «إنهما أول بيت هاجر في سبيل الله بعد إبراهيم ولوط رضي الله عنه» [البيهقي: الدلائل].ولعل المعنى:من أول بيت نبي
وعرفت هذه الهجرة بالهجرة الأولى إلى الحبشة، وذكر ابن هشام أنه كان عليهم عثمان بن مظعون رضي الله عنه.
لم يمكث هؤلاء المهاجرون طويلًا بالحبشة حتى بلغتهم الأخبار بأن أهل مكة قد أسلموا، فلذا قرروا العودة إلى وطنهم مكة في شوال من السنة نفسها.
وعندما اقتربوا من مكة علموا بأن الذي بلغهم كان مجرد إشاعة، وعرفوا أن نار العداوة ما زالت مشتعلة. فرجع منهم من رجع إلى الحبشة، ومن دخل منهم مكة دخلها مستخفيًا أو في جوار رجل من قريش [ابن سعد وابن إسحاق].
ويزعم بعض الناس أن سبب رجوعهم كان لوقوع هدنة حقيقية بين الإسلام والوثنية، أساسها أن محمدًا ﷺ تقرب إلى المشـركين بمدح أصنامهم والاعتراف بمنزلتها، إذ زعموا أنه قرأ على المشركين سورة النجم حتى وصل قولة تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ ﴿ ١٩ ﴾ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ ﴿ ٢٠ ﴾ ﴾ [النجم: 19- 20]، ألقى الشيطان في آذان المشـركين قوله: (تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى) فسجد وسجد معه كفار مكة. فلما بلغهم ذلك في الحبشة ظنوا أن القوم قد أسلموا لهذه القصة المزعومة.
وممن روى هذه القصة ابن سعد، والطبري [في التفسير]، والبيهقي [في الدلائل]، ولم يروها أحد من أصحاب الكتب الستة والإمام أحمد ولا غيرهم من أصحاب الكتب المعتمدة على التحرير. وهي باطلة من حيث السند والمتن.
والذي ثبت في الصحيح [البخاري] أن الرسول ﷺ قرأ سورة النجم، في جماعه من المسلمين والمشركين، وخواتيم هذه السورة قوارع تطير لها القلوب. فلما أخذ صوت الرسول ﷺ يهدر بها ويرعد بنذرها حتى وصل إلى قول الله تعالى: ﴿ وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ ﴿ ٥٣ ﴾ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ ﴿ ٥٤ ﴾ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ﴿ ٥٥ ﴾ هَٰذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَىٰ ﴿ ٥٦ ﴾ أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ﴿ ٥٧ ﴾ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ﴿ ٥٨ ﴾ أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ﴿ ٥٩ ﴾ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ ﴿ ٦٠ ﴾ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ﴿ ٦١ ﴾ ﴾ [النجم: 53- 61]، كانت روعة الحق قد صدعت العناد في نفوس المستكبرين والمستهزئين، فما تمالكوا أن يخروا لله ساجدين، مع غيرهم من المسلمين، حتى إن الوليد بن المغيرة - وكان كبير السن - أخذ كفًا من البطحاء وسجد عليه. فلما نكسوا على رؤوسهم وأحسوا أن جلال الإيمان لوى زمامهم، ندموا على ما كان منهم، وأحبوا أن يعتذروا عنه، بأنهم ما سجدوا مع محمد ﷺ إلا لأن محمدًا ﷺ عطف على أصنامهم بكلمة تقدير... [الغزالي: فقه السيرة].