حجم الخط:

أ- زواجه من خديجة

روى ابن إسحاق أن خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قصي بن كلاب كانت امرأة حازمة شريفة لبيبة، من أوسط قريش نسبًا، وأعظمهم شرفًا، وأكثرهم مالًا، وكان رجال قومها يحرصون على الزواج منها. وكانت تستأجر الرجال من مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم. فلما بلغها عن رسول الله ما بلغها، من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مالها تاجرًا إلى الشام، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، فوافق، وخرج مع غلام لها يدعى مَيْسَرَة. ومن خلال معاشرة ميسرة للرسول رأى من الآيات والمعجزات ما حكاه لسيدته خديجة، فرغبت في الزواج منه.

ومن تلك الآيات أن الرسول عندما قدم بُصرى من أرض الشام، نزل في ظل شجرة، فقال نسطورًا الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، ثم قال لميسـرة: (أفي عينيه حمرة؟ قال: نعم، لا تفارقه، قال: هو نبي، وهو آخر الأنبياء).

وكان ميسرة يرى ملكين يظلانه إذا اشتدت الهاجرة. وتقول الرواية إن خديجة رأت ذلك عندما دخل محمد مكة في ساعة الظهيرة. وفي القصة أنه وقع بين الرسول ورجل تلاح في البيع، فقال الرجل للنبي : احلِف باللات والعزى، فقال النبي : «ما حلفت بهما قط، وإني لأَمُرُّ فأعرض عنهما».

وقال لميسرة: (هذا والله نبي تجده أخبارنا منعوتًا في كتبهم). وفي القصة أيضًا أن تجارة الرسول ربحت ضعف ما كانوا يربحون، وأضعفت خديجة للنبي ضعف ما سمَّت له من قبل، وهو أصلًا ضعف ما كانت تعطي لغيره من قريش.

وذكرت خديجة لابن عمها ورقة بن نوفل قول الراهب نسطورًا الذي سمعه منه ميسرة، وهو: «ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي»، وما كان يرى ميسرة من إظلال الملكين له، فقال ورقة: «لئن كان هذا حقًا يا خديجة، إن محمدًا لنبي هذه الأمة، وقد عرفت إنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر، هذا زمانه» [رواه الطبراني في الأوسط بسند حسن].

كان هذا الذي سمعته خديجة من ميسرة وورقة تأكيدًا لما كانت تعرفه من أخلاقه وعلو شأنه، لذا رغبت في الزواج منه، فأرسلت صديقتها نفيسة بنت منية تعرض عليه ذلك، فوافق على ذلك، فتم الزواج [رواه المحاملي كما ذكر الذهبي في السيرة].

وقد أخرج البزار والطبراني عن جابر، بسند حسن، أن أختًا لخديجة استكرت رسول الله وشريكًا له. فلما قضيا السفر بقي لهما عليها شيء، فجعل شريكه يأتيهم ويتقاضاهم، وعندما يطلب من محمد أن يفعل مثله يعتذر بحجة أنه يستحي من ذلك. فذكرت ذلك لخديجة فأعجبت به وطلبت منه أن يخطبها إلى أبيها، فقال: «أبوك رجل كثير المال وهو لا يفعل. قالت: انطلق فالقه وكلمه، ثم أنا أكفيك، وائت عند سكره».

روى ابن إسحاق في السير والمغازي، أن خديجة تزوجت قبل الرسول ، عتيق ابن عائذ المخزومي فولدت له امرأة، ومن بعده تزوجت أبا هالة بن النباش التميمي، وولدت منه ابنها هندًا وامرأة، ومات أبو هالة في الجاهلية. [قاله ابن حجر في الفتح. وعند ابن سعد: ابن عابد].

وذكر ابن سعد أن أول من تزوجها هو أبو هالة، واسمه هند بن النباش بن زرارة، فولدت له رجلًا يقال له هند ثم خلف عليها بعده عتيق بن عابد بن عبد الله المخزومي، فولدت له جارية يقال لها هند، فتزوجها صيفي بن أمية بن عابد بن عبد الله. قلت: ولمحمد بن صيفي ترجمة في الإصابة والاستيعاب. أما الرسول فكان أول من تزوجها هي خديجة، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، [كما في صحيح مسلم].

وكان ذلك سنة خمس وعشرين من مولده في قول الجمهور، منهم ابن إسحاق.

واختلف العلماء في الذي تولى أمر زواجها. فقد ذكر البيهقي أن الذي زوجه إياها هو أبوها خويلد، وهو سكران، وفي نهاية الخبر يقول الراوي - المؤملي - عمر ابن أبي بكر: «والمجتمع أن عمها عمرو بن أسد الذي زوَّجها». وقد ضعف الهيثمي هذا الخبر لأن فيه عمر بن أبي بكر - المؤملي - وهو متروك. وذكر ابن إسحاق أن الذي زوَّجها هو أبوها خويلد، وقال السهيلي وابن كثير والشامي: إن ابن إسحاق ذكر في السيرة أن أخاها عمرو بن خويلد هو الذي زوجها، ولكن لم نجد ذلك في المطبوع من سيرة ابن إسحاق. وذكر الواقدي أن عمها عمرو بن أسد هو الذي ولي نكاحها، وخطأ من قال بغير هذا، لأن والدها - كما ذكر - مات قبل حرب الفجار، ووافقه على هذا السهيلي، وابن سيد الناس وابن عبد البر، والشامي.

قال طرهوني أنه إذا ثبت هلاك والدها قبل الفجار فيلزم أن يكون الذي تولى نكاحها هو عمها. والظاهر أن أحاديث ولاية أبيها لنكاحها أقوى، لأنها جاءت من عدة طرق تعتضد لترتقي إلى درجة الحسن لغيره، وعلى أقل تقدير تدل على أن للقصة أصلًا، والله أعلم.

وكان الذي ذهب مع الرسول لخطبة خديجة، عمه حمزة. لقد كان لخديجة رضي الله عنها مكانة عظيمة عند الرسول . ورويت في الصحيحين وغيرهما عدة أحاديث في مناقبها الكثيرة. ولا غرابة في ذلك، فهي ذات الخصال الحميدة التي ذكرنا طرفًا منها. وفوق ذلك فهي التي عرفت بين قومها بـ(الطاهرة العفيفة)، كما ذكر ابن عساكر [في تاريخه]. وهي التي رزق منها الرسول جميع أبنائه ما عدا إبراهيم، فهو من مارية القبطية، كما ذكر ابن إسحاق وغيره. والمتفق عليه من أولاده منها: القاسم - وبه كان يكنى - ومات صغيرًا قبل المبعث أو بعده، وبناته الأربع: زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة - وقيل كانت أم كلثوم أصغر من فاطمة - ثم ولده عبد الله، الذي ولد بعد المبعث، وكان يقال له الطاهر والطيب، كما ذكر ابن عساكر ويقال هما أخوان له. ومات الأبناء الذكور صغارًا باتفاق. أما البنات فأدركن البعثة ودخلن في الإسلام، وهاجرن معه ، كما روى البيهقي [في الدلائل وابن كثير].

وماتت خديجة عن خمس وستين سنة كما روى الواقدي، كما هو المشهور. وكان عمرها عندما تزوجها الرسول أربعين سنة، كما هو المشهور [الواقدي].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة