حجم الخط:

أ- هجرته ﷺ إلى الطائف:

لما مات أبو طالب ونالت قريش من رسول الله من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب، خرج رسول الله إلى الطائف يلتمس النصـرة من ثقيف، والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه الإسلام [أحمد: المسند، بسند جيد؛ ابن هشام].

روى ابن حبيب في (المحبر) أنه خرج إلى الطائف بعد موت خديجة بثلاثة أشهر وثمانية أيام. وعند مغلطاي [في السيرة] بثلاثة أشهر، في ليالٍ بقين من شوال سنة عشـر من البعثة، ومعه زيد بن حارثة رضي الله عنه، كما روى ابن سعد.

وروى ابن إسحاق [في السيرة] أن الرسول عندما ذهب إلى الطائف التقى سادة ثقيف يومذاك، أبناء عمرو بن عُمَيْر الثلاثة: عَبْدُ يالَيْل ومسعود وحبيب، وعرض عليهم الإسلام، فلم يقبلوه منه، وسخروا منه، وعندما يئس من خير في ثقيف طلب منهم أن يكتموا عنه ما دار بينهم وبينه حتى لا يثيروا عليه الناس.

ولكنهم لم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، فأخذوا في سبِّه والصياح به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجأوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من كان يتبعه من سفهاء ثقيف، وجلس في ظل شجرة عنب، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء الطائف.

فلما اطمأن في جلوسه، قال: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تَكِلُنِي؟ إلى بعيد يَتَجَهَّمُنِي؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وَصَلَحَ عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تُنْزلَ بي غَضَبك، أو يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ، لك العُتْبَى حتى ترضى، ولا حول ولا قوةَ إلا بك».

وعندما رآه ابنا ربيعة على هذه الحال، تحركت فيهما عاطفة الرحم، فأمرا غلامًا نصرانيًا يدعى عَدَّاسًا أن يقدم له عنبًا.

وتعجب عداس من قول الرسول : «بسم الله» قبل أن يأكل. وزال عجبه عندما أعلمه الرسول بأنه نبي، فأخذ يقبل رأس النبي ويديه وقدميه. وحاول ابنا ربيعة أن يصداه عن النبي قائلين له: «لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه».

وفي رواية موسى بن عقبة [في دلائل البيهقي]، أن سفهاء الطائف قعدوا للرسول صفَّين على طريقه، فلما مرَّ بين صفَّيهم جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة، وكانوا أعدُّوها، حتى أدموا رجليه. وكان ذلك من أشد ما لقي الرسول في جهاده.

وعندما لاقى الرسول ما لاقى من الابتلاء والشدة في الطائف، عاد إلى مكة مهمومًا. وعندما بلغ قرن الثعالب - قرن المنازل - بعث الله عز وجل إليه جبريل ، ومعه ملك الجبال، وجعله رهن إشارته، إذا أراد أن يطبق الأَخْشَبَيْنِ على أهل الطائف، وكان ذلك دعمًا معنويًا كبيرًا له. [والأخشبان جبلا مكة: أو قُبَيْسٍ والذي يقابله، وهو قُعيقعان، وقيل: الأحمر وجبلا منى].

وكانت إقامته بالطائف عشرة أيام، كما روى ابن سعد. وذكر مغلطاي [في سيرته] أن إقامته كانت شهرًا.

وروى البخاري ومسلم في هذا أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله : «هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟» قال: «لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلَال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت - وأنا مهموم - على وجهي، فلم أَسْتَفِق إلا وأنا بِقَرْنِ الثَعَالِب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أضلتني، فنظرت فإذا بجبريل، فناداني، فقال: «إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك. وقد بعث الله إليك مَلَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم». فناداني ملك الجبال، فسلم علي ثم قال: «يا محمد، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين»، فقال النبي : «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا».

وجاءه دعم معنوي آخر قبل أن يصل مكة. ألا وهو إيمان بعض الجن برسالته. ففي وادي نخلة، قرب مكة، أقام الرسول أيامًا. وخلال هذه الإقامة بعث الله عز وجل إليه نفرًا من الجن، استمعوا إلى القرآن، فآمنوا به. وقد ذكر الله ذلك في سورتي الأحقاف والجن: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴿٢٩ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٣٠ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣١ [الأحقاف: 29- 31].

﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ﴿١ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ۖ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴿٢ [الجن: 1- 15].

وقد ثبت خبر قدوم الجن على الرسول في [الصحيحين] أيضًا. وذكر ابن حجر -في الفتح -، أدلة تؤيد ما ذهب إليه ابن إسحاق - في السيرة - وابن سعد، في أن ذلك كان عندما رجع الرسول من الطائف.

لقد شد الله عز وجل أزر نبيه بهاتين الحادثتين، فقام نشطًا في الدعوة إلى الله عز وجل غير آبه بما يواجهه من أساليب الخصوم. فعندما عزم على دخول مكة في عودته من الطائف قال له زيد: «كيف تدخل عليهم يا رسول الله وهم أخرجوك؟» فقال: «يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه».

وأرسل في طلب جوار الأَخْنَس بن شَرِيق، فَجَبُنَ، وتعلل بأنه حليف، والحليف لا يجير كما يقول. وطلب جوار سهيل بن عمرو فرفض بحجة أن بني عمرو لا تجير على بني كعب. وأخيرًا أرسل في طلب جوار المطعم بن عدي، فاستجاب لذلك، وتهيأ هو وبنوه لحماية الرسول [ابن هشام؛ الفاكهي: أخبار مكة].

ومما قال حسان بن ثابت [ابن هشام] في رثائه له، يشيد بهذا الموقف النبيل:

«أَجَرْتَ رسولَ اللهِ منهم فأصبحوا

فَلَو سُئِلَتْ عنه مَعْدٌ بأَسْرِهَا

لقالوا هو المُوفِي بِخُفْرَة جارِه

عَبِيْدَكَ ما لَبّى مُهلٌّ وأَحْرَمَا

وقحطانُ أو باقي بَقِيَّةِ جُرْهُمَا

وذِمَّتِهِ يومًا إذا ما تَذَمَّمَا»

[والخفرة العهد. وتذمم: أي طلب الذمة والعهد والجوار. وذكر الفاكهي، بإسناد حسن، أن حسان بن ثابت رثى المطعم بن عدي لما مات مجازاة له على ما صنع للنبي ].

وحفظ رسول الله للمطعم بن عدي هذا الصنيع، ومن قبله صنيعه في نقض صحيفة المقاطعة، فقال يوم أسرى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له» [البخاري].

[قال ابن حجر: (وأن المراد باليد المذكورة ما وقع منه حين رجع النبي من الطائف ودخل في جوار المطعم بن عدي). والنتنى: العفنين].

لم يقيد هذا الجوار حركة الرسول وأصحابه في الدعوة إلى الإسلام. فعندما هاجر بعض المسلمين إلى الحبشة، خرج أبو بكر رضي الله عنه فيمن خرج مهاجرًا إليها، حتى إذا بلغ بَرْكَ الغِمَادِ، لقيه ابنُ الدُّغُنَّة- سيد القارة، وعند ابن إسحاق - سيد الأحابيش - فرده إلى مكة، وأدخله في جِوَارِه، قائلًا له: «مثلك يا أبا بكر لا يَخْرُجُ ولا يُخْرَجُ...». واشترطت عليه قريش أن يأمر أبا بكر فيعبد الله في داخل داره، ففعل أبو بكر ما طلب منه. وبنى مسجدًا في فناء داره ليصلي فيه. فكان إذا صلى وقرأ القرآن وقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، يعجبون منه، لأنه كان يبكي، وهو يقرأ القرآن. فأفزع ذلك قريشًا خشية إيمان الناس بالقرآن، فطلبوا من ابن الدَّغِنَةِ أن يطلب من أبي بكر عبادة ربه في داخل داره من حيث لا يسمعه أحد، وليس في فناء الدار حيث يسمعه الناس. وجاءه ابن الدغنة وقال له: «فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترد ذمتي...» فرد عليه أبو بكر قائلًا: «فإني أرد عليك جوارك، وأرضى بجوار الله ورسوله» [البخاري؛ البيهقي: الدلائل؛ ابن إسحاق: السيرة والسير]. [ويقال: الدُّغُنَّة، واسمه: الحارث بن يزيد؛ والدغنة أمه].

وهذا الموقف يشبه موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما رد جوار خاله العاص، رغبة منه أن يكون في جوار الله عز وجل ورسوله كسائر المستضعفين ممن يترفع الكفار عن إجارتهم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة