الأحكام والفوائد والدروس المستنبطة من غزوة تبوك:
1- إن في صلاة النبي ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه تكريمًا لأحد أصحابه، ودليلًا على جواز إمامة المفضول وصلاة الأفضل أو الفاضل خلفه.
2- سأل معاذ بن جبل رضي الله عنه الرسول ﷺ عن عمل يدخله الجنة، وهم في طريق العودة من تبوك، فأجابه الرسول ﷺ بأن رأس هذا الأمر الشهادة، وقوامه الصلاة والزكاة، وذروة سَنَامِه الجهاد [أحمد، حسن].
3- كان الرسول ﷺ يجمع بين صلاتي الظهر والعصـر، وبين صلاتي المغرب والعشاء [الزرقاني: شرح الموطأ]. وأصبحت سنة لأصحاب الأعذار.
4- سئل النبي ﷺ عن سترة المصلي، فأجاب بأنها مثل مُؤخرة الرحل [النسائي، صحيح].
5- أقام ﷺ بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة [ابن حبان: الموارد، صحيح]. وبهذا استدل بعض العلماء على جواز القصر ما دام المرء في حالة سفر ولم ينو الإقامة، وانظر الفقرة 17 بعد قليل.
6- قال ﷺ عن جِلْدِ الميتة: «دِبَاغُها طهورها»، وذلك عندما طلب ماء من بيت بتبوك فأتي له به في قربة من جلد فشرب. [أبو داود، حسن].
7- أهدر الرسول ﷺ ثنية رجل عض يد رجل آخر فانتزعها بقوة ومعها الثنية. [متفق عليه].
8- جواز الهجر أكثر من ثلاث ليالٍ لسبب شرعي، كما في أمر الرسول الله ﷺ بمقاطعة الذين خُلِّفوا لمدة خمسين ليلة.
9- إن من يمر بديار المغضوب عليهم والمعذبين، لا ينبغي له أن يدخلها، [إلا لضرورة]، ولا أن يقيم بها، بل عليه أن يسرع، ويتقنع بثوبه حتى يجاوزها، ولا يدخل عليهم إلا باكيًا معتبرًا، كما فعل الرسول ﷺ وأمر به عندما مر بديار ثمود بالحجر، وكما فعل في وادي محسر بين منى وعرفة، فإنه المكان الذي أهلك الله عز وجل فيه الفيل وأصحابه. [الزاد].
10- تصريح الإمام للرعية، وإعلامهم بالأمر الذي يضـرهم ستره وإخفاؤه ليتأهبوا له، وجواز ستر غيره عنهم والكناية عنه للمصلحة، كما فعل الرسول ﷺ في أمر الإِعلام بوجهته حين عزم على غزوة تبوك. [نفسه].
11- إذا استنفر الإِمام الناس للجهاد لزمهم النفير جميعًا، ولا يشترط في وجوب ذلك تعيين كل واحد منهم بعينه، وهو أحد المواضع الثلاثة التي يصبح فيها الجهاد فرض عين، والثاني: إذا حضر العدو البلد، والثالث: إذا حضر بين الصفين. [أي حين لقاء العدو].
12- وجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس، وهذه إحدى روايتي أحمد، قال ابن القيم [الزاد]: (وهو الصواب الذي لا ريب فيه).
13- إن في قول الرسول ﷺ لعثمان رضي الله عنه عندما رأى سخاء بذله: «ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم»، منقبة كبرى لعثمان رضي الله عنه، تضاف إلى مناقبه الأخرى الكثيرة، والتي أعظمها البشرى له بالجنة.
14- إن العاجز عن الجهاد والذي لا حرج عليه إذا تخلف عنه هو الذي يبذل جهده ويتحقق عجزه، كما في حالة الذين جاءوا يسألون الحملان فلم يجد الرسول ﷺ ما يحملهم عليه، فرجعوا يبكون لما فاتهم من شرف وأجر الجهاد.
15- مشروعية استخلاف الإمام، إذا سافر، رجلًا من الرعية على الضعفاء والنساء والذرية، كما في حالة علي رضي الله عنه، ويكون نائبه من المجاهدين، وهي خلافة خاصة، أما الاستخلاف العام والخاص بالشؤون الأخرى فكان لمحمد بن مسلمة. [نفسه].
16- لا يجوز شرب ماء آبار ثمود ولا الطبخ منه ولا العجن به، ولا الطهارة به، ويجوز أن يسقى منه البهائم، إلا ما كان من بئر الناقة، فيجوز الاستفادة من مائها في كل شيء. [نفسه].
17- أقام النبي ﷺ عشرين يومًا يقصر الصلاة، ولم يقل للأمة: لا يقصـر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر، سواء طالت المدة أم قصرت إذا كان غير مستوطن ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع، وكان ذلك عمل بعض أئمة السلف، مثل سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأنس ابن مالك وعبد الرحمن بن سَمُرة، وهو الصواب كما قال ابن القيم [في الزاد].
18- إن من مراتب الجهاد الأربعة: الجهاد بالقلب، كما في حال الذين حبسهم العذر، وقال عنهم الرسول ﷺ: «إن بالمدينة أقوامًا... الحديث» والمراتب الأخرى: اللسان، والمال، والبدن، كما في الحديث: جاهدوا المشـركين بألسنتكم وقلوبكم وأموالكم» [أبو داود؛ أحمد، النسائي؛ الدارمي؛ الحاكم (صحيح)؛ ابن حبان].
19- جواز إحراق وهدم أمكنة المعصية، كما فعل الرسول ﷺ بمسجد الضِّرَار.
20- جواز إخبار الرجل عن تفريطه وتقصيره في طاعة الله عز وجل ورسوله ﷺ، كما في رواية كعب لقصة تخلفه عن غزوة تبوك.
21- جواز مدح الإِنسان نفسه بما فيه من الخير، إذا لم يكن ذلك على سبيل الفخر والترفع، كما فعل كعب رضي الله عنه.
22- إن بيعة العقبة الكبرى كانت من أفضل مشاهد الصحابة رضي الله عنهم، حتى إن كعبًا رضي الله عنه كان لا يراها دون مشهد بدر.
23- لا ينبغي للإِمام أو المطاع أن يهمل من تخلف عنه في بعض الأمور، بل يذكره ليراجع الطاعة ويتوب، كما فعل الرسول ﷺ عندما سأل عن كعب وغيره بتبوك.
24- إن رسول الله ﷺ كان يقبل علانية من أظهر الإِسلام من المنافقين، ويكل سريرته إلى الله عز وجل، ويجري عليه حكم الظاهر، ولا يعاقبه بما لم يعلم من سره، كما فعل الرسول ﷺ مع الذين جاؤوه يعتذرون له عن تخلفهم.
25- إن في سجود كعب حين سمع صوت المبشر دليلًا ظاهرًا على أن تلك كانت عادة الصحابة، وهو سجود الشكر عند حدوث النعم المتجددة، والنقم المندفعة، وقد سجد أبو بكر رضي الله عنه لما جاءه خبر مقتل مسيلمة الكذاب [البيهقي: السنن]، وسجد علي عندما وجد ذا الثُّدَيَّةِ أو المُخْدَجَ مقتولًا في الخوارج [أحمد، صحيح] وهم في هذا يقتدون بالرسول ﷺ. فقد سجد رسول الله ﷺ عدة مرات لأحداث سارة، وقال أبو بكْرَة: «كان رسول الله ﷺ إذا أتاه أمر يسره خرَّ لله ساجدًا» [أبو داود، صحيح؛ الترمذي، حسن؛ ابن ماجه، حسن]، ومن أمثلة ذلك سجوده عندما أتاه خبر إسلام همدان على يد علي بن أبي طالب رضي الله عنه. [البخاري].
26- استحباب الصدقة عند التوبة بما قُدِرَ عليه من المال، كما جاء في موقف كعب رضي الله عنه وحواره مع الرسول ﷺ عندما أراد التصدق بكل ماله، ولكن الرسول ﷺ استحب له الثلث، فأمسك فقط سهمه الذي بخيبر. [أبو داود، صحيح].
27- مشروعية أخذ الجزية من أهل الكتاب، وأنهم يحرزون بذلك دماءهم وأموالهم، فقد رأيت أن الروم اختفوا وتفرقوا خوفًا من مواجهة رسول الله ﷺ حينما وصل تبوك، وجاءه نصارى العرب فصالحوه على الجزية.
28- إن موقف كعب رضي الله عنه من رسالة ملك غسان وتعليقه على طلبه، فيه صورة رائعة لما ينبغي أن يكون عليه إيمان المسلم بربه تعالى، وإن الابتلاء لا بد أن يكشف عن المزيد من الإِيمان وشدة الإِخلاص.
29- لقد وطدت هذه الغزوة سلطان الإِسلام في شمالي شبه الجزيرة العربية، ومهدت لفتوح الشام التي استعد لها الرسول ﷺ بإعداد جيش أسامة رضي الله عنه قبيل وفاته، فأنفذه أبو بكر، ثم أتبعه أبو بكر بجيوش الفتح الأخرى التي انساحت في بلاد الشام والعراق، وكانت بداية تحرير شعوب تلك المناطق من عبودية القيصرية والكسروية.