الأسلوب الثالث: الاتهامات الباطلة لصد الناس عنه:
من تلك الاتهامات:
أ- اتهموه بالجنون. وفي ذلك نزل قول الله تعالى: ﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴿٦﴾ ﴾[الحجر: 6]. وقد أجابهم الله في آية القلم: ﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴿٢﴾ ﴾ [القلم: 2]. وحكى عنهم في قوله: ﴿ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ﴿٥١﴾ ﴾[القلم: 51].
ب- اتهموه بالسحر. وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿٤﴾ ﴾[ص:4]، ﴿ وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ﴿٨﴾ ﴾[الفرقان:8].
وقد تَحيَّرَ الوليد بن المغيرة فيما يصف به القرآن. فعندما أوشك دخول موسم الحج جمع فريقه من عتاة المعاندين، فقال لهم: «يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فاجمعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا...».وعلى الرغم من استبعادهم أنه كاهن أو شاعر أو ساحر إلا أنهم اتفقوا على أن يقولوا للناس إنه ساحر، لأنه يفرق بين الأقارب، فأنزل الله عز وجل في الوليد: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴿١١﴾ ﴾[المدثر: 11]، ثم أخذوا يتلقون الناس يحذرونهم من أمر محمد ﷺ. وشاء الله تعالى أن تصدر العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها [الطبري: التفسير].
وكان مثل هذه المواقف من أسباب إسلام الناس في المواسم. وما روي في قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي الدليل على ذلك [ابن إسحاق].
وخلاصة قصته: أنه عندما قدم مكة ورسول الله ﷺ بها، مشى إليه رجال من كفار قريش، وكان الطفيل رجلًا شريفًا شاعرًا لبيبًا، فقالوا له: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل [اشتد أمره، ومنه الداء المعضل أو العضال والمعضلة] بنا، وفرق جماعتنا وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه ولا تسمعن منه شيئًا. فما زالوا به حتى وضع كُرْسَفًا [قطنًا] في أذنيه، ولكن أراد الله عز وجل أن يسمع من النبي ﷺ عندما كان يصلي عند الكعبة، فيسلم، ويسلم قومه. إلخ.
جـ- واتهموه بالكذب، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴾ [ص: 4]، ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ۖ ﴾[الفرقان: 4].
د- واتهموه بالإتيان بالأساطير. قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿٥﴾ ﴾[الفرقان: 5].
هـ- وقالوا إن القرآن ليس من عند الله، وإنما هو من عند البشـر ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ﴾ [النحل: 103].
و- واتهموا المؤمنين بالضلالة... ﴿ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ ﴿٣٢﴾ ﴾[المطففين: 32]. [من هؤلاء المؤمنين: عمَّار، وبلال، وخبَّاب، كما ذكر ابن الجوزي في زاد المسير (9/ 60)].